النبي إسماعيل (ع)

14 08 2008

النبي إسماعيل (ع) الذبيح

 

إسماعيل (ع)

 

 

دعوة إبراهيم(ع)

يروي المؤرخون أن نبي الله إبراهيم(ع) كان متزوجاً من سارة أخت نبي الله لوط(ع)، وهي ابنة خالته، وأنه لم يرزق منها بولد طوال أكثر من عشرين عاماً، فدعا إبراهيم ربَّه قائلاً: {ربّ هب لي من الصالحين}.

وكانت سارة تعلم برغبة إبراهيم (ع) في أن يصبح أباً ويكون له ولد يعينه في حياته ويرثه بعد مماته. وكانت لها جارية مصرية قبطية، اسمها هاجر، فوهبتها له، ليتزوجها عسى أن يتحقق له مايريد.

وهكذا حقق الله دعوة خليله إبراهيم(ع)، وحملت هاجر {فبشرناه بغلام حليم}، هو اسماعيل(ع).

ارتفعت نفس هاجر بعد حملها، وراحت تتباهى وتتكبر على سيدتها سارة، فاغتاظت سارة ولحقتها الغيرة، فكانت تدور بينها وبين هاجر خلافات كالتي تحصل بين الزوجتين في البيت الواحد، ولكن إبراهيم(ع) كان يوفق بينهما في كل مرة.

وظلت الحال كذلك حتى ولدت هاجر إسماعيل(ع) وإبراهيم(ع) في السادسة والثمانين من العمر، وسارة قد بلغت سن اليأس من الإنجاب، فتعاظمت غيرة سارة، وبات إبراهيم(ع) في حيرة في أمره، كيف يستطيع التوفيق بينهما وهو في هذا العمر شيخ كبير.

وبدأ إبراهيم(ع) يناجي ربه، ويطلب إليه أن يعينه ويساعدهُ، فبشره الله سبحانه بولدين آخرين تنجبهما سارة: { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. قالت: ياويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشئ عجيب. قالوا أتعجبين من أمر الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد}.

بعد خمس سنوات على ولادة إسماعيل(ع) أنجبت سارة إسحاق(ع) وهكذا صار لإبراهيم ولدان: إسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة… ولحكمة أرادها الله، وتحاشياً لما قد يقع بين الزوجتين وولديهما من الخلاف والمشاحنات أمر الله سبحانه خليله إبراهيم(ع) أن يخرج بإسماعيل وأمه هاجر، ويبتعد بهما عن سارة، التي اغتمت كثيراً وثقل عليها أمر هاجر وودلها إسماعيل، بعد أن صار لها ولد.

بوادٍ غير ذي زرع

أذعن إبراهيم(ع) لأمر ربه، فخرج بهاجر وابنها إسماعيل، وهو لايدري إلى أين يأخذهما، فكان كل ما مرّ بمكانٍ أعجبه فيه شجر ونخل وزرع قال: إلى ههنا ياربّ؟ فيجيبه جبرائيل(ع): امض يا إبراهيم…

وظلَّ خليل الله وهاجر سائرين، ومعهما ولدهما الرضيع إسماعيل حتى وصلوا إلى مكة، حيث لازرع هناك ولاماء، اللهم إلاّ دوحة ألقت عليها هاجر كساءً كان بحوزتها، ليظلهم من حرِّ الشمس اللاهبة.

أراد إبراهيم(ع) أن يترك هاجر وولدها إسماعيل، في ذلك المكان القاحل المقفر، حيث لادار ولانافخ نار، ولاطعام فيه ولاشراب، إلاّ كيس من التمر وقربة صغيرة فيها قليل من الماء كانوا قد حملوهما معهم عند بدء رحلتهم. فخافت هاجر على نفسها الجوع والعطش، وعلى ولدها الهلاك، فتعلقت بإبراهيم(ع) تريد ألا تتركه يذهب، وراحت تساله: إلى أين تذهب ياإبراهيم وتتركني وطفلي في هذا المكان الذي ليس فيه أنيس، ولازرع ولاماء؟!.. أو ما تخاف أن نهلك أنا وهذا الطفل جوعاً وعطشاً؟!

رق قلب إبراهيم(ع) وتحير في أمره، ولكنه تذكر أمر الله له، فماذا يفعل وهو إنما ينفذ ماأمره به ربه؟

وأشاح بوجهه عنها.. ولكن هاجر ألحت في السؤال، وظل إبراهيم(ع) منصرفاً عنها يناجي ربه.. ويأتي الجواب، جازماً حاسماً لاتردد فيه ولاتراجع: إن الله هو الذي أمرني بترككم في هذا المكان، وهو لاشك سيكفيكم..

لاذت أم إسماعيل بالصمت، ورضخت هي الأخرى لما أراده الله ثم قالت: إذن لايضيعُنا..

ورفع إبراهيم(ع) يديه بالدعاء متضرعاً إلى الله وهو يهم بالعودة: { رب إنّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم. وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}. ثم قفل عائداً إلى بلاد الشام حيث سارة، وقلبه يهوي إلى مكة.. إلى ولده وفلذة كبده إسماعيل الرضيع، ولاحيلة له إلاّ الدعاء والتضرع.

نفد التمر والماء من بين يدي هاجر… واشتدت حرارة القيظ فعطش الرضيع وطلب الماء ليشرب.. وراح يتلوى من الجوع والعطش فلم تعد هاجر تطيق رؤية طفلها على هذه الحال، فراحت تنظر إليه وعيناها مغرورقتان بالدمع، لاتدري ماذا تفعل.. أتترك وليدها يقضي جوعاً وعطشاً؟ لا، لا، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا المصير… فلا بد أنها ستجد الماء.. فالله لن يضيعها وطفلها..

وقامت هاجر في الوادي في موضع السعي أيام الحج، ونادت هناك: هل في الوادي من أنيس، فلم يجبها أحدٌ غير الصدى..

بئر زمـــزم

انطلقت هاجر تبحث عن المائ في كل اتجاه. وكان الصفا أقرب جبل إليها، فصعدت عليه وراحت تنظر يمنه ويسرة وفي كل ناحية فلاح لها على المروى سرابٌ طنته ماءً، نزلت عن الصفا وراحت تسعى مهرولة في الوادي باتجاه المروى، وفي ظنها أنها ستجد الماء.. ولكم كانت خيبتها حينما لم تجده شيئاً، فوقفت منهكة تنظر وتتفحص فلاح لها سرابٌ في الجهة الأخرى على الصفا وكأنه الماء فعادت مهرولة إلى الصفا ولكنها لم تجد هنالك شيئاً.

وهكذا في كل مرة، حتى فعلت ذلك سبع مرات وطفلها لم يفارق مخيلتها، ولم تكن تطيق أن يغيب عن ناظريها.. فلما كانت في المرة السابعة، وقد اشتد بها العطش، وأخذ منها التعب، وأنهكها المسير، دون أن تعثر على الماء.. نظرت إلى طفلها والدموع تكاد تطفر من عينيها، فإذا الماء ينبع من تحت قدميه، فأتته مسرعة وراحت تجمع حوله الرمل وهي تقول: زم زم. ثم أخذت تعب من الماء حتى ارتوت وانحنت على إسماعيل ترضعه.. فإذا بها تسمع صوتاً يقول لها: لاتخافي الضيعة، فإن ها هنا سيكون بيت لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، فقري عيناً، إن الله لايضيع أهله.

أفئدة من الناس تهوي إليهم

كانت قبيله جرهم، وهي إحدى أكبر القبائل العربية في ذلك الزمان، مثلها مثل بقية القبائل العربية تجوب الأماكن بحثاً عن الماء والعشب، وكانوا يقيمون في عرفات.. مما أتاح لهم أن يروا الطير تحوم فوق وادي مكة، حيث انبجس الماء من بئر زمزم، فعرفوا أن في ذلك الوادي ماءً، وبعثوا منهم من يتحقق من ذلك، فجاؤوا إلى الوادي فرأوا هاجر وإبنها إسماعيل، وشاهدوا البئر المملوءة ماءً فأعجبهم المكان، فاقتربوا من هاجر وسألوها من تكون؟.

قصت هاجر عليهم قصتها، فطلبوا منها أن تأذن لهم في النزول قريباً منها ومن البئر، فقالت لهم: سوف أستأذن لكم زوجي إبراهيم، فإنه يتفقدنا بين الحين والحين، ولما جاء إبراهيم ليرى إلام صار حال زوجته وابنه البكر إسماعيل(ع)، سألته هاجر إن كان يأذن أن ينزل الجرهميون قريباً منها في وادي مكة، فسرَّ بذلك سروراً عظيماً، وقد علم أن دعوته بدأت تتحقق، فأذن لهم.

وجاءت رسل جرهم ليعرفوا الجواب، فأعلمتهم هاجر أن زوجها أذن لهم بالنزول قريباً منها، شرط ألا يكون لهم على الماء سلطان. فعادوا إلى قومهم يخبرونهم، ففرحوا بذلك ووافقوا.

أقام الجرهميون قرب الماء، فأنست بهم أم إسماعيل، وقد منحوا ابنها كثيراً من المواشي.

وشبّ إسماعيل(ع) بين أبناء قبيلة جرهم، كواحد منهم، فتعلم منهم العربية، وبلغ مبلغ الرجال.

الرؤيا الإمتحان

لما بلغ إسماعيل(ع) الثالثة عشرة من عمره، أراد الله سبحانه وتعالى أن يمتحن صدق إيمان أبيه إبراهيم(ع).. فأرى إبراهيم في المنام أنه يأمره بذبح ولده البكر الشاب إسماعيل وأن عليه إن كان صادق الإيمان أن يمتثل لأمر ربه.

وصدق إبراهيم الرؤيا قولاً وسعى إلى تصديقا عملاً وفعلاً، فجاء إلى ولده إسماعيل وقال له: {يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى}.

ولم يكن إسماعيل(ع) ليكذب رؤيا أباه، ويرفض أمر الله مولاه، فقال لأبيه: {يا أبت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين..}.

وهكذا صدق الإثنان: إبراهيم خليل الله، وولده إسماعيل عليهما السلام، صدقا أمر الله دون أن تراودهما الهواجس والشكوك، ولم يترددا في التنفيذ.. وبدأ التنفيذ العملي لذلك التصديق: قاد إبراهيم(ع) إسماعيل إلى المكان الذي أُمِر أ، يذبحه فيه، فبعث الله سبحانه إليه ملكاً على صورة شيخ جليل رزين، فقال إبراهيم(ع): ياإبراهيم، ماتريد من هذا الغلام؟ قال(ع): أريد أن أذبحه. قال الشيخ: سبحان الله! غلام لم يعص الله، ولم يأتِ مايستحق منك ذلك!

قال إبراهيم(ع) إنّ ربي هو الذي أمرني بذلك. فقال الملك الشيخ: ربك ينهاك عن ذلك وإنما أمرك به الشيطان. قال إبراهيم(ع): ويلك إن الذي بلّغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به.

وظل الشيخ يحاور إبراهيم(ع) ويقول له: ياإبراهيم إنك نبي إمام، فلئن أنت ذبحت إبنك، تبعك الناس من بعدك وصاروا يذبحون أولادهم.

لم يلتفت خليل الرحمن إلى كلام الشيخ، بل أقبل يستشير ولده إسماعيل(ع) في الذبح وكيف يكون، فقال إسماعيل: يا أبتاه، غط وجهي بخمار، واربط يدي ورجلي.. فقال إبراهيم(ع): الوثاق مع الذبح!.. لا والله أجمعهما عليك، وأسلما لأمر الله.. وتلّ إبراهيم إسماعيل، وأضجعه على الأرض وأخذ السكين ووضعها على حلقه..ورفع رأسه إلى السماء وجر السكين.. ولكن الله العزيز العليم، لم يكن ليترك إبراهيم يذبح ولده إسماعيل وهو يعلم صدق الأثنين وتسليمهما لأمره، وقد ظهر هذا التصديق جلياً واضحاً: {فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه: أن ياإبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين}.

وأمر الله سبحانه جبرئيل فقلب السكين على قفاها، فلم تفعل شيئاً. ثم رفع إسماعيل(ع) وأتى بكبش كبير أضجعه موضعه، ونجى إسماعيل من الذبح: {وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين. سلامٌ على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين}.

إسماعيل(ع) وزوجتاه

وتوفيت هاجر أم إسماعيل رضوان الله عليها، فدفنها إسماعيل(ع) في مكة قرب البيت الحرام، في المكان الذي يعرف اليوم بحجر إسماعيل.

ثم تزوج فتاة من جرهم، عاشت معه بعد وفاة أمه هاجر… وجاء إبراهيم(ع) بعد فترة ليتفقد أحوال ابنه وأهله، ولم يكن إسماعيل موجوداً في البيت، فوقف على امرأته دون أن تعرفه، وراح يسألها عن إسماعيل، فقالت: خرج يبتغي لنا.. وسألها عن أحوالهم وكيف يعيشون، فراحت تشكو الضيق وتعلن أنهم في أسوأ حال.. ولم تستضفه، فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلاموقولي له يغير عتبة بابه.

وتركها إبراهيم(ع) وانصرف راجعاً، فلما جاء إسماعيل(ع) عرف أنّ إباه قد حضر، فسأل زوجته: هل جاءنا أحد اليوم؟ قالت: جاءنا رجل شيخ.. وراحت تصفه له وذكرت له ما سألها عنه، وأخبرته بما قالت هي له، فقال لها إسماعيل(ع) وهل أوصاكِ بشئ؟ قالت: أوصاني أن أقرئك السلام، ويقول لك أن تغيّر عتبة بابك.

فقال إسماعيل(ع): ذلك هو أبي، وقد أمرني أن أطلقك، وطلّقها فلحقت بأهلها، ثم تزوج بأخرى من قبيلة جرهم.

وعاود إبراهيم(ع) زيارته إلى بيت ولده إسماعيل(ع)، وكان إسماعيل خارجاً، فدخل فلم يجده ووجد زوجته، فرحبت به، واستضافته، فنزل وسألها عنه فقالت: خرج يطلب الرزق لنا. قال: كيف أنتم، وكيف تعتاشون؟ قالت: نحن بخير وسعة، والحمد لله، فقال إبراهيم(ع) وما طعامكم وشرابكم؟ قالت: أما طعامنا فاللحم، وأما شرابنا فالماء. فقال(ع): اللهم بارك لهم في اللحم والماء، ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، وقولي له يثبت عتبة بابه ويستوص بها خيراً.

ولما رجع إسماعيل إلى بيته. سأل امرأته: هل زاركم أحد اليوم؟ قالت نعم، رجل شيخ حسن الهيئة، سألني عنك، فأخبرته أنّك خرجت في طلب الرزق، وسألني عن حالنا وكيف عيشنا، فأبلغته أننا بخير وسعة من الله.

وسأل إسماعيل(ع) زوجته: هل أوصاك ذلك الشيخ بشئ؟ قالت: نعم، هو يقرئك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك وتستوصي بها خيراً. قال: إنه أبي، وأنت عتبة الباب، وقد أمرني أن أثبتك في بيتي زوجة لي وأستوصي بك خيراً.

إسماعيل(ع) ينقل الحجارة لبناء البيت الحرام

غاب إبراهيم(ع) مدة لم ير خلالها ابنه إسماعيل(ع)، حتى أمره الله سبحانه تعالى، أن يبني له بيتاً في مكة، يكون مثابة للناس.

ولم يعرف إبراهيم أين يبني البيت، وتحير في الأمر، فبعث الله عزوجل جبرائيل، فأشار إليه بالمكان المناسب، وجاءه بالقواعد من الجنة.

قصد إبراهيم(ع) منزل ولده إسماعيل، وأبلغه الأمر الإلهي، فقال إسماعيل(ع): تبنيه وأساعدك.

وبدأ إسماعيل بنقل الأحجار، من ذي طوى وجبل أبي قبيس، وراح إبراهيم(ع) يبني البيت ويدعو مع إسماعيل: {ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم}.

رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بناء البيت، حتى بلغ يوم بنائه تسعة أذرع، وقد جعلا له بابين: شرقياً وغربياً يسمى المستجار. ثم إنّ جبرائيل (ع) دل إبراهيم على موضع الحجر الذي كان الله تعالى قد أنزله على آدم، والذي يروى أنه كان أشد بياضاً من الثلج، وإنما اسود بعدما لمسته أيادي الكفار، فأخذ إبراهيم(ع) الحجر الأسود ذاك، ووضعه في المكان الذي هو فيه اليوم.

وعند انتهاء إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) من بناء بيت الله الحرام، عهد الله إليهما أن يقوما على خدمته: {… وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود} وجعله مثابة للناس، وأمرهم باتخاذه مصلى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}.

ثم أمر الله سبحانه خليله إبراهيم(ع) أن يعلو ركناً من أركان البيت، وينادي في الناس: ألا هلم إلى الحج: {وأذَّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على مارزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوَّفوا بالبيت العتيق}.

إسماعيل(ع) نبي الله

لما أحس إبراهيم(ع) بقرب وفاته، أوصى ابنه إسماعيل(ع) أن يقوم بخدمة بيت الله الحرام، ويدبر شؤونه، وهكذا كان فبعد وفاة إبراهيم(ع)، قام إسماعيل برعاية البيت والسهر على شؤونه.. ثم إن الله سبحانه وتعالى نبأه وأرسله إلى العماليق وقبائل اليمن. فأخذ ينهاهم عن عبادة الأوثان ودعاهم إلى عبادة الرحمن، الواحد الأحد الفرد الصمد، فآمن بعضهم وكفر آخرون.

وقد ذكر الله سبحانه نبيه إسماعيل(ع) في سبع من سور القرآن المجيد، هي على التوالي: سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة النساء، سورة الانعام، سورة إبراهيم، سورة الأنبياء، وسورة ص.

أما إسماعيل الذي ورد ذكره في سورة مريم في قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيا. وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا}، إسماعيل هذا هو ابن حزقيل، كما أجمع عليه المؤرخون وليس إسماعيل بن إبراهيم(عليهما السلام) وكان إسماعيل بن حزقيل هذا نبياً أيضاً، وسمي «صادق الوعد» لأنه وعد شخصاً أن ينتظره في مكان معين لايبرحه، فانتظره ولم يغادر المكان، فيما نسى ذلك الشخص موعده وجاء بعد سنين ليجد إسماعيل(ع) لايزال في انتظاره، يأكل مما أنبته له الله من الأعشاب.

ويروى في قصة إسماعيل هذا، أنّ عابد بني إسرائيل الذي كان يقضي حوائج الناس عند الملك هو الذي وعده، وأنه نسي وعده وهو عند الملك، وأن الملك خرج ذات يوم للتنزه كعادته وقد اصطحب معه أعوانه ومنهم العابد هذا، وبينا هم يتجولون في البرية وقع نظر العابد على إسماعيل، فتقدم إليه وقال له: إنك لاتزال هاهنا ياإسماعيل؟ قال إسماعيل عليه السلام: ألم تقل لي إنتظرني ها هنا؟ فها أنا منتظرك، فتعجب الملك مما رأى وتساءل كيف يبقى إنسان إلى الحول في مكانٍ واحد. فاخبره إسماعيل(ع) أنّ الله قد أظله بغمام، وأجرى له عين ماءٍ، وأنبت له من بقل الأرض ماكان يقتات به.

وكان مع الملك رجل جبارٌ لم يستطع أن يفهم كيف أنّ إسماعيل قضى سنة كاملة في ذلك المكان، فقال للملك: سيدي الملك إنّ هذا الرجل لكذّاب، فلقد مررت أنا بهذه البرية منذ مدة فلم أرَ أحداً هنا، وإنما كان يروح ثم يعود إلى هذا المكان.

وكانت لإسماعيل هذا(ع) كرامة عند الله تعالى، كما لكل نبي من الأنبياء، فقال للجبار: إن كنت تكذب عليَّ فيما تقول، نزع الله صالح ما أعطاك، فلم يلبث أن تناثرت أسنان ذلك الجبار، واعترف بكذبه، ثم توسّل إلى الملك أن يطلب من إسماعيل، أن يسامحه ويدعو الله أن يرد عليه أسنانه، لأنه شيخ كبير السن ولايمكنه العيش دون أسنان. فطلب الملك إلى إسماعيل أن يدعو ربه أن يعيد للرجل أسنانه، فقال إسماعيل(ع) سأفعل. قال الملك: بل الساعة. قال إسماعيل(ع): إنني أفضّل أن أؤخره لوقت السَّحر، لإن أفضل أوقات الدعاء وقت السحر.

وهكذا، دعا إسماعيل ربه فردّ على الرجل أسنانه.

ويروي أنّ أهل مكة كانوا يفتشون عن إسماعيل لايعرفون له مكاناً، وهو قائم في المكان الذي وعد عابد بني إسرائيل أن يجده فيه، إلى أن عثر عليه رجل منهم. فقال له: يانبي الله، لِمَ تركتنا وتخليت عنا، فلقد ضعفنا بعدك وكدنا نهلك؟ قال إسماعيل(ع): لقد وعدت رجلاً أن ألاقيه في هذا المكان، ولن أغادر من هنا قبل أن يعود ونلتقي.

لما سمع الرجل ذلك من إسماعيل، أسرع إلى قومه يخبرهم بأمره وأمر الوعد، فخرجوا يبحثون عن الرجل حتى وجدوه، فقالوا له، مالك أيها الرجل تعد ولاتفي، لقد وعدت إسماعيل أن تلاقيه في مكانه وأخلفت وعدك، فهرع الرجل إلى مكان إسماعيل(ع) وقال له: يانبي الله، إنني نسيت موعدك، ولم أتذكر لو لم يذكّرني هؤلاء.

ويذكر أنّ إسماعيل(ع) قال للرجل: لو لم تأتِ لبقيت منتظراً، ولو طال ذلك إلى قيام الساعة، فأنزل الله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد}.

ويروي أن قوم النبي إسماعيل هذا، ضايقوه وآذوه، حتى أنهم، أخذوه فسلخوا جلده، فغضب الله عليهم، وأراد لنبيه أن يقتصّ منهم، فأنزل عليه ملكاً يقول له: قد أُمِرتُ بالسمع والطاعة لك، فمر فيهم بما ترى. فقال إسماعيل(ع): لا، يكون لي بالحسين بن علي(ع) أسوة.

أما إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام)، فهو أبو العرب، وقد عاش مائة وسبعاً وثلاثين سنة على مايذكر الرواة، وقد رزق(ع) من الأولاد اثنا عشر ذكراً هم: فائت، قيدار، إربل، ميم، مسمع، دوما، دوام، ميشا، حداد، حيم، قطورا، وماش.

وإلى إسماعيل(ع) يتصل نسب حبيب الله نبينا محمد(صلى الله عليه وآله) عن طريق ولده قيدار والله أعلم، حيث ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: «أنا ابن الذبيحين» وهو يعني أباه عبد الله وجده إسماعيل بن إبراهيم عليه وعليهما الصلاة والتسليم.

ويذكر المؤرخون نسب النبي محمد(ص) ومنهم المسعودي الذي قال: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن عدنان بن أد بن أود بن ناحور بن يعور بن يعرب بن يشجب بن ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارخ، إلخ….

من هنا يعلم فضل نبي الله إسماعيل(ع)، حيث أنه كان من صلبه شجرة النبوة المباركة، والأشخاص الذين من أجلهم خلق الله سبحانه الأرض ومن وماعليه، وهم أهل البيت حبيب الله محمد وأولاده من ابنته فاطمة(ع) وزوجها ابن عم النبي علي بن أبي طالب(ع). من هنا إذاً كرامة إسماعيل(ع) عند الله حتى افتداه بذبح عظيم كما مرّ معنا، ليحفظ سبحانه شجرة النبوة المباركة والأئمة الميامين.

ويذكر أن نبي الله إسماعيل (ع) لما أحس بدنو أجله، أوصى إلى أخيه إسحاق بتدبير شؤون البيت الحرام، وتوفي سلام الله عليه، ودفن في المسجد الحرام في المكان الذي فيه الحجر الأسود.

فسلام الله على إسماعيل إنه كان نبياً رسولاً

وكان من الأخيار وكان من الصابرين

الحمد لله رب العالمين





النبي داوُد(ع)

14 08 2008

النبي داوُد(ع) صاحب المزامير

 

النبي داوُد(ع)

 

تولّى يوشَعُ بنُ نون قيادة قومه، بعد التحاق موسى(ع) بالملأ الأعلى.

وخرج بهم من أرض التيه، بعد أربعين سنةً تاهوا فيها، حيارى،.. إلى أرض فلسطين، لقتال أعدائهم، وما زال ينتقلُ بهم من نصرٍ إلى نصرٍ، حتّى دانَ لهم الأعداءُ وخضعت لهم الرقابُ، فحكموا بشريعة السماء!.

وكانوا يُقدِّمون أمامَهم، في كلِّ المعارك التي خاضوها، «تابوت العهد»،.. وفيه بقيةٌ ممّا ترك موسى وهرونُ: من عصا موسى، إلى الألواح المقدسة، إلى بعض دروعٍ وسلاحٍ.. وهكذا كانت بيارقُ النصر تُرفرف فوق هذا التابوت المقدس باستمرارٍ،.. الذي كان نعمةً أنعمها الله على بني إسرائيل!..

ولكنَّهم – كعادتهم- مالبثوا أن انحرفوا عن طريق الحقِّ، وجادّة الصواب.. فسلّط الله عليهم «الفلسطينيينَ» حتى ذلُّوا، وهانوا، وباؤوا بغضبٍ من الله وخذلان!..

صموئيل النبي

وأتى بنو إسرائيل نبياً لهم، وعبداً من عباد الله الصالحين، اسمه «صموئيل» وشكوا إليه، متبرِّمين، مايلاقون من مرارة الهوان، وتمزق الشمل والخذلان، وظهور أعدائهم عليهم ( أي: تفوُّقهم).

وهز «صموئيل» رأسه، فهو على وثيق الايمان بأنّ لعصاة الله سوء الدار، وبئس القرار.. وقومُه عصاةٌ فاسقون، مردُوا على الكفر والنِّفاق، فالله مجازيهم بما كسبت أيديهم وبما كانوا أنفُسهم يظلمون. وقال لهم بصوتٍ عميقٍ، وهو يتطلّع إلى آفاق السماء:

- دعوني استخر لكم الله في ماأنتم فاعلون!

وانصرفَ، كلٌ إلى شأنه!..

وأوحى الله إلى نبيه «صموئيل»: إني قد اخترتُ «طالوت» ملكاً على بني إسرائيل، ولعلّ «صموئيل» لم يكن قد سمع بهذا الاسم من قبل.. فمن «طالوت» هذا؟.. وكيف الوصول إليه؟..

فأوحى إليه الله عزّوجلّ: لاعليكَ يا «صموئيل»، فطالوتُ آتٍ إليك عمّا قريب. إنه عبدٌ من عبادي الصالحين، قد آتيتهُ بسطةً من الجسم والعلم.. وبه يتمُّ صلاحُ أمر بني إسرائيل.

«طالوت» و»صموئيل»

«طالوت» في قرية من قرى الوادي، يُشرفُ على أغنامٍ وأُتُنٍ (جمع أتان: أنثى الحمار) يرعاها، فتنمو عدداً – ويتعهّد الأرض: رياً، وفلاحةً، وزراعةً، فيجني منها وافرَ المحاصيل.

وبينما كان يرعى قطيعاً، أخذتهُ سنةٌ من الكرى، فغفا ساعةً أو بعض ساعةٍ، ولما استفاق، طلبَ أُتُنهُ فلم يجدها، فسأل غلامه عنها. وإذا به، مثله، لايعلمُ عنها شيئاً، فنهضا، وتوجّها إلى أرض وعرةٍ ذات عشب وكلأ وشجر، فلعل الأُتن قصدتها.. وتوغَّلا عميقاً في الأرض الوعرة، حتى تورّمت منهما الأقدامُ، دون أن يعثُرا لها على أثر. وأرادا العودة خائبين، بعد أ، لقيا مشقةً وعسراً، على أن يعاودا البحث عنها غداً في المقلب الآخر للوادي. فلعلّها قصدت وعور الشِّعاب!..

ويتوقَّفُ الغلامُ لحظةً، وهو يفرُكُ جبهته، ويتوجَّهُ بالكلام مخاطباً سيِّده «طالوت»:

- «سيدي، لعلَّنا لن نجوس خلال هذه الأرض مرةً أخرى. فنحن الآن في أرض «صوف» موطن النبي «صموئيل» الذي يهبِطُ عليه الوحيُ، وتتنزَّلُ الأملاكُ. فهيَّا بنا إلى هذا النبي الكريم، نستوضحه أمر ما افتقدنا من أُتُن، فلعلّ السماء تُنبئُنا بواسطته عن ضالّتنا.. وإلى ذلك كلّه، فلعلّنا نتبرّك بدعائه، ونُحرز رضاهُ.

وارتاح «طالوتُ» إلى هذا الرأي. فلا ضيرَ منه على أي حال!..

ويتوجّه «طالوت» يصحبه غلامُه إلى حيثُ يقيم النبي «صموئيل». ويلتقيان، في طريقهما إليه، فتياتٍ، خرجنَ يستقين الماء، فسألاهُنَّ كيف السبيل إلى لقاء «صموئيل»، فأخبرنهما بأنّ الناس يلاقونه خلف ذيَّاك الجبل، ولعلّه موشكٌ على المجئ.

وفيما هُما كذلك، وإذ بصموئيل بطلعُ عليهما، يشعُّ محيّاهُ بنور النبوّة، وتحفُّ به مهابةُ رسولٍ كريم!..

ونظر كلُّ منهما إلى الآخر.. فأوقع الله في قلب «صموئيل» أنه أمام «طالوت» الموعود.

ولم يتردّدْ «طالوت» في الإبانة عن نفسه، والهدف من مجيئه، فقال:

- «لقد أتيتك، يانبيّ الله، مستوضحاً، مسترشداً، لقد ضاعت لنا أُتُنٌ، ومازلتُ أطلبُها، مع غلامي، منذُ ثلاثة أيام، دون جدوى. وقد أتيناك مسترشدين: فهل إلى العثور عليها، من سبيلٍ؟..

فأجابه صموئيل باطمئنان الواثق:

«أمّا الأُتُن التي أنت في طلبها، فهي في طريقها إلى أبيك، فلا تنشغل بها نفساً، ولاتنزعج بها خاطراً..

وإني أدعوك إلى أمرٍ، ندبَكَ الله إليه (أي: كلَّفك به، ودعاك..)، وهو أمرٌ، وايمَ الله (أي: أقسم بالله) جدُّ جسيمٌ، وخطيرٌ!..

ويُحملِق «طالوت» في وجه صموئيل دهشاً، فإلى مَ يدعوه نبي الله «صموئيل»؟..

- ماالأمر يانبيَّ الله؟

- لقد اختارك الله على بني إسرائيل، ملكاً!..

- أنّى يكون لي ذلك، ومن أكون حتى أنهض بهذا الحمل العظيم، والأمر الجلل الخطير؟ إنني من أبناء «بنيامين» أخمل الأسباط ذكراً، وأوضعهم جاهاً، وأدناهم قدراً، وأقلّهم مالاً، وأبعدهم عن مواطن الحكم والسلطان!..

- لاعليك!.. فليس لأغنياء الناس، ووجهائهم، من النبوة، إلاّ الحظُّ الأقلُ، والنصيبُ الأدنى. وإنّ هذه مشيئةُ الله، أنقلُها إليك،.. فاشكُر الله الذي اصطفاك عليهم جميعاً، واجتباك (أي: اختارك)، واحمد نعماءه على تكليفك بما لاينهضُ به إلاّ رجالُ الله الأخيار، فهيَّا، واصدَع بما أُمِرتَ به!..

وأخذ «صموئيل» بيد»طالوت»، وسارا، وتبعهما الغلام الذي، لدهشته، لم ينبس ببنت شفةٍ.

ووصل الثلاثةُ إلى النادي، حيث يجتمع عليّةُ القوم من بني إسرائيل، وأشراف ساداتهم، فوقف عليهم «صموئيل»، وهو ممسكٌ بيد «طالوت»، وأعلنَ فيهم:

- إن الله قد بعثَ «طالوتَ» ملكاً عليكم، فاسمعوا له، وأطيعوا، وأعّدوا العُدّة لجهاد عدوكم، تفلحوا، وتظفروا إن شاء الله!..

فلووا بأعناقهم، منذهلين!..

فمن يكون «طالوتُ» هذا النكرةُ، بينهم، والسيّئ الحال، يؤمّرهُ الله عليهم، وفيهم كلُّ عظيم الشأن، خطير المُقام؟..

فلا ذكر له، وهو الخاملُ بين بني إسرائيل، ولامال له، وبينهم من بيده كنزٌ من الذهب، لايفنى!..

ولاهو من أبناء «لاوي»، فرع دوحةِ النبوّة السامقة في بني إسرائيل…

ولاهو من غصن «يهودا»، معدن الملك والرياسة والسلطان!..

وأدرك «صموئيل» مايدور في خلدِهم، وما تُحدِّثهم به نفوسُهم، فقال لهم:

- على رسلكم، ياقوم!.. فالسيادةُ لاتحتاجُ إلى نسبٍ، وما عساه يجدي النّسبُ إذا كان صاحبُه أخرق أحمق؟. وماذا يفعل المالُ – على كثرته- مع المتخلّف البليد، والجبان الرعديد؟.. وهذا طالوتُ، اختارهُ الله عليكم، وفضّله على من عداه من بني إسرائيل،. {إنّ الله اصطفاه عليكُم وزادهُ بسطةً في العلم والجسم}. وها هوذا، كماترون، أمامكم، سويُّ الخلق، جميلُه.. صلبُ الجسم، متينُه، يبعثُ على المهابةِ والجلال!..

ألا ترونَ، لو كان مهزولاً، ضعيفاً،.. لاقتحمتهُ إذن، عيونُكم، وازدرتهُ انفسكم..؟ وهو، إلى ذلك، محاربٌ عنيدٌ، وعلى الأعداء جسورٌ، شديدٌ، بصيرٌ بعواقب الأمور، وخبيرٌ بأساليب الحروب، وفوق ذلك كله، فليس الأمرُ مني، ولاهو بيدي.. ولكنّهُ أمرُ الله تعالى، ومشيئَتُه، عزوجلَّ، فهو الذي قد ملّكه عليكم،.. فأطيعوا الله، في أمرِه، وسلِّموا إلى مشيئته نفوسكم راضين،.. فإنني، والله، لكم من الناصحين!..

وكأنّه استمال قلوبهم،.. فأظهروا الإذعان!..

ولكنّهم، مالبثوا أن عادوا إليه يطالبونه بآية يعرفون بها صدق قوله، فيكونون بذلك من المصدّقين، المؤمنين،..

فقال لهم: إنني أعرف خبيئة نفوسكم التي جُبلت على اللّجاج، والعناد، والمكابرة، ونبذ الحق،.. واتّباع سبيل الهوى، وطريق الغيِّ، وسوء الظنِّ بالله، وتكذيب رسله،

{إنّ آية مُلكه أن يأتيكم التّابوتُ فيه سكينةٌ من ربّكم وبقيّةٌ ممّا ترك آل موسى وآل هرون تحمِلُهُ الملائكةُ أنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين}.

فخرجوا إلى ظاهر المدينة، كما واعدهم «صموئيلُ»، فشاهدوا التابوتَ يتهادى إليهم في الفضاءِ، محمولاً على أكفِ الملائكة، فآمنوا، وبايعوا «طالوت»، وأقرُّوا له بالملك!..

وأظهر «طالوتُ» في ملكه، حزماً وعزماً. فأسرع إلى تجهيز جيشٍ لاتشغلُ أفرادهُ عن الحرب شواغلُ الدنيا، والتهالُكُ على حُطامها، وسار بهم لقتال الأعداء. وبينما هم، في طريقهم إلى الحرب، مرّوا على نهرٍ، وقد تلظّت أكبادُهُم عطشاً، فقال لهم طالوتُ:

- {إنّ الله مُبتليكُم بنهرٍ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمهُ فإنّهُ منّي إلا من اغترف غُرفةً بيده}

وشدّد عليهم بألاّ ينهلنَّ منه أحدٌ إلاّ بمقدار رشفات يبرّد بها كبدهُ الحرّى.

ولكنّ معظمهم لم يلتفتوا إلى طلب «طالوت» فأسلموا أنفسهم إلى هواها، فعبُّوا من ماء النهر الجاري حتى الارتواء، بينما ترشّف القليلُ منهم من الماء رشفاتٍ نزيرةٍ (أي:قليلة) برّد بها غليله.

ولمّا أشرفوا على أعدائهم، وجدوا فيهم قوّة عدةٍ وكثرة عدد، وقائدهم «جالوت» يجول بينهم ويصولُ، وقد غطّاهُ الحديد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، على فرسٍ أدهم كأنّه قطعةٌ من ليلٍ حالكٍ، فانقسمَ أصحابُ «طالوت» عندما شاهدوا ذلك إلى فرقتين:

واحدةٍ: أصابها الوهنُ، ودبَّ فيها الضعفُ، فقالوا: {لاطاقة لنا اليومَ بجالوتَ وجُنودِهِ}.

وثانيةٍ: ثبتت على الإيمان، واستحبَّت الجهاد على النُّكول عن الحرب(أي: الانصراف عنها)، موقنةً بأن النصرَ من عند الله، فحثُّوا إخوانهم على الصدق في القتال، والله يفعلُ – بعد ذلك- مايشاءُ، هاتفين بهم {كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله؛ والله مع الصَّابرين!..}.

وانطلقت شرارةُ المعركة بالمبارزة!.. فبرز «جالوتُ» بين الصَّفين، فما بارزَهُ فارسٌ، إلاّ وجندلَه صريعاً، حتى تحامتهُ الفرسانُ، وأجحمت عن مبارزته الأقرانُ. وهو على جواده المحمحم صائلٌ جائلُ، وسيفُه يرعُفُ دماً، والقومُ واجمون، مطرقون.

داود يبارز جالوت

كان في «بيت لحم» رجلٌ من بني إسرائيل قد أحنت السنونُ صُلبَه، فغدا عودُهُ كالقوس انحناءً.. ولما دقَّ نفيرُ الجاد في بني إسرائيلَ، انتخبَ ثلاثةً من نبيه، قائلاً لهم:

- «هيَّا لمعاضدة إخوانكم، ونُصرة بني قومكم في القتال، وأخذ نصيبكم من الحرب».

والتفت إلى صغير أولاده، داود، الأبلج الغُرّة، الوضَّاء الجبين، المتوقِّد الخاطر، وقال لهُ:

- «أمّا أنتَ، فمُهمَّتُك إيصالُ الماء والطعام إلى إخوتك، وموافاتي بأخبارهم مساء كلِّ يومٍ، وإياك والحرب!.. فلست من رجالها، ولا ممَّن يخوضون لظاها!..»

وودَّع داودُ وإخوتُه أباهم الشيخ الكبير، الّذي دعا لهم بالنصر، والتَّأييد..

ولمّا وصلوا إلى ساح المعركة، راعَ داود فارسٌ طاغيةٌ، عملاقٌ، يخطُر على جواده بين الصَّفين مُتغطرساً، متجبِّراً، والقومُ عن مبارزتِه مُحجمونَ، بعد أن قتل من صناديدهم عدداً كبيراً!.. وسمع الفتى داودُ طالوت، يبعثُ النخوة في نفوس جنده، ويثيرُ فيهم الحماس:

- من لهذا الطاغية يقيناً شرَّه، ويكفينا أمره، على أن يكون ملِكاً من بعدي، وزوجاً لابنتي؟..

ثارت الحميةُ في نفس داود، فاقترب من طالوت مستأذناً بمبارزة هذا الطاغية الجبّار. فنظر إليه «طالوتُ» كالمستصغر شأنه،.. إنه فتىً غرٌ، لايزالُ في ميعةِ الصِّبا، وطراوته، لم تحنِّكهُ الأحداثُ ولاوقائعُ الحروب، فأعرضَ عنهُ.

ولكنَّ الفتى ألحَّ على طلبه، وأصرَّ، فقال لطالوت:

- » لايخدعنّك مني ياسيدي، صغرُ الجسم، وحداثَةُ العُمر، وقماءةُ المظهر (أي: حقارته) فالشَّجاعة في جراءة النفس والجنان، لافي ضخامة الأجسام والأبدان.

بالأمس القريب عدا على إبل أبي أسدٌ ضارٍ، فما زلت أنازلُه حتى ضرعتُه. وبعد ذلك بأيامٍ اعترضَني دبٌّ هائلٌ، فما زلتُ به حتى أرديتُه.

ورأى «طالوتُ» في بيان الفتى صدقاً، وفي لهجته ماينمُّ عن تصميمٍ واندفاعٍ!.. فأذِنَ له،.. وأدناه منه، وألبَسهُ لأمةَ حربه، ودرعَه، وقلَّده سيفَه. ولكنَّ جسم الفتى النحيل، ناء بما أسبغ عليه من الحديد الثقيل. فخلع ذلك كلّه، وألقاهُ أرضاً وحمل عصاه ومقلاعهُ، واصطحب أحجاراً مُلساً، وتهيَّأ للخروج.

فقال له «طالوتُ»: كيف القتالُ بالعصا والمقلاع، وهذا مقامُ السيف والنِّبال؟.

فأجابهُ داودُ: إنّ الله الذي نصرني على الأسدِ والدُّبِّ، كفيلٌ بنصري على هذا الطّاغية الكفّار!..

ومضى، لايلوي على شئٍ..، ولاحقتهُ عيونُ القوم، لهفى، بحذرٍ!.. فليس داودُ من أنداد جالوت الأكفاء!.. ومتى كان للحمل الوديع أن يبارز الضِّرغامَ الهصور؟.. (أي: الأسد الفتَّاك).

ونظر جالوتُ إلى هذا المتقدِّم نحوه،.. إنه فتىً غريرٌ، كالأملود الطريِّ، لم تتفتَّح منهُ البراعِمُ، بعدُ، وحدجهُ بنظراتٍ حدادٍ،.. فأين السِّلاحُ يحملُه؟..

وهزئ من هذه العصا، يحملها، وذلك المقلاع، أتُراهُ يرعى ضأناً في واد؟.. أم تُراه يروم لعباً؟.. والحرب جدٌّ، وموتٌ، لامجال فيها لعبث الصبيان ولهو الصِّغار!.. وصرخ جالوت بداود ينصحهُ، بالعودة، يلعبُ مع الصِّبية، من أترابه، ويَلهو،.. فللحرب رجالُها، قبل أن تُخطف منه قصارُ الأنفاس!..

فلم يُجبه داود بكلمةٍ. بل مدَّ يدهُ إلى كيسٍ، على جانبه، تدلّى،.. فتناول منه حجراً أملس، أصمَّ ،داكناً، ووضعه في مقلاعه الصُّوفيَّ، وأرسلَه على «جالوت»، فسُمِعَ له أزيزٌ في الهواء،.. وأصاب جالوت، فشجَّ جبينه، وخضَّب وجهه بالدَّم.. فاستشاط «جالوتُ» غضباً، وقد سال دمُهُ دافقاً، حاراً، وغلى دماغُه،.. وهجم على هذا الصبيَّ اللّعوب يريد اختطاف أنفاسه، فرماهُ داودُ بحجر ثانٍ صكَّ وجهه، وثالثٍ، أصابَ به أم رأسه، فخر جالوت، عن جواده، يتخبَّطُ بدمِه، كالثَّور المذبوح، وهو يخورُ!..

فلما رأى جندُ «جالوت» ماحلَّ بقائدهم، زاغت منهم القلوبُ والأبصارُ، فأركنوا للفرار، وتبعهُم جندُ «طالوتَ» يُعملون في قفاهم سيوفاً ورماحاً، وقد ولّى أعداؤهُم الأدبار!..

وأصبح داوُد محطَّ أنظار القوم، وموضع إعجابهم، فإليه تشيرُ كلُّ بنانٍ (أي: إصبع).

* داود وطالوت

وفي طالوت بعهده، وصدق بوعده، فزوّج داود ابنته (مكيالَ).

وشدَّت طالوتَ إلى صهرهِ الفتى المؤيَّد، المسدَّد، أواصرُ نسبٍ وقربى، وروابطُ مواطنِ صدقٍ وجهاد!..

ولكن طالوتَ، ضاقَ، بعد زمنٍ، بداود، ذَرْعاً!. وقد أصبح هذا الفتى مسموعَ الكلمةِ في قومه، نافذ الرأي، مُهاب الجانب، فهو بالنِّسبةِ لهم موئلُ أملٍ، ومعقد رجاءِ!.. إنه ينتقِلُ بهم في المعارك التي يخوضونها، من نصرٍ إلى نصرٍ، تحوطُه عنايةُ الله، وترعاهُ، فكأنَّ الأقدارَ طوعُ يمينِه يتصرَّفُ بها كيفَ يشاءُ!.

ويشعر داودُ بتغيُّر طالوتَ عليه.. فطالوتُ لايلقاه إلاّ عابس الوجهِ، مُقطِّبَ الجبين، مكفهرَّ المُحيَّا، فما الّذي دهاه؟.. وأين بسمته الأنوسُ، وحديثُه الودود، وطبعُه الصَّافي، كالماء الزُّلالِ؟..

ويُفضي داودُ إلى زوجه «مكيالَ»، بما يلاحِظهُ على أبيها من تجهم، وانقلاب وإعراضٍ،.. فتبوحُ له بالسرِّ: لقد داخَلَ أباها حقدٌ على داودَ وضغيتةٌ، فالحسدُ ينهشُ قلبّه، وقد أصبحَ صِهرُهُ قبلةَ الأنظار. وتنصحُه بأخذِ الحيطةِ، واتِّخاذ الحذرِ. فليس كمثلهِما واقٍ لمن أرادَ على نفسه الإبقاء.

استدعى طالوتُ داودَ إليه يوماً، فمثلَ بين يديهِ.

وبلهجةٍ لاتخلو من حقدٍ ينضحُ، قال طالوتُ لداوودَ:- إن كنعانَ قد قويَت شوكتَهُم، وعظُمَ خطرهُم، وتمادى اذاهم، وشرُّهم، ألّبوا جموعهم يريدون النَّيل من «شعب الله المختار»!… فسِر إليهم، على بركة الله، مع مَن تراهُ من قادةٍ وجندٍ لاستئصال شوكتِهم، وإيّاك أن تعودَ إلاّ وسيفُك يشخُبُ من دمائهم، أو محمولاً على أعناق الرجال!.

وأذعَنَ داودُ لأمرِ طالوتَ، سيِّدِهِ، ومولاه. وما كان له إلاّ أن يُذعنَ ويطيع!.. وظنَّ طالوتُ أنه كُفي أمرَ داود، فهو قد أرسله إلى المقبرة لا إلى المجزرة!..

وتقدَّم داودُ بجيشه زاحفاً على الكنعانيين في عُقر دارهم، فشتَّت جموعهم، ودمَّر مُلكَهم، وكان يرمي نفسَه في كلِّ مهلُكةٍ، لايبالي أوقع على الموت، ام وقع الموتُ عليه!.. ولكنّ الله كان له حفيظاً، وناصراً، ومسدِّداً، ومؤيِّداً- فعاد، منتصراً، ظافراًن ترفرفُ فوقه بيارق الفوز المبين.

ورأى طالوتُ ذلك، فَغُمَّ، واهتمَّ، وتكدَّر خاطرهُ، وثارت وساوسهُ وهواجسُه،.. لقد شاء أمراً، وشاءَ الله أمراً آخر. ولله مايشاء!..

ويزدحمُ رأسُه بأفكارٍ سود… فيقرِّر التخلُّص نهائياً من داود، ولايكون ذلك إلاّ بقتله. فأضمر له كُلَّ سوءِ، وانطوت جوانحه المضطربة على قرارٍ أسود، خطيرٍ، ينتظر، لتنفيذه، الفرَصَ السَّانحات!.. فيخلو له الجوُّ عندئذٍ، وقد أصبح في بني إسرائيل فرداً أوحد، دون منافس، أو منازع، أو شريكٍ!..

وعلمت (مكيالُ) بما يُبيِّتُ أبوها، وما عزم عليه من فادح الشرِّ والبلاء.. فأطلعت زوجها على الأمر، فهتفَ بها:

- أإلى هذا الحدِّ، وصل الأمر بأبيك، ياابنةَ الكرام؟..

وفرَّ داودُ هارباً تحت جُنح الظّلام!.. ولحق بداود أنصارٌ وأعوانٌ. وافتُضح أمرُ طالوت، وانفضَّ عنه أتباعٌ وجندٌ. فلجأ إلى السيف، فلَه، وحدَه، فصلُ الخطاب!.. وثار عليه عُلماءٌ، وناصبه العداء قُرّاءُ، فأعمل في رقابهم السيف البتّار. وألقى الرُّعب في قلوب من حوله، وبدا لهم بطّاشاً، جبّاراً، دمويَّاً!..

والدّمُ يستتبعُ الدمَ!.. فليس لمعارضيه ومناوئيه إلاّ حدُّ الحُسام!.

فعلت الصّرخةُ،.. وباتت القلوبُ ترعدُ حقداً على هذا الطّاغية السفّاح، الّذي انقلب على من حوله من الرِّجال الأخيار!.

وخرج داودُ في ليلةٍ دكناءَ يتحسَّسُ أمر طالوت، فوجدهُ يغُطُّ في سباتٍ عميقٍ، وحوله ثُلَّةٌ من الجند يرقُدون.

فدنا منه على حذرٍ وترقُّبٍ، وئيدَ الخطو، رشيقَهُ، كالنَّملةِ في دبيبها على صفاةٍ. (أي: حجر أملس) فوجد الرمح إلى جانب طالوت، فاستلّه بخِفَّةٍ، وعاد!.

وأفاق طالوتُ بعد ساعةٍ، وتلمَّس رمحه فلم يجده، وتفقَّد جُنده فإذا هم نيام!.. فصاح بهم، فهبُّوا، وهم يفرُكون أعيُنهم، مذعورين.

وسألهم بصوتٍ هدّار: من المتجرِّئ على سلطان بني إسرائيل، فانتزع رمحه الذي كان إلى جانبه؟ فمطُّوا شفاههم، مستغربين، مُستنكرين، ونظر بعضُهم إلى بعضٍ، متسائلينَ، وقد قلقوا سيُوفهم في أغمادها،:

- الويل للمتجرِّئ الوقاح!..

وأرسلَ داودُ إلى «طالوت» رسولاً: إن رمحك معي. وقد أمكنني الله من نفسك ولكنَّني لم أبسُط إليك يداً بأذىً مخافة الله ربِّ العالمين. فلعلَّ في ذلك عبرةً لك واتعاظاً، لتُقلعَ عمّا أنت سادرٌ فيه من عماوةٍ وجهالةٍ، وغيٍّ وضلال!.. وكان لهذه الكلمات أثرُها الفعَّالُ في نفسٍ طالوت، فأصبح كمن بدأ يعودُ إليهِ رشدُه تدريجيَّاً، متلمِّساً سبيل هداه!.. وتحرَّكتْ نوازعُ الخير في نفسه، فأعلن أسفهُ على مافرَّطَ في جنب الله، وعضَّ أصابع النّدم على مااجترم من موبقاتٍ، وما أهدر من دماء الصالحين، وعلى مافتك بعلماءَ وقراءَ أخيارٍ!.. فهام على وجههِ فسي الصحراء، ينشُد (أي: يطلب) غفرانَ ربِّ الأرضِ والسَّماء، حتَّى وافاهُ الحِمام (أي: أدركه الموت).

وعلم بنو إسرائيل بهلاك الطّاغية، فهُرِعوا إلى داود مؤيدين، وتهافتوا عليه مُبايعين وشدَّ الله ملكه، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب!.. وآتاه الله أيداً (أي قوةً وسلطاناً) من لدُنه، وسُلطاناً مبيناً، وسخَّر له الجبال مسبِّحاتٍ معه صبحاً وعشياً. وحشد الطيرَ له، فهي طوعُ أمره بما يُريدُ ويشاء!..

وتحكي الرواياتُ قصة المزامير، فتنسُبُ إلى النبيِّ داودَ مجموعةً من مئة وخمسين نشيداً، تُعرفُ بمزامير داود، وتؤلِّفُ سفراً من التوراة.

داود والفتنــة

كان «أوريا بن حنان» من خيرة فتيان بني إسرائيل الصالحين.

فلما تاقت نفسُه للزواج، وجد في «سابغ بنت شائع» ضالّته المنشودة.

إنها على اوفر قسطٍ من الجمال والكمال والملاحة والصَّباحة، في فتيات بني إسرائيل. فطار إلى أهلها يخطُبها إليهم، فأجابوه مرحِّبين. وتوثَّقت بينهم وبين الفتى الوسيمِ وشائجُ (أي: روابط) قربى، وأواصرُ نسب.

ودعا داعي الجهاد. فهبَّ «أوريا» منخرطاً في صفوف الجند. وتقاذفتهُ المعاركُ من أرضٍ إلى إرضٍ. ومن ميدانٍ إلى ميدان. ومرَّت عليه، وهو يتنقَّل مقاتلاً، مجاهداً، بضعُ سنين. وقد أبلى في سبيل الله أحسن البلاء!..

وكان يمنِّي نفسه أن يمنَّ الله عليه بالعودة إلى أهله سالماً فيقضي حياته مع شريكةِ عمره، بسعادةٍ ونعيم!.

وفي إحدى المناسبات، وقع نظرُ داود على «سابغ»، فوقعت في نفسِه، وهامَ بها حبّاً!. لقد خلبَ لبَّه جمالُها الآسرُ الطاغي. وليس بين أزواجِه، وهن عشرات، يمتلئُ بهنَّ قصرهُ الرحيب، كسابغٍ جمالاً وحسناً، ووضاءة وجهٍ، ولألاء ابتسامةٍ!..

فتقدّم من أهلها يطلبها إليهم زوجاً له، تنزل في قصره على بحبوحةِ نعماء، وثراء.. فأسرعوا إلى تحقيق رغبة ما يبتغيهِ نبي الله، ومليكهم العظيم.

وأصبحت «سابغ» زوجَ داود الأثيرةَ عنده. وذاتَ الحُظوةِ، والَّدلِّ، والدَّالَّة، والشأن الرفيع. فقَّرِّ داودُ بها عيناً.

وكان داودُ، الملك – النبيُّ، يقسمُ وقتَه أرباعاً:

- فربعٌ لنفسه: يأخذ حظَّه من نعيم الدنيا، ومما آتاه الله من واسع الفضل، وعريض السلطان،…

- وربع لعبادة ربه: يتهجَّد، ويتعبَّد، فهو أمام مولاه جبّار السموات والأرضين، عبدٌ مسكينٌ مستكينٌ.

- وربعٌ للفصل بين الناس، والقضاء في ماهم فيه يختصمون، وللعدل أن يأخذ مجراه.

- وربع أخيرٌ لبني قومه، يعظهُم، ويُرشدهم إلى سواءِ الصِّراط!.

وكان على بابه جندٌ وحرسٌ. فداود قد أخذ نفسَهُ بنظامٍ، تعارف عليه، أيّامذاك، كلُّ الناس. فلكلِّ شئٍ إبّان! (أي: لكلٍ وقته).

وبينما كان نبي الله داود منصرفاً في قصره، إلى بعض شؤونه، وإذ برجلين قد انتصبا أمامه وكأنّهما هبط عليه من السماء. وسألهما داود عما يبغيان. فصرَّحا بأنّهما أتيا، مختصمين، إليه، فيحكُم بينهما بالعدل، دون شططٍ، ولا إسرافٍ!..

وتلفَّت داود حوله، فمن أين دخل الرجلان؟ وكيف غفلت عنهما أعينُ الحُرّاس؟.. فاحتكام الخصوم ليس هذا وقتُه. وابتلع ريقه بعد أن لم يجد بداً من الفصل في ماهما فيه مختلفان!..

قال أحدُهما: {إن هذا أخي له تسعٌ وتسعونَ نعجةً، ولي نعجة واحدة}- والعرب تكني عن المرأة بالنّعجة، فكأنه يقول، كما يراه بعض المفسِّرين، إن لأخي تسعاً وتسعين امرأة ولي أمرأةٌ واحدة- فما زال يغالبني في حجته وبيانه، ومنطقه وبرهانه، حتى غلبني، فأخذها مني.

فالتفت داود، نافراً مما يسمع، إلى الرجل الآخر، مستوضحاً

- أحقاً مايقول خصمُك؟

ويجيبُ الرجل: أجل، ياسيدي!..

- ولم؟.. يصيح داود مستغرباً.

فيجيبه: ليكمل عدد ماعندي إلى المائة!.

فاستشاط داود غيظاً، وانتفخت أوداجه حنقاً، أمام الظُّلم الصُّراح. فصرخَ متهدداً:

- والله، لايكون ذلك. فهذا ما لاحقَّ لك فيه، وإن وإن رمتَه، وأصررتَ عليه، ضربنا منك الجبهَة، والخيشومَ (أي: الأنف).

يشيرُ الرجل بسبّابتِه إلى داود، قائلاً: من فمِك أدينُك يانبيَّ الله!..

فما بالك، وأنت الّذي يغصُّ قصرُه بتسعٍ وتسعين من النساء الحِسان، تنفَسُ (من المنافسة) على (أرويا) زوجتَه الوحيدة، ولاتحفظُ له، وهو يجاهد في سبيل الله، عهداً في أهله، ولاترعى له ذمام حرمة؟..

وشعر داودُ، وكأنَّ السيفَ صدَعَ رأسه، فأُصيب بالذهول، ولم يُحِر جواباً!.

وأطرق إلى الأرضِ لحظةً، ثم رفعَ رأسه ليردَّ على الرجل، فهو لايعلم من أمر خطبةِ «سابغ» على «أوريا» شيئاً.

ولكن الرَّجلين اختفيا، وكأن الارض ابتلعتهما!.. وحملق داود في أرجاء البهو، فلم يجد أحداً،.

وخانتهُ قواه، فلم تعد قدماه تحتملان النهوض بجسمه،.. فخرَّ إلى الأرضِ ساجداً، منيباً، مستغفراً، تائباً، ودموعه تنحدر على وجنيه كلاذع الجمر، فتبتلُّ بها كريمتُه (بمعنى لحيته) التي وخطها المشيبُ. وألقى في روعه أنه كان بحضرة ملكين كريمين، أتياه مؤدِّبين، فعلِّماه مالم يكن يعلم، تلميحاً منهما، ورمزاً!.. وغفر الله لداودَ زلَّته!..

ولنستمع إليه تعالى في هذه الحادثة الفريدة:

{وهل آتاك نبأُ الخصمِ إذ تسوَّرُوا المحرابَ. إذ دخلُوا على داود ففزع منهُم، قالوا: لاتخف. خصمان، بغى بعضُنا على بعضٍ، فاحكُم بيننا بالحقِّ ولاتشطُط، واهدِنا إلى سواء الصِّراط. إن هذا أخي لهُ تسعٌ وتسعونَ نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ، فقال: أكفلنيها. وعزَّني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإنّ كثيراً من الخُلطاء ليبغي بعضُهُم على بعضٍ، إلاَّ الّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات، وقليلٌ ماهُم. وظنَّ داودُ أنّما فتنّاهُ فاستغفرَ ربَّهُ، وخرَّ راكعاً وأناب} (صدق الله العلي العظيم).

عدوانُ أصحاب السبت

أقرَّ الله لبني إسرائيل، على أن يكون السبتُ يوماً ينقطعون فيه للصلاة، ويعتكفون للعبادة!.. واستمروا على هذا الحال، ردحاً من الزمن، طويلاً.

وكان نبيُّ الله داودُ يحُضًّهم على ماهم عليه من تقديس يوم السّبت،.. ويحثُّهم على الانقطاع فيه لعبادة الله، وأعمال البرِّ، والتقرُّب إليه تعالى بالدُّعاء والصلاة. فلا تجارة في هذا اليوم، ولاصيد، ولا صناعة.

وكان في «أيلة» – القرية الواقعة على شاطئ البحر الأحمر- جماعةٌ من بني إسرائيل، يعبدون الله تعالى، ويُسبتون (أي: ينقطعون لله في يوم السبت)، كبقيّة بني إسرائيل. وكان البحرُ مورد رزقهم الوحيد، فهم يعيشون على صيده..

وشاء الله امتحانَهُم: فكانت {تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهِمُ شرَّعاً، ويوم لايُسبتونَ لاتأتيهم!}. وكانوا يرون ذلك، فيتنغصون..

الأسماكُ السِّمانُ، الكِبار، في مُتَناول أيديهم في كل سبتٍ، وفي ماعداه من أيام الأسبوع، فلا صيدَ، ولا أسماك!..

وحدثتهم أنفسُهم بالصَّيد، يوم السبت، وخرق العادة التي انتهجوها سنين طوالاً. واحتالوا على الأسماك، فاصطادوها في يوم سبتهم، الحرامِ!..

فذُعرَ من ذلك مؤمنو بني إسرائيل، وصُلحاؤهم الأبرار. ووجدوا في ماأقدم عليه قومهم، مروقاً (أي:خروجاً) من الدِّين، ومجاهرةً بالفسق والعصيان. فوعظوهم، وزجروهم، فلم يُغْنِ وعظٌ، ولم يُجدِ ازدِجارٌ!.. وأصرُّوا على الصَّيد في اليومٍ الحرام!..

ونهاهم نبي الله داودُ، وخوَّفهم عذابَ الله، وأليمَ عِقابِه، فلم يَرعووا..

واعتزلهم مؤمنو بني إسرائيل، فليس الكافرُ، المبارزُ الله بالمعصية، للمؤمن جاراً!.. وأقاموا بينهم وبين هؤلاء الفسقةِ جداراً: فهذا حيُّ المؤمنين الأطهار، وتلك ديار الكافرين الأشرار. وازداد الفسقة على ماهم عليه إصراراً، واستكباراً!..

ورفع نبي الله (ع) يديه الكريمتين إلى السماء داعياً عليهم بعذاب الله. فزلزل الله الأرض بالكافرين، فدُمِّروا تدميراً.

وقال لمن تبقى منهم على وجه الأرض، حياً: {كونوا قِردةً خاسئين!}.. فكانوا مسوخاص ولاأحقر!..

ومُسخ من كان في البحر، فكانوا «سمك الجري» الأملس، الذي لازعانف له ولاحراشف،.. بل جلدٌ أملسُ ناعمٌ، كجلد الحية الملساء!..

وهكذا حقَّت كلمة العذاب على القوم الكافرين!..

سليمان خليفة أبيه من بعده

بعد حادثة الغنم التي نفشت في حرثِ القوم (وقد وردت مفصلة في قصة النبي سليمان (ع)، ظهر أمرُ سليمان، وكان صبيّاً يافعاً، بعد أن أجرى الله على لسانه حكمةً، وفصلَ خِطابٍ.

و أخذ داودُ يتعهَّد ابنَه سليمان، وقد أوحى الله إليه، أنَّه الخليفةُ من بعدك، ونبيٌّ، ومن الصّالحين!.

ولكن، ها هوذا «أبشالوم» ابنُ داود، القويُّ العتيدُ، والجبّارُ العنيدُ، المقصيُّ عن حظيرةِ قدس النبوَّة، وسُدّةِ الحكم والسُّلطان،.. وقد أضمر لكلٍّ من أبيه داود وأخيه سليمان، شرّاً مستطيراً!..

فكيف تؤولُ (أي: تنتهي) الخلافةُ والنبوَّةُ من أبيه إلى سليمان، وهو الأقوى، والأشدُّ، والأمنعُ، والأعزُّ؟.. فتقرَّب «أبشالوم» إلى بني قومه، وأغدق عليهم كلّ عطفٍ وعطاء، حتى استرقَّ (أي: استعبد) قلوبَهم، وتمكَّن من نفوسِهم. فكثُرَت جماعتُه وأعوانُه فلما أطمأنَّ إلى ذلك، نادى فيهم بالثورة على أبيه وأخيه، فثاروا، واشتدّت الفتنةُ بينهم فكانت كالريح العاصف، واضطرب أمرهم. ونظر داودُ حواليه فلم يجد لنفسه إلاّ أن يفرَّ هارباً، فصعد جبل الزيتون بمن معه حافيا باكياً، وهنالك، تضرَّع إلى الله تعالى أن ينجِّيه مما حاق به من بلاء..

والتحق بداود قادةُ جيشه، وأنصارهُ، فطلب إليهم العودة، مشدّداً على أن يعالجوا الأمور مع ابنه «أبشالوم» بالحكمة، والحسنى، وأن يحافظوا على حقن الدّماء، ماوسعهم الأمرُ، لايدّخرون في سبيل ذلك جهداً.

وانتهى الأمر بقتل «أبشالوم» ووُئدَت (أي: دفنت حيّةً) الفتنةُ، وعادت الأمورُ إلى ماكانت عليه.

النهايـــة

وانصرفَ نبي الله داودُ إلى ابنه سليمان، فهو وريثُه، والنبيُّ من بعده، في بني إسرائيل، كما شاء الله وأراد.

وقرَّت عينا نبي الله وهو يرى ابنه يتدرَّج في مراتب النُّبُوَّةِ، ومقاليد الملك، ومعارج السلطان!.. كيف لا!.. وقد آتاه الله من لدنه، حكمةً، وفصل خطابٍ، وسيؤتيه من الملك والسلطانِ على طوائف الإنس، والجنِّ، وطير السماء، ووحش الأرض، وقد علّمه الله لُغاتها، ومنطقها، جميعاً فهو يأمرها بما يريد، وينهاها عمّا يشاء!..

وأخيراً،.. فقد آن للجنديَّ المحارب أن يأخذ حظَّهُ من الراحةِ، وقسطه من الهدوء.. وما ذلك إلاّ بانطلاق روحه الشريفة في رحاب الله اللامتناهي، وملكوته الأعلى اللاّمحدود.

فقضى،.. وقد شاعت على ثغره الوضئ إبتسامةُ سعادةٍ ورضى!..





النبي أيوب (ع)

14 08 2008

النبي أيوب (ع) ذوالبلاء

 

النبي أيوب (ع)

 

 

حديث أملاك

كان هذا حديث ملائكة في ملئهم الأعلى:

- لله هذا العبدُ الصَّالحُ، أيوبُ..

لقد أنعمَ الله عليه بالأموال الكثيرة، من قطعان إبل، وخيلٍ، وشياهٍ، وأُتُنٍ، تسرحُ في الفلاة ترعى، فتغطّ]،/ لكثرتها، الفلاة..

وتموج باعدادها الوهاد والهضابُ..

وعبيدٌ كثيرون يقومون برعايتها، والعناية بها.. وخدمٌ عديدون، يروحون، ويجيئون!..

ومع ذلك، فلم تُبطر النّعمةُ أيوب، ولم يبخل بما آتاه الله..

فبابه مفتوحٌ للرائح ولاغادين ويده مبسوطةٌ تعطي بلاكدرٍ (أي: منٍّ) ولاحسابٍ!.. لم يطرقه سائل إلاّ أغناه،.. ولم يقصده محتاجٌ إلاّ كفاه!..

شعاره: مال الله لعبيد الله.. وما جعلني الله على هذا المال إلاّ قيّما، لامالكاً له، ولاخازناً!.. إنّه أمانة عندي أؤديها إلى خلقه.. وليس لي في ذلك كلِّه حولٌ ولاطول، بل، بحولِ الله وقوّته، يتمُّ ذلك، ويكون!..

فتبارك الله: ماأطيبَ نفسَه، وأجملَ خُلُقَه، وأسمحَ يده!..

ويُردِفُ ملاكٌ آخرُ:

- وكان من تمام النّعمة عليه، أن رزقه الله أ,لاداً.. فكانوا سبع بناتٍ، ومثلهم من البنين!. فهم له قُرّةُ عينٍ، وعونٌ على المعروف يسديه، والإحسان يؤدّيه..

يراهم، بين يديه، كراماً بررةً، فيحمد الله ويشكرهُ على ماحباه من ولد صالحٍ!.. ويخاف عليهم الزّيغ، والعُجب، والتّكبُّر.. فيدهوهم إلى مراقبة الله في كل خطوةٍ، ومقالٍ، ويذكّرهم بأنّ عين الله ترى، وبأنه يعلم السرَّ وأخفى!.. ويطيبُ بهم خاطراً، وقد انتهجوا سبيل الهدى والرّشاد.. فيسجد لله شاكراً له وافرَ النّعماء، والحُسنى!..

ويتابع ملاك ثالث:

- وكان أن زاده الله من فضله، بأن رزقه صحّةً وفتُوَّةً.. فشبابه يتفجّرُ بالعزم والعافية..

وشكرَ الله أيوبُ، بأن اتّخذ من شبابه وسيلةً لمرضاة الله، وسبيلاً لطاعته، صارفاً ماعمر الله جسده من طاقةٍ، في سبيل الخير والإحسان،.. وإعانة الضعيف، وإغاثة المحتاج، آخذاً بيد هذا، مسدّداً خطو ذاك، فلم يعرف الكبرُ إلى نفسه سبيلاً، ولم تأخذه العزّة بما حباهُ الله من قوّةٍ. فقوّته من الله، وإليه..

ويتّفقون فيما بينهم:

ليس على وجه الأرض، عبدٌ، كأيوبَ، صالحٌ..

إنه نعمُ العبد،.. إنه أوّاب!..

وكان إبليسُ -يحيط به بعضُ أتباعهِ وجنده- قريباً من السّماء، يسترقُ السَّمع، فيسمع تحادث الأملاك، فيعجب من أيوب غاية العجب، ويقول في نفسه:

- يظهرُ أن زينة الدنيا، وبهرجها، وزُخرفها، لم تطغ أيوب، ولم تستطع إغواءه، فهلاَّ ابتلاه الله؟..

فمِمّا لاشكّ فيه أنّ زوال النِّعمة عن الإنسان، داعيةٌ للكفران بعد الإيمان!..

ابتلاء أيوب في ماله

ويرفعُ إبليس رأسه هاتفاً:

- إي ربَّ!.. لقد أعطيت أيّوبَ مالاً لاتغيبُ عنه الشّمسُ.. فلو قضى عمره في سجدةٍ واحدةٍ لك، لم يوفّك حقّك في ماحبوته إياه..

فهلاّ ابتليته في ماله؟.. وأصبته في ثروته؟.. إذاً، وحقّك، لتغيّر، وفترت عبادتُه، وقلّت طاعتُه، وانقطع إحسانُه..

ويأتيه الجوابُ من علِ:

- عبدي أيوب لم تُبطرهُ النّعمةُ حتى يجزع من النّقمة،..

فاصنع، وجندَك، مابدا لك في أمواله،.. قد أبَحنا لك ذلك، وسترى، بعد ذلك، صدق عبادة عبدي الصَّالح أيوب!..

وينطلق إبليس وجندُه إلى مال أيوب، وقد انتشر في البراري والفلوات إبلاً، وخيلاً، وشياهاً، وأتُناً، حتى غطّى وجه الأرض،.. وينقضُّون عليها، فإذا هي مجندلةٌ، على وجه الأرض، صرعى!.

وارتاع الرُّعاة لما رأوا..

وأخذهم العجبُ من هذا الوباء الوبيل الذي فتك بالقُطعان هذا الفتك الذّريع!..

وانطلقوا إلى سيّدهم أيوب، مهرولين، صائحين.. وأخبروه بمآل أمواله..

فأجابهم- وقد افترَّ ثغرُه عن ابتسامةٍ-: لاعليكم!.. مالُ الله، يفعلُ الله به مايشاء!..

وقعد أيوبُ في بيته، وكأنَّ شيئاً لم يكن!..

فلم تَفُتَّ في عزمه المصيبةُ، وقد تحوّل بين عشيّة وضُحاها من ثريٍّ كبيرٍ إلى مسكينٍ فقيرٍ،..

بل حمد الله على ماأصابه، كما كان يحمدُه على ما أعطاه!..

وظهر إبليسُ لأيوب، في هيئة شيخٍ حكيم، قد عجمت عودة الأيام (كناية عن تجاربه الكثيرة) وحنّكته التّحاريب.. فسلّم على أيُّوب بوفارٍ، وقال له:

- مافعل الله بك ياعبد الله؟..

فأجابه:- إنه الله الفعّالُ لما يريدُ!.

- أرأيت لو كان الله أثابك على ما دأبت عليه من الصّلاة وأعمال البرّ لما أصابك في مالك ما أصابك!.

- صه!.. أيها الشيخُ.. إنما تنطق بلسان الشَّيطان..

وخرَّ إبليس إليه، وهو كذلك، فقال في نفسه:

- واحسرتاه، سجدَ فرَشد، وأبيتُ فغويتُ!..

ثم تولّى على عقبيه، ندمان، حسران، خزيان!..

وهكذا لم يهن أيوبُ أمام مصيبته في ماله، بل تماسك، وتجلّد، صابراً محتسباً، ولم يفتُر لسانه عن تسبيح الله، وشكره على آلائه (أي: نعمة)، أبداً..

ابتلاء أيوب في أولاده وخدمه

واتّجه إبليسُ بنظره إلى السّماء، هاتفاً من جديد:

- إي ربِّ!.. لقد أصبتَ أيوبَ في ماله، فما انفكَّ عن ذكرك وما انقطع عن شكرك، وما ذلك، إلاّ لأن بين يديه أولاداً كثُراً، من بنين وبناتٍ، يفعلون بأمره، ويقومون بما يريد.. بالإضافة إلى خدم كثيرين، طوع إشارته.. فهم عُدّته إذا اشتدَّ الزمان، وعضّته المصيبة.. فهلاً ابتليته في من حوله من خدمٍ وأولاد؟.

ويأتيه النداء من فجاج الغيب:

- أنا الله السميع البصير، الخبيرُ بعبدي الصّالحِ أيوب، الذي لايعرفُ الجزعُ إلى قلبه سبيلاظً..

فأجلب على من عنده من أولادٍ وخدمٍ، بخيلك ورجلك، باستثناء زوجه «ليا».. واصنع ما بدا لك!..

وهبَّ إبليس، وبعضُ جنده من المردةِ العُتاة، والشياطين العصاة، يتربصون بأبناء أيوب، وخدمه، الدّوائر..

وماهي إلاّ سويعات، حتى أخذ أولادُ أيوب، والخدمُ، يتوافدون إلى القصر، للاجتماع فيه، وتمضيه جزء من النّهار، وتناول طعام الغداء، معاً..

وانتظر إبليسُ، ومن معه، حتى تكامل عقد المتوافدين، وتمَّ عددهم،..

وبينما هم كذلك..

وإذ بإبليس وجنده ينقضُّون على أسس القطر، وركائز أعمدته، فيزلزلونها زلزالاً شديداً،.. وماهي إلاّ لحظات، حتى تهاوى القصر على من فيه وتحوّل إلى ركامٍ وأنقاضٍ!..

وعلت الصّرخةُ..

وسُحبت الجثثُ من تحت الأنقاض أشلاءً، أشلاء..

وأتى الصّارخُ أيوب -وكان عنهم بعيداً-:

-:هلُمَّ ياأيوبُ.. لقد تداعى القصرُ على أبنائك وخدمك المجتمعين فيه.. فهم جميعاً، صرعى!..

عظَّم الله أجرك فيهم، جميعاً!..

ولم يصرخ أيوب.. ولم يجزع، ولكنه أطرق إلى الأرض قليلاً، وقد سالت على خدَّيه دمعة حرّى، أخذ يكفكفها بطرف كمِّهن وهو يقول:

إنّا لله، وإنّا إليه راجعون!.

وصخت زوجَه ليا بنت يعقوب النبي، وولولت، وانتحبت.. فدعاها أيوبُ إلى التَّصبُّر،.. فما لبنات أنبياء نبي إسرائيل، والجزع؟..

وعاد أيوبُ إلى منزله، بعد ساعةٍ،.. بعد أن شيَّع أولاده وخدمه جميعاً إلى مثواهم الأخير.. وهو مايزال يذكرُ الله ذكراً كثيراً..

ولم يبق له من الدّنيا إلاّ هذه المرأةُ الصالحةُ، التي طفح وجهُها بالحزن والأسى..

وأتاه إبليس في زي شيخ وقورٍ، معزِّياً،… فالكلُّ إلى زوالٍ!..

والتفت الشيخ إلى إيوب، وكأنه يتساءل، موسوساً:

- تُرى، …أما كان لصلاتك، وشدة تعبُّدك لله، أن يدفعا عنك هذا المُصابَ الجلل، والرُّزء الفادح؟..

أعانك الله على ماأنت فيه من الأمور العظام، والخطوب الجسام!.. ثم،.. أإلى هذا الحدِّ يتخلَّى الله عند عبده المؤمن الذي لايفتُرُ عن ذكره، في قيامٍ وفي قعودٍ، وفي جيئةٍ وفي ذهاب!..

ورمقهُ أيوب بنظرةٍ شزْرٍ، كملتهب الشّرر:

- إليك عني أيها الشيخ.. هلاَّ ذكرت الله في قولِك؟

وهل كان مالي إلاّ وديعةً استودعنيها الله؟

وهل كان أولادي إلاّ عاريةً (أي: وديعة) مستردَّة؟

فمن حقِّ الله المعطي، أن يستردَّ ماشاء متى شاء!..

ويخرُّ أيوبُ ساجداً لله، وهو يتمتم: -ربِّ.. لك الحمدُ والشكرُ، في الضرّاء، كما في السرّاء!..

فتولى عنه إبليس مغيظاً، محنقاً، وهو يكاد يتميَّزُ غيظاً!..

وأخذ إبليس يقلِّب كفيهِ..

فمن أين يأتي أيوب؟..

ابتلاء أيوب في بدنِه

وانتبه إلى صحة أيوب وما لهُ من نشاطٍ جمٍّ..

فأيوب ممتلئ الجسم صحةً وعافيةً.. له جسمُ الرِّجال الرِّجال، وعزمُهم الشديد!..

فتوجَّه إلى السماء قائلاً: – إي ربِّ.. لقد سلبتَ أيوبَ أمواله كلّها، فما لانت له قناةٌ، ولاوهنت له عزيمةٌ.. وحرمته أولاده وخدمه أجمعين، فما كان ذلك ليؤثر عليه من قريبٍ أو من بعيدٍ..

وإني أراه معتمداً على قوَّته، معتداً بفتوته.. فهو فارع الطُّولٍ، متينُه، عريضُ المنكبين، شديدُهما؛ مفتولُ السّاعدين، قويُّهما..

فهلاّ ابتليته في جسده وصحته، وأصبتَه في قوته وهمَّتِه؟..

ويأتيه الجوابُ من علٍ: إنَّ عبدي أيوبَ نِعم العبدُ الصَّابرُ على مايصيبُه..

لقد سلطتك على جسده، وأبحتك بدنه، فأجمع له ما استطعت من أمرك، وكد لهُ ماشئت من كيدك، فما أمرُك إلاّ في ثباتٍ!..

ويكرُّ إبليس وجندُه، على أيوب الفرد، الصِّفرِ اليدين، ويأتونه من كل جانبٍ، وينفخون في جسده من خبيثِ أنفاسِهم، فيقعُ عليلاً، منهوك القوى.. وتنتشر في بدنه العِللُ والأمراض، فيمتلئ قروحاً وجروحاً ملتهبات!.

ويبقى على هذا الحال سنين.. وتُبرِّحُ به الأوجاعُ والآلام، والعِللُ والأسقامُ.. ولا من طبيب، ولامن دواءٍ؟.. وهكذا أصبح بدنهُ مرتعاً لكلِّ علَّةٍ، ومسرحاً لكلِّ داءٍ خبيثٍ!..

ويعودُه بعضُ النَّاس..

- ماتشكو ياأيوب؟.

- إلى الله أبثُّ شكواي ونجواي، وهو وحدّه الخبيرُ بما أنا فيه..

وسرعانَ ماينفض عنه الناس، ويتحامونه.. فريحُهُ كريهٌ، لايُحتمّل،.. ومنظرُ جسده يبعث على الغثيانِ!..

ويودِّعونه، ويودعون زوجَهُ ليا بنت النبي يعقوب، التي كانت تتعهَّدُهُ، بعطفٍ وحنانٍ، وتقومُ على خدمتِه خيرَ قيامٍ!..

وأخيراً انقطع عنه الناسُ، وتحاشَوا لقاءه، وتجنَّبوا عيادته.. إذ قد امتدّت به المحنةُ، وأصابهُ الجهدُ، وأوغل في عروقه ومفاصله الدّاءُ العُضالُ..

وكان أيوب يعاني ذلك كلّه معاناة الصّابرين المحتسبين.

وظلّ، كعادته، منشغلاً بالله عمّن سواه من العالمين.. شاكراً إياه على كلِّ حال!..

أما إبليسُ فكان يرى ذلك كلَّه، فيشتدُّ غيظاً، ويستعِرُ حنَقاً،.. ويدمدم: لم أرَ في حياتي رجلاً مبتلىً كلَّ بلاءٍ، يصبُر، كأيوب!..

ويجمع حوله رهطاً من جنوده،..

- مالعملُ، بعدما رأيتم من أمر أيوب؟.

- لقد أُسقط في أيدينا (كنايةً عن العجز) بعدما رأينا أيوب يصبر هذا الصبر الذي لاحدود له..

- حقاً إن صبرَ إيوب لعجيبٌ.. لقد ابتُليَ البلاءَ تلو البلاء، لو أصاب بعضُها الجبال لدكَّها..

- إنه ليحزنني أن نفشلً كلُّنا في هذا الأمر، وقد نجحنا في ماهو أشدَّ منه، وأدهى..

- ولكن، قال لي، سيدنا،.. كيف أخرجت آدم من الجنَّة؟.

- بواسطة زوجه حوَّاءَ..

- إذاً، فلنحاول جُهدَنا، أن نأتيَ أيوبَ من قِبَلِ زوجِه ليا..

- وهو ماتقولُ..

وينصرفون..

إبليس وزوج أيوب

وفي الصباح الباكر، يظهر إبليسُ لزوج أيُّوبَ، ليا، بصورة طبيب..

ويسألها عن زوجِها..

فتجيب: لاهو حيٌّ فيُرجَى، ولاميِّتٌ فيُعزَّى به..

وتدعوه لمداواة أيوب..

فيجيبها: أداويه، ضامناً شفاءه ممَّا يكابدُ من داءٍ وسقمٍ، ولكن بشرط، لاأريد جزاءً سواه..

قالت: وماهو؟

قال: أداويه.. على أنه إذا برئ، يقول لي: أنتَ شَفيتَني!..

قالت: نعم!..

وأسرعت ليا إلى أيوب، قائلةً له، وكأنها تستَرحِمُه:

- ياأيوب.. لقد طال مرضُك، وامتدَّت معاناتك،.. وهذا طبيب يزعم أنه يشفيك من كلِّ ماتعاني منه، من أوصابٍ وأسقام!..

- عليَّ به، ياليا..

- ولكنه أخذ عليَّ عهداً، واشترطَ شرطاً..

- مايقول؟..

- يقول: إنه يداويك، فإذا برئت تقول له: أنتَ شفيتني.. لايريد جزاءً سواه..

ويحتقن وجهُ أيوب، فبدا رهيباً،.. ويصرخ بوجهها كالملسوعِ:

- أغربي عن وجهي.. قبَّحَ الله ماترين..

أولم تسمعي قول جدِّك إبراهيم خليل الرَّحمن:

{الّذي خلقني فهو يهدين. والّذي هو يُطعمني ويسقين. وإذا مرضتُ فهو يشفين. والّذي يُميتني ثمَّ يُحيينِ.}..

ويتابع قوله لها بصوتٍ هدَّار، وهو يتوعدها بأليم العِقاب:

- والله، إن منَّ الله عليَّ بالسّلامة ممّا ابتلاني به، لأجلدنَّك مائة جلدةٍ جزاء ما نفث الشيطانُ على لسانك، وما وسوس لك به إبليسُ، مزيِّناً لك الكفرَ بالله، والشِّرك بعبادته..

وتنصرف ليا من أمام وجه زوجها الذي اشتعل غضباً..

وترى الطبيب، وكأنه كان يسمعُ تحاوُرَهما،.. فما أن رآها عائدة، مكسوفةً، حتى نكَصَ على عقبيهِ، وتولَّى عنها، مدمدماً، غضِباً..

وماهي إلاّ ساعة، حتى تعود ليا لما فُطِرَت عليه من إيمان، فتستغفر الله، وتعتذرُ إلى زوجِها، وقد رقَّ قلبُها له، فهي لاتبغي من وراء ذلك كلِّه إلا شفاءه..

وتتودَّد إليه، وتتلطَّف، وتتعطَّف، فيُقبل عليها بوجهه،..

وتنظر إليه باهتمام عطوف، وحدبٍ حانٍ، وقد ترقرقت في عينيها جمعة، وتقول له، برقَّةٍ، وكأنَّها تهمسُ في أذنه:

- ماعهدتُك، ياأيوبُ، إلاّ صبوراً على الشَّدائدِ، جلداً على الأحداث والمِحَن.. وقد اصطفاك الله، من بين قومِك، نبياً،..

فهلاَّ سألتَ الله أن يمسَحَ ضُرَّكَ، ويكشفَ عنك هذا البلاءَ، ويُنقِذكَ من لُجَج هذه الأسقام؟

إني لأراه، إن فعلتَ، استجابَ!..

- وكم مضى عليَّ في مرضي ياليا؟..

- سبعُ سنين..

- وكم مضى عليَّ، قبلَ ذلك، من عمري الذي عشته معكِ، في نعمة عيشٍ وارفٍ، ودعةِ بحبوحةٍ، ورغد..؟..

- ثمانون..

- إني لأستحيي من الله، أن أسألَه كشفَ مابي من البأساء، ولم أصبر، بعدُ، على معشارَ ما حباني به من النَّعماء..

وتنصرف ليا شاردة النظرات..

وينطل أيوب سمجِّد الله، ويسبِّحه، ويقدِّسه، ويشكره، كثيراً..

بُرْءُ أيوب

وتجرُّ أيوبَ قدماه بجهدٍ، وإعياءٍ، شديدين، إلى ظاهر بيته، في البريَّةِ، يُسَرِّح نظره في الآفاق، وقد اكتست الطبيعة حلةً خضراء خضراء.. مرصَّعةً بالزهر من كلِّ لونٍ.. ويأخذ مجلسه على التراب النديِّ، فتباركَ الله أحسن الخالقين..

هناك: {نادى ربَّه أني مسّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ}

وألقى في روعِ الملتلى الصابر: أن اضرب بقدمِكَ الأرض.. ففعل.. فانفجرت منها عين ماءٍ دافقة، وقيل: بل نبعت عينان:

فاغتسل في إحداهما، وشرب من الأخرى..

وتمطَّى قليلاً، وتثاءب.. وكأنّه فُكَّ من عِقال..

ونظر إلى جسده، فإذا به قد عوفي من كلِّ داءٍ وسقم..

وإلى فتوته.. فإذا هو بعزيمةِ إيّام الشباب!..أيتم

فأسرع إلى منزله، وهو يكبِّر الله، ويحمده، وارتدى ثياباً كان قد خلعها منذ سنوات..

ولما عادت زوجه إلى البيت، ارتاعت.. ففي البيت رجلٌ غريب..

وحدَّقت النَّظر فيه مليَّاً، فناداها، .. فعرفته من صوته.. إنه زوجها أيوب..

فصرخت فرحاً، وقد ملأت عليها المفاجأة المذهلةُ كلَّ وجدانها.. وأسرعت إلى زوجها تعانق خدَّيه الملتمعين بالعزم، ورواء العافية.. إنها لتكاد تطير فرحاً.. فسبحان من يحيي العظام وهي رميم!..

وغفر الله لها زلَّة لسانها، في موقف ضعفٍ، جزاءَ حسنِ تعهُّدها أمور زوجها في الشَّدائد المهلكات..

وأوحى الله تعالى إلى أيوب: أن أجمع حزمةً من شماريخ العشب، وقضبانه الهشَّةِ، تبلغ مئةً، واضرب بها زوجك ليا، ضربةً ليِّنةً واحدةً، تبرَّ يمينُكَ.. ففعل!..

وشاء الله تعالى إلاّ أن سكاف~ أيوب بمزيد من الحسنى، ويجزيه الجزاء الأوفى.. فأحيا له جميعَ من هلَك من ولده وخدمه، ومثلَهم معهم، ممن كانوا قبل البليَّة وخلالها وأعاد له جميع ما فقد من مالٍ، مضاعفاً، مباركاً.. تكرماً منه وتحنُّناً.. وتذكرةً وموعظةً لأولي الألباب!..

ويذكر الله الصابرين الذين يزيدهم من فضله، ويوفيهم أجورهم بأحسن ماعملوا، بأن لهم عقبى الدار..





النبي شعيب (ع)

14 08 2008

النبي شعيب (ع) خطيب الانبياء

لنبي شعيب (ع)

شعيب في قومه

قلَّما اختلف المؤرخون والمفسِّرون في شخصيَّة نبيٍّ ونسبه، اختلافهم في النبي شعيب.

فهو شعيب ابنُ توبَةَ، عند بعض المفسرين…

وشعيب ابنُ أيوبَ، عند بعض المؤرِّخين…

وشعيب ابن ميكيلَ، عند قومٍ آخرين…

قيل: أُرسِل مرَّةَ،… وقيلَ: بل مرَّتين: إلى أهلِ مَدْينَ، وإلى إصحاب الأيكة.. وأهلُ مدين عربٌ، كانوا يقيمون في أرضِ معانَ من أطرافِ الشَّام.

أما الأيكة، ففيها اختلاف أيضاً، ويرجَّحُ بأن تكون بلدةَ (بليدا) في جنوبي لبنان،- كما مرَّ معنا، آنِفاً، في قصة النبيِّ موسى(عليه السلامُ)-.

وكان أهلُ مدينَ يعتمدونَ التِّجارة موردَ رزقٍ لهم، وسبيلَ عيش وحياةٍ، فكانت تدر عليهم خيراً وفيراً ولكنَّهم، لم يُراعوا حقوقَ الله في تجارتِهم، هذه، إذ كانوا لايوفون كيلاً ولا ميزاناً، وكانوا يبخَسونَ الناسَ أشياءَهم، ويعيثون في الأرضَ فساداً..

فتبرَّأ شُعيب من هؤلاءِ المفسدين.. فما هَكذا أمَرَ الله الناسَ به في معاملاتٍ فيما بينهم، وفي عباداتٍ!..

إنْ هؤلاءِ القومُ إلاَّ في ضَلاَلٍ مبين!..

واعتزَلَ شعيبُ قومَه متأمِّلاً خلق السموات والأرضِ، فهدتْه الفِطرَةُ إلى إلهٍ واحدٍ فآمنَ به، وأسلم إليه وجهَهُ، بعيداً عن قومِهِ الذينَ يَظْلمون الناس، وأنفسَهم، معاً…

وقذفَ الله النورَ في قلبِهِ فملأهُ إيماناً ويقيناً.. ثم، ما لبثَ أن أرسلَه إلى قومِهِ، نبيّاً، يدعوهم إلى صراطِ العزيز الحميد!..

ويروي بعضُ كبارِ المفسرينَ بأن شعيباً كان كثيرَ الصَّلاةِ، فهي السَّبيلُ إلى الله، وهي حبلُه المتين، وهي الصِّلة الوثقى بين أرضٍ وسماءٍ!.. وكثيراً ماكان يقول:

- «إن الصَّلاةَ رادعةٌ عن الشرِّ، ناهيةٌ عن الفحشاءِ والمنكَرِ، والصَّلاة هي الدين!..»

وبهذا المعنى ذاتِه، حتى الألفاظ نفسها، تَتَالَتْ آياتُ جَمَّةٌ من القرآنِ الكريمِ..

يضافُ إلى ذلك، أنَّ شعيباً كان في عزٍّ من قومِهِ وعشيرته،… فما من نبيٍّ، بعدّ لوطٍ، إلاَّ وهوَ عزيزٌ في قومِهِ، منيعٌ في عشيرتِهِ…

لنبي شعيب (ع)

شعيب النبي

ابتدأ شعيب دعوته بالتقرُّب إلى قومه، محاولاً استمالةَ قلوبِهم، مذكِّراً إيَّاهم بما تربطه بهم من أواصرِ قربى، وروابطِ دمٍ!. فتلطَّف إليهم بالقول الجميلِ، والحوارِ اللَّطيف،… ولمَّا أنِسَ منهم ميلاً إليه، أعلنَ فيهم نبوَّتَه، وشَهَرَ بينهم دعوتَه،…

أما عنوان هذه الحركة المباركة، فكان: الإصلاح!. فهو لايبتغي عن الإصلاحِ بدلاً، ولايرضىَ عنه حِولاً!..

وأخذ يذكِّرهم بأنْعُمِ الله عليهم:

فهم في غنىً بعد فقر، وفي كثرةٍ بعد قلَّةٍ، وفي قوَّةٍ بعد ضعفٍ، وفي عزٍّ بعد وهنٍ، وفي أمنٍ بعد خوفٍ، كما كان يخوِّفُهم عذابَ الله وانتقامَه، وبطشَه الشَّديد.. فلم يجد أذناً- لِمَا يقولُ- صاغيةً، ولاعقولاً- لما يعرضُ عليهم- واعيةً.. بل أنكروا عليه دعوتَه، وامتلأت قلوبهم حسداً له، وَوَجْداً (أي: حقداً) عليه..

فما لهذا النبي ينهاهم عن الرِّبح السريع، لايكاد يحسُّ به أحدٌ، في تطفيف مكيالٍ وميزانٍ.. ويدعوهم إلى عبادة إلهٍ، لاعهدَ لهم، ولا لآبائِهم، بهِ، من قبل؟.. إنْ يقولُ إلاَّ افتراءً وبُهتاناً.. وما هو -بزعمِهم- إلاَّ ساحرٌ كذَّابٌ!..

وهذه -كما نرى- مقولةُ من سبقَهم، ومن تلاهم، من الكفرةِ الملحدين، الَّذين أعمى الله أبصارهم، وجعل في آذانهم وقراً (أي: ثقلاً في السمع، كالصمم)، وعلى قلوبهم أكنَّةً (أي: أغشيةً، ج. غشاء)، فهم لايفقهون!..

شعيب يُحَاجُّ قومهُ، وينذرهم

ولجأ شعيبٌ إلى الحجَّةِ يقارع قومه بها. ويدحضُ افتراءاتِهم، ويُبطِلُ دعاواهم..

وكان نبيُّ الله شعيبُ خطيباً بارعاً، ومُفَوَّها بليغاً، يتفجَّرُ لسانُه بالحكمِة، تصدُرُ عن قلبٍ يفيضُ بها، كالينبوع الدافق، لاينضبُ له معينٌ، ولاينقطعُ عن عطاءٍ!.

فقد «كان شعيبٌ خطيبَ الأنبياءِ» كما ينعتُهُ بذلك خاتمُ الرسل والأنبياء، محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولنتأمَّل هذا الحوار الطَّويل، يدورُ بينَ شعيبٍ وقومِهِ، على امتداد ساعاتٍ طوالٍ.، في نادي مدين، وقد ازدحم فيه خلقٌ كثيرٌ..

ولَعمري، إنه لَحوارٌ يجعلنا نُلمُّ بدعوة شعيبٍ جملةً وتفصيلاً،.. ويلقي الضوءَ على فكرٍ له نيِّرٍ، وقلبٍ، له، كبيرٍ، فهو مسدَّد في قوله، مصيب دائماً، وهو محاورٌ بارعٌ، ومناقشٌ لَبِقٌ، له في الحوارِ، أخذاً وعطاءً، باعٌ طويلٌ!..

- ياقومُ!.. لقد أرسلني الله تعالى إليكم، داعياً إياكم إلى عبادتهِ.. فهو الذي خلَقَكم وخَلَق آباءَكم الأوَّلين، وهو المُحيي والمميت، والمبدئُ والمعيد. ربُّ العرشِ العظيم.. فآمنوا به، ودعوا ما أنتم فيه من ضلالٍ مبين!..

أنظروا إلى خلق السّموات والأرض،.. وانظروا إلى خلقِ أنفسكم،.. تجدوا أنّ وراء ذلك خالقاً قديراً، ومدبِّراً عليماً.. فإيّاه اعبدوا، وعليه توكّلوا، ولاتدعو إلاّ إيّاه إن كنتم مؤمنين!..

- وبم جئتنا به، غيرَ ذلك، في شريعتك، ياشعيبُ؟.

- ياقومُ!.. إني أراكم بخيرٍ: مالٌ وفيرٌ، وزينةُ دنيا، ورخص أسعار!. فأوفوا الكيل والميزان، وأدّوا حقوق الناس على التّمام، في المعاملات، ولاتبخسوهم أشياءهم،..

ألا ترون أنكم أذ تطفّفون (أي: تنقصون) الكيل والميزانَ، على النّاس كأنّكم تسرقون ماليس يحلُّ لكم.. وتخونون ما أنتم عليه مؤتمنون؟ أو ترضون لأنفسكم، من تطفيف كيلٍ وميزانٍ، مارتضيتموه لغيركم؟..

- لا، ياشعيب!..

- فلم الظلم إذاً، وأكلُ حقوق النّاس بالباطل؟

- إنّها التجارة، ياشعيب، والرّبح- أو ليست التجارة باباً من أبواب الرِّبح الوفير؟

- بلى، إنها لكذلك،.. ولكن، ضمن مبدأين: صدقِ المعاملةِ، والأمانةِ.. فإن كذبتم، في تجارتكم، وخنتم في معاملاتكم، تحوَّلَت تجارتكم إلى لصوصيَّة وغدرٍ.

- أو لاترى ياشعيب، بأنّنا إن تحوّلنا عمّا نحن فيه، في معاملاتنا التجاريّة، مع الآخرين، إلى ماتدعونا إليه، قلَّ حظُّنا من الرّبح، وشحَّ رزقُنا؟..

- هذا ظن الذين كفروا بربَّهم، واستحبُّوا الحياة الدُّنيا على الآخرة.. فالله هو الرزَّاقُ ذو القوّة المتينُ، وهو الكفيل – وأنا بذلك زعيم (أي: ضامن)- بأن يمدَّكم، إن اتّبعتم سبيله، بخير الدنيا ونعيم الآخرة… بقيَّةُ الله خيرٌ لكم، إن كنتم تعلمون!.

- لانفهمُ ياشعيب ماتقول!.

- أقول: اتَّقوا الله يؤتكم من لدنْهُ رزقاً حسناً، وابتغوا عند الله الرِّزقَ، ولاتكونوا من المطفِّفين.

ثم، إنّ التجارة بابٌ من أبواب المعاملات، عريضٌ، كما تعلمون،.. والمعاملةُ أخلاقٌ قبل أي شئٍ آخر!.

ويقطع الحوارَ صوتُ شيخٍ مهيبٍ، أجشُّ، وقد ضاق بهذا الحوار ذرعاً:

- أصلاتُك تأمرك بذلك ياشعيب؟ أو تريدُنا أن نترك ما كان يعبدُ آباؤنا من قبلُ، وما نشأ عليه، من بعدِهم، صغارُنا،.. ونَغُلَّ أيدينا عن حرِّيَّة التصرُّف بأموالنا، نفعلُ بها مانشاء؟..

الصلاةُ: هي الدين، وهي عبادةُ ربِّ العالمين.. وما أعبدُ إلاَّ الله فاطِرَ السَّموات والأرضٍ والخلقٍ أجمعين.. وما عدا ذلك فكفرٌ وبهتان.. وضلالٌ وخسران..

أما المال، الحق فهو مانالته أيديكم من وجهٍ طيّبٍ، ورزقٍ حلال.. أمّا ماطالته أيديكم بالمكر والخديعة، والكذب والخيانة، فهو سحتٌ وحرام.. فاتّقوا الله، واعلموا أن الحياة لاتدوم، وكلنا إلى الموت صائرون!..

والمالُ ظلٌ زائلٌ، وبهرجٌ حائلٌ..

فكم من غني ممسٍ أصبح مفتقراً!..

وكم من فقير مصبحٍ أمسى ثرياً!..

- كنَّا نَعُدُّك بيننا الحليمَ الرَّشيد، ومانراك الآن كذلك يا شعيب!..

- ياقوم!.. أرأيتم إن آتاني الله النبوَّةَ، والهدايَة، ووسّع عليّ من لدنه رزقاً كثيراً،.. فهذا من عميم فضله، وواسع رحمته.

وأنا – كما ترون- أطلب من نفسي ما أطلبه منكم.. آمراً إيّاها بما آمركم به، وناهياً إياها عمّا أنهاكم عنه…

فمن جرّب عليَّ، منكم، قولاً لم أفعله، أو دعوةً لم ألزم بها نفسي، أوّلاً،..؟

{إن أُريدُ إلاّ الإصلاحَ ماستطعتُ وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلتُ وإليهِ أنيبُ}

وإنّ أخوفَ ماأخافُ عليكم، أن تُمعنوا في شقاقكم، وتسدُروا في غيِّكم وضلالكم، وتحملكم عداوتي على مخالفة ربّكم، فيصيبكم مثل ما أصابَ الّذين من قبلكم:

فهؤلاء قومُ نوحٍ- كما تواترت عنهم الأنباء والأخبارُ- قد أخذهم الطوفانُ فأصبحوا غرقى..

وقومُ هودٍ، وقد أرسلَ الله عليهم الرّيح العقيم فأصبحوا في ديارهم جاثمين..

وقوم صالحٍ، زلزل الله الأرض بهم، فأصبحوا أثراً بعد عين..

وما لي أذهبُ بعيداً في التّاريخ السحيق.. فهؤلاء قوم لوطٍ، أقربُ الأمم إليكم داراً ومكاناً، وأحدثهم بكم عهداً وزماناً، وقد جعل الله عالي أرضهم سافلها، فلا تُرى لهم أوطانٌ!..

ويتدخَّلُ في الحوار بعضُ الفتيان، وقد بانت سواعدُ لهم مفتولة..

{قالوا: ياشيعبُ مانفقهُ كثيراً ممّا تقول، وإنّا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز}

وينتفضُ شعيب في وجوه هؤلاء الفتيان الحَمقى..

لقد انقطعت حجَّة الشيوخ المحنَّكين، فقطع هؤلاء الأغرار. الجهّالُ بعنجهيّتهم، وغرورهم نقاشاً مفيداً، وحواراً يوضح الحقائق، ويجلو الشُّبُهات..

- ويحكم.. أعشيرتي وقومي، أعظمُ حرمةً لديكم من الله الذي {اتَّخذتموه وراءكم ظهريَّا}؟ أو لأجل عشيرتي تمتنعون عن أذاي؟ فهلاَّ كان ذلك ابتعاءَ وجه الله؟ فانتظروا أمر الله، {وارتقبوا إني معكُم رقيبٌ}.

[قال علي بن موسى الرضا(عليه السلام): "ماأحسن الصبر وانتظار الفرج!.. أما سمعتَ قولَ العبدِ الصالح: "وارتقبوا إني معكم رقيب"؟]

وتعلو أصوات كالهدير:

- {قالوا إنّما أنت من المسحّرين. وما أنت إلاّ بشرٌ مثلنا وإن نظنُّك لمن الكاذبين. فأسقط علينا كسفاً من السّماءِ إن كنتَ من الصّادقين}

{قال ربّي أعلمُ بما تعملون}.

وهكذا لم تغن بلاغةُ شعيب، وفصاحةُ منطقِه، وبيانُ حُجَّتِهِ، عنهُ، شيئاً!.. فقد انتهى وقومّهُ إلى ما ابتدأوا به من حوار.. فكلٌّ على موقفه ثابت لايتزحزحُ عنه قيد أنملة.. وليت الأمرَ توقف عند هذا الحد.. وليتَ السِّتارَ أُسدل على هذا المشهد!..

شعيب يُخرجه قومه

لقد تأكّد لقوم شعيب مايمثّله عليهم نبيُّهم المرسَلُ إليهم، من خطرٍ.. فدعوته تقلبُ في حياتهم الموازين والمقاييس كلّها!..

يضافُ إلى ذلك، نفرٌ من بينهم، مالوا إلى شعيبَ، مؤمنين برسالته، مصدِّقين دعوتَه فأحاطوا به، ونصروه، ومنعوه..

والأدهى من ذلك مايمكنُ إن يستميلَ شعيبُ من أناسٍ، فيتعاظمُ شأنُهم، فيما بعدُ، ويتفاقَمُ خَطرُهم،.. وفي ذلك زوالُ سلطانِهم وجبروتِهم، واستكبارهم في الأرض، بغير الحقِّ!.. فليضايقوه، والّذين معه، إذاّ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً…

- {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنُخرجنَّك يا شعيبُ والّذين آمنوا معك من قريتِنا أو لتَعودُنَّ في ملَّتنا}

إنّه الأسلوب الذي يلجأ الكافرون إليه دائماً عندما ينهزمون أمام نور الحقِّ، ودعوة الإيمان..

القوّةُ!.. القوَّةُ!.. فالقوهُ معقِلُهم الأخيرُ، ونهايةُ المطاف، عندما يبطل عمل العقل، وتبيان المنطق، والحجّة المشرقة، على الحوار السليم!..

وهكذا، فالحلُّ كما ارتآه قومُ شعيب، أحّدُ اثنين:

- إمّا أن يخرج شعيبٌ من بين أظهرهم، فيستريحون من هذا الدَّاعية الذي لايَفترُ له لسانٌ، ولاينقطعُ له برهان..

- وإمّا أن يعود شعيب، والذين آمنوا، معه، في ملّتهم، ودين آبائهم وأجدادهم…

ولكن، هيهات.. هيهات…

فهم يعلمون جيداً بأن شعيباً لايمكن له أن يعود إلى حظيرة الكفر، بعد أن أُترع قلبُه إيماناً، وبصيرتُهُ نوراً.. فمتى كان الّذي يحيا في لُجج الضياء يرضى بالانقلاب إلى غياهب الظّلماء؟..

- أتُكرهوننا على العودة إلى ماأنتم في حمأته، من زور وضلال، وبهتانٍ وكفرانٍ؟.. فمتى كان أنبياءُ الله، ورسلُه، ينصاعون لمطالب السُّفهاء الفاسقين، والعُتاة المتجبِّرين؟ أو سمعتم بنبيٍّ أرسله الله إلى قومه مبشراً ونذيراً، ثم انكفأ، مُنقلباً على عقبيه، نابذاً رسالة السَّماء، متنكراً لما أوحى الله تعالى به، إليه؟..

- ياشعيب، لقد جادلْتَنا فأطَلتَ جدالنا، ومالك علينا من سبيلٍ.. فاختر أحد ما عرضناه عليك، ولاتطلبنّ منا سواهما شيئاً:

فإما أن تخرج، ومن اتّبعك، من قريتنا، أو أن تبقى بيننا، على ملّة آباءٍ لنا وأجدادٍ..، وبذلكَ نحافظ على وحدةِ كلمتِنا، ولمِّ شعثِنا، بعد أن فرَّقتَ جماعتَنا، وبلبَلْتَ مُجتمعَنا، بما بثَثْتَ فيه من آراء فاسدة، وفكر غريب!..

- ياقوم، اتّقوا الله، ولاتأخذكم العزَّة بالإثم، والإصرار على الضَّلال.. ولايكن ضعفي، وقلَّةُ أنصاري سبباً لتجبُّركم، وبغيكم، واجتماعكم على باطلكم.. إنّ الرسول لايفتري على الله كذباً، بعد أن نجّاه الله، خاصة، من مهاوي الضَّلال، ومزالق الفساد، والغيِّ الأثيم!..

- ياشعيبُ، إنّك لتقول ذلك، على ما أنتَ فيهِ من ضعفٍ، وقلّة حيلةٍ، وأنصارٍ،.. فكيف يكون شأنُك لو كنت فينا عزيزاً مُهاباً، مُؤيّداً، منصوراً؟..

{وإنّا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز. قال ياقوم أرَهطي أعَزُّ عليكم من الله واتّخذتموه وراءكم ظهريَّاً إنّ ربّي بما تعملون محيطٌ}

ويتابعُ شعيب:

أو ماكان الأجدر بكم أن تراقبوا الله في ما تعملون وما تقولون؟

فلله العزة جميعاً.. وله الكبرياءُ في السَّموات والأرض،.. ولكنّكم قومٌ لاتفقهون!..

وينفضُّ المجلسُ عن شعيبَ ومن اتَّبعه، وهم قليل… وأهل مدينَ الّذين جمعوا كيدّهم، وأتوا به شعيباً… وأتمروا فيما بينهم:

ما العملُ حتى يخرجَ شعيبُ من بيننا، بهدوء…؟..

قالوا: ضيّقوا عليه، وحولوا بينه وبين قاصديه من أنصار وأتباع، واقطعوا عليهم كلّ سبيلٍ!..

وهكذا ضيّقوا على شعيبٍ كلَّ مجالٍ، وأخافوا أنصاره، وتهدّدوا أتباعه، فلم يثبت على الحقِّ، منهم، إلاّ القلّةُ، ممّن امتحنَ الله قلوبهم للإيمان، فصبروا، وقاوموا باصرار المستميت، فلم يهنوا، ولم يتخاذلوا.. وهم يقولون: حسبُنا الله، هو مولانا، نعم المولى، ونعم النَّصير!..

ورأى شعيبُ أنَّ من واجبِه أن ينهى قومه عمّا أزمعوا عليه من كيدٍ وأذىً، معذرة إلى الله، لعلّهم ينتهون…

فوقف فيهم- كعادته- خطيباً، فليس بعد اليوم لمعتذرٍ عذرٌ:

- ياقوم.. لاتغرَّنّكم كثرة عددكم، فإنّها لن تغني عنكم من الله شيئاً… وتفرُّقَ الناسِ عني، فالنَّاسُ أعداءُ ما جهلوا..

ولاتصرُّوا على ماأنتم عليه من اعوِجاجٍ، تبغون إفسادَ من أراد الله إصلاحه، فتحولوا بيني وبين المؤمنين، وتقطعوا عليهم الطريق إلى الله،… تبغون السبيل عوجاً عن الحقِّ، وزيغاً عن الهدى،.. فلا تستقيمون.. ولاتدعون لغيركم أن يختار لنفسه أن يستقيم!.. فاتّقوا الله، ولاتصُدُّوا عن سبيله من آمن… واعلموا أن كيد الله متينٌ، وأخذه شديدٌ… فهو الذي أهلك من قبلكم، وكانوا أشدَّ منكم قوةً، وأكثر أموالاً، وأطول آجالاً.. فهل أنتم منتهون؟..

وانهالَ قومُ شعيبٍ على نبيِّهم تكذيباً.. وهبُّوا في وجهه يسفِّهون رأيه، وينعتونه بكل إفك وبهتانٍ..

فانصرف عنهم وهو يقول:

- { على الله توكّلنا، ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقِّ وأنت خيرُ الفاتحين}

ونفض نبيُّ الله شعيب، كلتا يديه، من إصلاح هؤلاء القوم الفاسقين، الّذين ركبوا هواهم، فكان أمرُهم شططاً..

ودعا عليهم بالعذاب الأليم، بعد أن كذَّبوا بآيات الله، واستحلّوا ماحرّم الله، وصدّوا عن سبيله، وقد زيّن الشيطان لهم أعمالهم، فتنكبُوا عن السبيل الأقوم والتمسوا لأنفسهم الزّيغ، واستحبُّوا العمى على الهدى!.

وأوحى الله تعالى إلى نبيِّه، أن قد سمع الله دعاءك.. فاخرُج بمن اتّبعك من ديار الفاسقين، إنّه آتيهم غداً، عذابٌ غيرُ مردود!..

وخرجَ شعيبُ والذين آمنوا، معه،..

وخُيِّلَ للقوم المفسدين بأن شعيباً اختارَ لنفسه السَّلامة، فأزمعَ على الهجرةِ بمن اتَّبعه، وظنوا – واهمين- بأنهم قد استراحوا، وإلى الأبد، من هذا الدّاعية الملحاح، والخطيب المفوَّه الّذي لايُشقُّ له في مضمار البلاغة، غبارٌ… فتنفّسوا الصُّعداء!..

العـــذاب

وماهي إلاّ ليلة حتى دهمهم العذابُ..

فابتلاهم الله بالحرِّ الشديد، فكادت تزهق منه أنفاسهم.. فدخلوا، يُهرعون، إلى أجواف بيوتهم، وسراديبِ منازلهم، فلاحقهم الحرُّ إلى بيوتهم، والسّراديب..

وظمئوا ظمأً شديداً… فخرجوا إلى ظلال الأشجار، وضفاف الأنهار.. فلم يمنعهم الحرّ ظلٌّ وارفٌ.. ولم يرو ظمأهم ماءٌ دافقٌ.. فللشمس أشعّة كسهامٍ من لهب.. وكأنّها فوق رؤوسهم قدرُ باع.. فيتململون تململاً شديداً ويضطربون كلَّ اضطرابٍ، فأينَ المفرّ؟.. وقد برَّحت بهم الرمضاءُ تبريحاً..

ويذكرون نبيَّهم شعيباً،.. ويستعيدون صورته، وصوتَه، بينهم خطيباً مرشداً،.. فها قد أتاهم، من العذاب، ماكانوا به يستهزئون!. فيندمون، ولات ساعة مندم!..

ويطلبون شعيباً، لعلَّه ينجّيهم مما هم فيه من تعذيب.. فلا يقعون له على أثر.. ويهرولون مذعورين في كلّ اتجاه.. يطلبون لأنفسهم النّجاة.. فكأنّ السّماء تصبُّ فوقَ رؤوسهم حِمَماً، أو ترجمهم بشواظٍ من نارٍ، وسعيرٍ ليشوي جلودَهم، والوجوه…

وبينما هم كذلك، في العذاب، لايستقرّون،.. وإذا بسحابةٍ بعثها الله إليهم، فيها ريح طيِّبة،.. وقد أخذت تنبسطُ في الجوِّ، وتمتدُّ طولاً وعرضاً..

فوجدوا فيها ضالّتهم المنشودة، فلعلّها تنجّيهم ممّا وقع بهم.. وتنادُوا فيما بينهم: هلمُّوا إلى البرَّيَّة، حيث السَّحابة، فاستفيئوا ظلّها.. فتداعوا إلى ظل الغمامة، لاهثين، من كلّ صوبٍ يُهرعون..

ولمّا اجتمع شملُهم في البرِّيَّة،.. وتكاملَ عددُهم تحت الغمامة،.. الهبّها الله عليهم ناراً.. وأتتهم صيحةٌ من السَّماء انخلعت لها أفئدتهُم.. وزُلزلت الأرض تحت أقدامهم زلزالاً عظيماً.. فأصبحوا على وجه الثرى خامدين!..

وكان شعيبُ والّذين آمنوا معه، يشاهدون ماحلَّ بقومهم، من بعيد.. فحمدوا الله، إذ لم يكونوا معهم، في العذاب، مشتركين!.

وعاد شعيب، إلى قومه، بعد حين، مثقلاً بالحزن المبرّح، والأسى المُمضِّ، الشديد،.. فإذا بهم صرعى، خامدون!..

{فتولِّى عنهم، وقال: ياقومِ لقد أبلغتُكُم رسالات ربّي، ونصحتُ لكم فكيف آسى على قومٍ كافرين}

صدق الله العلي العظيم





النبيان: يحيى البكّاء وزكريا الكفيل (ع)

14 08 2008

النبيان: يحيى البكّاء وزكريا الكفيل (ع)

 

ييى البكّاء وزكريا الكفيل (ع)

 

إنه زكريّا، كبيرُ أحبار بني إسرائيل، وأحدُ أنبيائهم العظام…

يرجعُ نَسَبهُ إلى هرون، أخي موسى بن عمران.

فهو، إذاً، من دوحة نبوّاتٍ، وسلالة رسالات..

كان الهيكلُ يستأثر بجُلِّ اهتمامه، حيث يقضي فيه سحابةَ نهاره، واعظاً، مرشداً داعياً إلى الله، آمراً بالمعروف وناهياص؟ عن المنكر، مفصِّلاً لقومه آيَ التوراة، شارحاً لهم ماخفيَ منها، مبيِّنا ما دقَّ من مسائلها.. ثمّ ينصرفُ عنهم، إلى الله، يتعبَّده، ويتبتَّلُ إليه تبتيلاً!..

وكان يعود، عندما يتصرَّم النَّهارُ، إلى بيته، حيث زوجُه العجوزُ، يقضي فيه ليله، حتّى يأذن اللهُ له بصباحٍ جديدٍ!…

ومازال على هذا النّهج حتّى خارت قواه، واضمحلَّت همّتهُ، فأضحى شيخاً عجوزاً، فانياً..

وكان قد بنى في الهيكل الّذي لايُبارحه إلا لماماً(أي: قليلاً)، غرفةً لمريم، هذه الفتاة القدِّيسة، الربَّانيّة، التي بذّت كبار الأحبار في تبتُّلها، وتعبُّدها، وتسُّكها… وكان زكريَّا، وحده يصعد إلى غرفتِها بِسُلَّمٍ.. فهو المشرفُ على شؤون هذه الفتاة الّتي كانت تصومُ النّهار، وتقومُ اللّيل، وتعبد الله، عبادةً، ينقطع دونها الأحبارُ الربّانيّون، ولمّا تتجاوز من سنيها التِّسعُ سنواتٍ!..

وكان زكريّا راضياً عن هذا كلّه تمام الرضا، طيِّب النَّفس به، مثلوج الفؤاد، فالإشرافُ على هذه الفتاة المبكّرةِ النموِّ، في مأكلٍ لها، ومشربٍ، جزءٌ من العبادة، والتقرُّب إلى الله بخالص الأعمال!..

وإنّ زكريّا ليعلمُ حقَّ العلم بأنَّ الله تعالى، جلَّت قدرتُه، وعَظُمت مشيئتُه، شاء أن يكون هو لاغيره، لمريم كفيلاً..

و لم يأتِكم حديثُ كفالةِ زكريَّا مريم؟..

في صباح يومٍ، دخلت الهيكلَ امرأةٌ متَّشحةٌ بالسّواد، بسكينةٍ ووقارٍ، وفي حضنها طفلةٌ رضيعةٌ ملفوفةٌ بخرقةٍ… واتّجهت إلى أحبار الهيكل، – وكان بينهم زكريَّا-، وقائلةً لهم:

- دونكم النَّذيرة!..

إنّها حنَّة، زوجُ عمران، رأسِ الأحبارِ في زمانه، والكهَّانِ!..

وكان لعمران في قلوب عارفيه جميعاً، منزلةٌ عظيمةٌ، وشأنٌ رفيعٌ، لما آتاه الله تعالى من فضلٍ، وحباهُ من كرامةٍ، وأودع صدرَه من دين..

وكانت حنّة قد نذرت، في حملها، إن آتاها الله ولداً ذكراً ،أن تودعه الهيكل، يقومُ على شؤونه، وخدمةِ الأحبار فيه، والرُّهبانِ، تقرُّباً إلى الله تعالى، واحتِساباً..

فوضعت مريمَ… وهاي هي ذي زوج عمران تتعجَّلُ الوفاء بنذرها، على حياءٍ، ولكم تمّنَّت حنه ان يؤتيها الله ولداً ذكراً، يكونُ به تمامُ نذرها،.. وشاء الله أن تكون أنثى.. {وليسَ الذَّكرُ كالأنثى}..

فليس لها – والحالة هذه- إلاّ أن تقدِّمُ مريمَ الرَّضيعةَ إلى الهيكل، لتستنشق، منذ نعومةِ أظفارِها، هواء رحابهِ العابقةِ بأريج السَّماء… ففي هذا الهيكل القدسيّ، ستقضي الفتاةُ الطريَّةُ العودِ، النديَّةُ البراعم، من عمرِها المباركِ، ماشاء الله لها ذلك!…

وتنافس الكهَّان كلٌ يبغي أن يضم إليه مريم… أو ليست هذه الرَّضيعةُ بنت عمران الذي كان لهم إماماً، وكان بينهم صاحب القربان؟

وانبرى زكريَّا قائلاً:

- أنا أحقُّ بها لأن خالتَها عندي…

فقد كانت اليصابات زوجُ زكريَّا أختَ حنَّة زوجِ عمران..

ورفع الأحبارُ أيديهم عن كفالةِ مريم… فزكريَّا أحقُّ الناسِ أن يتكفَّلَها، من دونهم، أجمعين!..

والتفت الى زكريَّا حبر كهل، تقوَّس ظهره، واحدودبَ، كالقوس المشدود، وارتخت جفونه على عينيه حتى أطبقتهما، فلا يستطيع فتحهما إلاَّ بعناءٍ، وقال لزكريا:

- يازكريا، لو تُركَتْ مريمُ لأحقِّ النَّاسِ بها. لكانت من نصيب أُمّها الّتي ولدتها.. وصاح الأحبار والرهبان:

- وأيْمَ الله، أنَّه لحقٌّ ماتقول.. فأمّها أحقُّ الناس، إن شاءت، بتربيتها، وتنشِئتها..

وفُتَّ في عضد زكريَّا. (كنايةً عن التراجع مغلوباً).

فأيّهم يكفلُ مريم؟.. وضربوا أخماساً بأسداسٍ… وفكَّروا ملياً..

وقال الشيخ المرتعش الأطراف: ولكن، نَقتَرعُ عليها، فتكونُ عند من خرجَ سهمهُ… وانطلقوا، وكانوا تسعةً وعشرين، إلى النهر- ولعلَّه نهرُ الأردنِّ- ليُلقوا فيه أقلامهم…

فأيُّهم طفا قلمهُ، يكون لمريمُ كفيلاً!…

وألقوا في الماء أقلامهم… فحملت المياه بعضاً، وأغرقت بعضاً… وتقدَّم زكريا، بقلمه، وألقاه في النهر، وهو يذكر الله… فطفا قلمه، واستقرَّ على صفحةِ الماء، ثابتاً، كأنه عالقٌ في الطين..

فهتفوا بصوتٍ واحد: أنت كفيلُ مريمُ يازكريَّا.. بارك الله عليك، هذه الكفالة الطيِّبة، والمكفولة الطاهرة، معاً!…

فضمَّ زكريَّا مريم إلى نفسه، وإلى خالتِها اليصابات… وتعهَّداها خير ما يتعهَّدُ أبوان، ولداً،… حتى انتهى بها الأمرُ، إلى اعتكافِها في غرفةٍ مفردةٍ، في الهيكل، وكان يقوم على أمُورِها كلِّها، زكريَّا!..

آية معجزة

زكريَّا يدلُفُ (أي: يدخل) إلى غرفة مريم، كعادَتِهِ، وبين يديه شئٌ من طعامٍ وبعضُ ماء… ويَدخلُ عليها، بعد استئذان… فيجدها في محرابها تصلِّي.. ويضع إلى جانبها رزقَها لِيومها هذا. ويهمُّ الإنصراف…

ولشدِّ ما كانت دهشتُه عندما وجد إلى جانبها الآخر طعاماً طيِّباً، وفاكهة شتاء والوقت صيفٌ قائظٌ…

ولايُلقي زكريَّا إلى ذلك، كبيرَ بال…

ويتكرَّرُ المشهدُ أمام زكريَّا في ما تعاقب من أيَّام وشهور..

وتتبدَّلُ أمامَ ناظريه، الفاكهةُ، وقد تقدَّم من عمر الزمان فصلٌ…

فالفاكهةُ اليومُ فاكهةُ صيف، والأيام تُرعدُ برداً، وتجتاحُها عواصف أمطارٍ، هوجٌ..

إنّ رزق مريم ماله من نفاد… والفاكهة لاتنقطع من حجرتها، تأتيها في غير مواسمها.. فمن أين لها كلُ هذا الرِّزق الطيب، والفاكهةِ النضِرةِ، الريَّانة؟…

ويسأل زكريَّا مريم:

{قال: أنّى لكِ هذا يامريم؟}.

- {قالت: هوَ من عند الله}.

أستيقظُ ياعمُّ، في الصباح، بعد تهجُّدٍ، وتعبُّدٍ، ونومٍ يسيرٍ، فأرى طعامي أمامي، فآكلُ منه نصيباً…

وأعود لعبادة ربي، أصوم له نهاري، واستغرقُ في تنسُّكي، وتَّبتُّلي، وأنظر، وقد غربت الشّمس،.. وإذا بطعامي يُبسَطُ أمامي، عشيِّاً، فآكل منه، ماشاء الله لي أن آكُلَ…

ولم أطلب من أحدٍ طعاماً… ولم أدعُ ربي أن يرزقني منه، ولكنّه أكرمني برزق منه وفير، وخيرٍ كثيرٍ!… وما أراه إلاّ من طعام الجنَّة، ويانع ثمارها…

ويحملق زكريَّا، في وجهِ مريم، مدهوشاً لما يسمع…

وتتابع مريم: إني اراكَ، ياعمُّ، تعجبُ من قولي، ألم تعلم بأنَّ الله يرزقُ من يشاءُ بغير حسابٍ؟

ويهزُّ زكريَّا برأسه، متمتماً: بلى!…

ويُلقى في روعه بأنّه أمام قدّيسةٍ، جسدها على الأرض، يتحرك أمّا روحها فتجوب أعالي السماء… وإنّ لها لشأناًعند الله، عظيماً..

زكريَّا يدعو ربَّه

ويشطحُ الخيالُ بزكريا…

فالله قد رزق مريم. من الغيب، طعاماً لذيذاً طيِّباً،.. وفاكهةً يانعةً، شتّى،… وشراباً عذباً سلسبيلاً،.. وما كان رزقهُ إيَّاها، ذلك كلَّه، إلاّ آيةً من آياته البيِّنات، ومعجزةً من معجزاتهِ، الظَّاهرات!…

وتحدِّثه نفسه، فيصرفها عمّا ليس لها، ولكن حديث نفسه كان يملأ أحناءه كالصُّراخ.

- لو أن الله تعالى حباني (أي منحني) منه آيةً. وآتاني من لدنه معجزةً، تُدخلان على قلبي الفرحَ، وتعيدان إلى نفسي إشراقهُ الأمل، وبسمةَ الرَّجاء، فيرزقني غلاماً زكيَّاً، يملأ عليَّ حياتي الخاويةَ، إلاّ من الإيمان، ويحفظ الله به النبوَّة، وآثارها، من بعدي..

آيةٌ بآيةٍ!…وأعجوبةٌ

بأعجوبةٍ..

أو ما قالت مريم آنفاً: إن الله يرزق من يشاءُ بغير حساب!…

وهكذا أنارت مريمُ في قلب زكريَّا جانباً كانت تلفُّه الظَّلماء…

وأثارت في نفس هذا النبيِّ الكريم، حنيناً وشوقاً إلى ولدٍ، يخلُفُه، ويرثُه، ويتابعُ سيرتَه، يرثُ الكتاب، فتُحفظ في عقب زكريا النبوةُ والكتاب وبقيَّةٌ من آثار أنبياء بني إسرائيل،… وما أكثر الأنبياء في بني إسرائيل؟…

عند ذلك، توجَّه زكريا إلى محرابه، للإعتكاف فيه، والتنسُّك، وعبادة ربّه والإفضاء اليه، في هذا المسجد الطَّهور، بما يجيشُ في حناياه من خواطر، وما تضطرب به نفسه من مشاعر… خاصةً وأن لزكريَّا أولاد عمٍّ، كانوا من شرار بني أسرائيل،… وهم، دون غيرهم، المؤهّلون لوراثة مايخلفه زكريا من مال، ومن آثار نبوَّةٍ عريقةٍ، تجمّعت في آل يعقوب، فتوارثوها نبيّا عن نبيِّ، ووصيّاً عن وصيٍّ، ووليَّاً عن وليٍّ!… فدعا ربه بصوتٍ خافت متهدِّج، ولسان متلجج، وجنان مضطرب:

-{ربِّ لاتذرُني فرداً وأنتَ خيرُ الوارثين}.

فأوحى الله تعالى بصوت جبريل. أو رهطٍ من الملائكة:

- {يازكريّا إنّا نُبشِّرُكَ بغُلامٍ اسمُه يحيى لم نجعل له من قبلُ سميّاً}.

وكان عمرُ زكريَّا اذ ذاك فوق التِّسعين.

ويذهبُ عبد الله بن عباس إلى أنّ زكريَّا كان يومٍ بُشّر بيحيى إبن مائةِ وعشرين سنةٍ وكانت امرأتُه بنتَ ثمان وتسعين سنةً.

وينتصبُ شعرُ زكريّا، وقد اشتعل شيباً، وتلألأ بياضاً…

فيا للبشارة تزُفُّها إليه الملائكة، وهو قائم يصلِّي، في المحراب!..

{قال ربّ أنى يكون لي غُلامٌ وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغتُ من الكبر عتيّاً}.

ويأتيه النداء، وكأنه يدعوه لمزيدٍ من التأدُّب أمام أمرِ الله، والتسليم لمشيئته تعالى:

{قال كذلك قال ربُّك هو عليَّ هيِّن وقد خلقتُك من قبلُ ولم تكُ شيّئاً}.

ويهد قلب زكريّا، بعد اضطراب، ووجيف، وقد رانت عليه رهبة الله، فامتلأ خشوعاً، وطفح يقيناً…

ألم يبشر الله نبيّه إبراهيم من قبله بإسحق ولداً، ومن وراء إسحق يعقوب، حفيداً؟.. فلا عجب، إذاً، أن يبشّرَه اللهُ بغلامٍ تبتسم به كهولتُه المضناةُ… وتطيب به زوجُهُ، اليصابات اليائسةُ، نفساً!…

فلله في خلقه شؤون!..

{إنّما أمرُهُ إذا أراد شيئاً أن يقولَ لهُ: كن!… فيكون!..}.

ويطلب زكريَّا من ربِّه آيةً تطمئنُّ إليها نفسه، ويصدّقه، بها، قومُه..

{قال: آيتُك ألاّ تُكلّم النّاس ثلاث ليالٍ سويّا…}.

عند ذلك شعر زكريّا بالبرد يدبُّ في قلبه، فيملأه اطمئناناً، ونوراً يشعشع في أحنائه كلّها.. فسجد لله شاكراً!..

ثمّ خرج زكريّا على قومه، من المحراب، يحمل إليهم بُشرى السماء…

وأراد أن يخاطبَهم، فما استطاع أن يحرِّك لسانه، أو أن ينبس ببنت شفةٍ، لقد أخذت المعجزة طريقِها إلى التنفيذ!.. فاعتُقل لسانه، كما أوحى الله إليه بذلك، منذ لحظاتٍ قِصارٍ، إنه ليس خرَساً، ولكن حصرَ لسانٍ وعجزاً عن الكلام..

وخاطب زكريّا قومه بالإشارة والرّمز، أن إدأبوا على ذكر الله، وتمجيده، وتسبيحه، وتقديسه، بُكرةً، وعشِيّاً!..

وأدرك قومه جليَّة الأمر،…

فهذه معجزةً أُخرى، تُضافُ إلى المعجزات الكُثُر، الّتي تمّت على أيدي أنبياء بني إسرائيل!..

وزيادةً في الإعجاز، فقد كان زكريَّا يقرأ الزبور، ويرتِّل التوراة، ويسبِّح الله، ويقدِّسه، بطلاقة لسان..

مكالمةُ الناس وحدَها كانت محظورةً على لسانه. فكان يشير إليهم بيديه ويُومئ إليهم برأسِه، من بعيد…

وظلَّ على ماكان عليه، يؤمُّ قومه في صلواتهم، في العشيِّ والإبكار… وظل لسانُه محصوراً، لايستطيع أن يكلِّم أحداً ثلاثة أيَّام متتالياتٍ… فلا يَفُكُّ له عقالٌ إلاّ عندما يتوجَّه إلى ربِّه في صلاةٍ، أو دعاءٍ ومناجاةٍ…

وبعد خمسِ سنين من بشارة زكريَّا، ولِدَ يحيى…

وهكذا أنعم الله على نبيِّه زكريَّا بهذا الغلامِ النَّجيب، وحباه هذا الأسم الذي لم يكن لأحدٍ من قبله…

[عن الصادق عليه السلام: وكذلك الحسينُ لم يكن له من قبلُ سميُّ.. ولم تبك السَّماء إلا عليهما، أربعين صباحاً..

قيل له: وما كان بكاؤها؟…

يحيى خذ الكتاب بقوّةٍ وآتيناه الحكم صبياً وحناناً من لدنّا وزكاةً وكان تقياً وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً}. ويروى أنه مرّ بصبيان يلعبون، فدعوه ليلعب معهم، فقال لهم ماللّعب خلقت.

كذلك يروي عن يحيى عليه السلام أنه أتى ذات يوم إلى بيت المقدس، فرأى جماعة من العبّاد وقد لبسوا مدارع الشعر وبرانس الصوف، وهم يتعبدون ربهم، فعاد إلى أمه وطلب منها أن تنسج له مدرعة من شعر وبرنساً من صوف، حتى يعبد الله كما يعبد، أولئك الذين رآهم في بيت المقدس، فاستأذنت أمه أباه زكريا(ع) فاستدعاه وسأله لماذا تريد مدرعة الشعر وبرنس الصوف، وأنت ما زلت صبياً صغيراً؟ فأجابه بقوله: ياأبت، أما رأيت من هو أصغر مني سناً وقد مات وذاق مرارة الموت؟ عندها أذن زكريا(ع) لأمّ يحيى أن تصنع له ماطلب، فقامت بنسج المدرعة والبرنس.

وتدرع يحيى(ع) المدرعة ووضع البرنس على رأسه وتوجّه إلى بيت المقدس وراح يعبد الله مع العابدين، وظلَّ كذلك حتى أكلت المدرعة لحم بدنه، فنظر يوماً إلى جسمه الناحل، فبكى، فأوحى الله تعالى إليه أن يايحيى أتبكي من نحول جسمك، وعزّتي وجلالي لو ألقيت نظرة واحدة إلى النار للَبِستَ مدرعة من الحديد لامن الشعر، فازداد بكاء يحيى(ع) حتى أنّ الدموع حفرت في خديه مجاري وبانت أضراسه للناظرين.

وعرفت أُمّ يحيى بما جرى عليه، فجاءت إليه، وكذلك زكريا(ع) والأحبار والرهبان، وراحوا يطلبون منه أ، يخفف من عبادته ويرحم نفسه، وقال له والده زكريا(ع): يابني لماذا فعلت هذا بنفسك وأنا إنما دعوت ربي أن يهبني إياك لتقرّ بك عيني وترثني؟ فقال يحيى(ع) أما أمرتني أنت بذلك ياأبت يوم قلت لي: إنّ بين الجنة والنار لعقبة لايجتازها إلا البكّاؤون من خشية الله.

سكت زكريا(ع) ثم قام وقال له: إذا كان كذلك فجِد واجتهِد وشأنك وماتفعله، فقامت أم يحيى وصنعت لابنها ماينشف دموعه ويستر أضراسه.

وكيف لايفعل يحيى(ع) ذلك، وقد تعطّف الله تعالى عليه، وتلطّف به، وآتاه النبوة وهو ابن ثلاث سنين، فكان للناس آية، شأنه في ذلك شأن ابن خالته المسيح ابن مريم(ع) وقد ولد وإيّاه في عام واحد، وإن كان يحيى يكبر عيسى بستة أشهر.

اليهود يقتلون زكريا(ع)

ويحكى أنّ زكريا(ع) وكان يكفل مريم، قد اتهم من قِبَل السفلة بأنه وراء حمل مريم(ع)، فلما بان حملها تمكّن هذا الإتهام وثبت في نفوسهم، وأشاعوا بين الناس، أنّه لايعقل أن تحمل امرأة دون زواج من رجل، فاضطرّ زكريا(ع) إلى الخروج من القدس، وراح السفلة من اليهود يلاحقونه، والشيطان يزيِّن لهم ذلك.

وعمّت الفوضى، وتفاقم الشر بعد خروج زكريّا(ع) من المدينة المقدسة، وشاعت الفاحشة بحق زكريا(ع) فلحقه شرار اليهود يريدون قتله.

ويُروى أنه(ع) هرب منهم، حتى إذا وصل إلى وادٍ رأى شجرة فقصدها ليختبئ فيها، فانفجرت له من جذعها فدخل في جوفها ثم عادت كما كانت، فتحيّر اليهود ولم يعرفوا مكانه، حتى جاءهم إبليس اللعين بصورة واحدٍ منهم ودلّهم على مكانه، وأمرهم أن ينشروا الشجرة بالمناشير، وهكذا كان، فنشروها حتى قطعوها وقطعوا معها زكريا(ع) من وسطه، ثم تركوه وقفلوا راجعين، فبعث الله سبحانه ملائكة غسّلوا زكريا(ع) وصلّوا عليه ثلاثة أيام حتى إذا جاء خيار بني إسرائيل أخذوه ودفنوه -سلام الله عليه- فكان على رأس الأنبياء الشهداء الذين قتلهم اليهود بغير حق.

 

يحيى(ع) يرث زكريا

كان مقتل زكريا(ع) من أشد المحن وأقساها على قلب نبي الله يحيى(ع) فعظم الأمر عليه، خصوصاً وأنّ أباه ناله ما ناله من السفهاء، بتلك التهمة المنزّه عنها يقيناً.

وقام بالأمر بعد أبيه، فكان يخطب الناس معلناً أنّ مايصيب الصالحين من المِحَن والرزايا، إنّما يكون من جانب السفهاء والفسقة الذين لادين لهم ولايقين ولاورع، ثمّ يبشرهم بقيام المسيح عيسى ابن مريم(ع) من بعده ويعدهم الفرج على يديه.

ويروي أنّ يحيى(ع) كان بارعاً من الشريعة الموسوية، وكان مرجعاً معروفاً يرجع إليه كل من أراد أن يستفتي في أحكام تلك الشريعة، خصوصاص وأنه نُبِّئَ وهو صبي صغير، فراح يدعو الناس إلى عبادة الله وتوحيده والتوبة من ذنوبهم وخطيئاتهم، ويأمرهم بالإغتسال في نهر الأردن قبل التوبة، فكان (ع) ظاهر الزهد والنسك منذ الصبا، على أكمل أوصاف الصلاح والورع متعلقاً بالعبادة كما ذكرنا.

وقد ورد عن الإمام الرضا(ع) أنه قال: إنّ أوحش مايكون على هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها،ويوم يُبعَثُ (للحساب) فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا، وقد سلّم الله عزّوجل على يحيى (ع) في هذه المواضع الثلاثة وآمن روعته، فقال عزّ من قائل: {وسلامٌ عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعثُ حيّا}.

لقد كان يحيى(ع) كعيسى ابن خالته آية من آيات الله البينات ومعجزة من معجزاته الباهرات، وهبه لأبيه زكريا ليرثه، بعد أن خاف زكريا(ع) الموالي أن يغيّروا ويبدّلوا في دين الله، وهبه إياه على كبر، وبعد أن غزا الشيب مفرقه، ويئست زوجته من اإنجاب، وفي وقت لايعقل فيه أن ينجب زكريا أو امرأته، تماماً كما وهب سبحانه عيسى لمريم(ع) بطريقة لايعقلها الناس العاديون.

ثورة يحيى على هيرودوس وهيروديا

في زمن يحيى(ع) كان هيرودوس حاكماً على فلسطين، من قبل قيصر بيزنطية… وكان فاجراً فاسقاً دنيئاً زانياً، حيث كانت إحدى بغايا بني إسرائيل تأتيه دائماً فيرتكبا الزنى المحرم…

وكبرت تلك البغي وأصبحت عجوزاً شمطاء، فلم يعد هيرودوس يرغب بها، وكانت لها إبنة رائعة الجمال، فابتغاها هيرودوس زوجة له..

وعلم يحيى(ع) بالأمر، فأنكر ذلك عليه وعلى ابنة البغي، فثار وراح يحرّض الناس ويؤلبهم على هيرودوس، جاهراً بالحق، صادعاً بالصدق، فلا يجوز لهيرودوس أن يتزوج من فتاة كانت أمها تحته، وإن في علاقة غير مشروعة.

وشاع أمر يحيى(ع) بين الناس وذاع.. وماكان نبي الله إلاّ مجاهراً برأيه على رؤوس الأشهاد، وفي كل محفل وناد، لأنّ الدين لايبيح ذلك ولايسمح به، إضافة إلى أنّ العقلاء يستنكرون ذلك وأنفس الشرفاء تمجه، وتعافه أذواق الصلحاء.. وهكذا وصل رأي يحيى إلى كل مكان.. إلى محاريب العباد والعلماء، وإلى أماكن الفجور والفسق، حيث الفجار والفسقة…

وعرفت تلك البغي بأمر يحيى ورأيه، فغضبت وحقدت عليه، وراحت تمكر به، وإن مكرهن لعظيم..

لقد خافت أن يغير هيرودوس رأيه، متأثراً بموقف يحيى(ع) وهو رأس العبّاد والربّانيين المتألّهين، نبي الله وابن نبيّه.. فلجأت إلى الغواية، والخديعة.

هيّأت ابنتها وزيّنَتها وقالت لها: إني أريد أن آخذك إلى هيرودوس، فإذا واقعك، فسيسألك ماذا تطلبين، فإياك أن تطلبي منه شيئاً سوى الزواج منه على أن يكون المهر رأس يحيى بن زكريا.

مقتل يحيى(ع)

دخلت ابنة البغي على هيرودوس، وهي تتلوى بغنج وتختال بدلال، وقد تزيّنَت بأجمل زينة، وأبهى بهرج ولألاء..

إنبهر هيرودوس بجمالها الغوي، فراحت تتثنى أمامه، بأناقتها الفائقة، فظنّ أنه في مهرجان حسن وضّاء وعرس جمالٍ وبهاء، فاستجاب لداعي الفتّان، ونزع عن مفرقه التاج، وكلّل به رأس من تمثّل الحسن بها والجمال، وهتف أمامها صاغراً متذللاً، قد أخذته الشهوة، وأعمت بصيرته الفتنة:

-سيدتي.. مُرِي بما تشائين، يطع ما تأمرين.. فإنما أنت لي ولن يفرق بيننا إلاّ الموت..

وتلوّت الأفعى ثانية، وتثنّت، وقالت بصوتٍ مغناج يشبه الفحيح:

- أنا لك شرط أن تأتيني برأس يحيى بن زكريا، فإنّه يعكر علينا صفو الحياة إن بقي على قيد الحياة، وينغّص علينا هناءة العيش، ويؤلّب الناس علينا وينفرهم عنّا.

قالت ذلك وانصرفت ولم يطل الوقت: ساعة أو بعض ساعة، حتى أتي بيحيى(ع) وجئَ بطشت من ذهب فذبح ووضع رأسه في الطشت وأرسل به إلى تلك البغي..

وإنّه لمن هوان الدنيا على الله سبحانه، أن يهدى رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.. وهو النبي الذي لم يكن له من قبل سمي.. وكذلك الحسين(ع) فيما بعد، لم يكن له سمي.. وكان حقاً على الله أن تهون عليه الدنيا..

فعن الصادق(ع) قال: لم تبكِ السماء إلا عليهما (الحسين وزكريا(ع)) أربعين صباحاً.

قيل له: وماكان بكاؤها؟

قال عليه السلام: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء!…

وما أشبه اليوم بالأمس..

وما أشبه الباغي بالبغي..

فبعد أجيال كان رأس الإمام الحسين(ع) ريحانة رسول الله(ص) وسبطه وسيد شباب أهل الجنة، موضوعاً في طشت أمام الباغي يزيد بن معاوية، طاغية عصره، ينكث ثناياه الشريفة بقضيب كان في يده، تشفيّاً كما تشفّت البغي برأس يحيى(ع).

إنهما، وحق الله، مناسبتان متشابهتان متماثلتان، بكت فيهما السماء دماً عبيطاً، فكان حقاً على الله أن تهون عليه الدنيا، في هاتين المناسبتين، هواناً مابعده هوان… وها نحن نرى نتائج ذلك في واقع الأمة الإسلامية…

فسلام الله على الحسين(ع) وسلام الله على يحيى وإنّا لله وإنّا إليه لراجعون.

والحمد لله ربّ العالمين





النبي لوط (ع)

14 08 2008

النبي لوط (ع) صاحب السجيل

النبي لوط (ع)

نسب لوط(ع) وأحواله

هو لوط بن هاران أخ إبراهيم(ع) لأبيه تارخ أي آزر بن ناحور بن ساروغ بن راغو بن فالغ بن شالح بن أفخشذ بن سام بن نوح عليهم السلام.

ولد لوط(ع) في العراق في قرية من قرى الكوفة يقال لها «كوثار» أو «فدّان آرام» وأمه أخت أمّ إبراهيم(ع) وهي ابنة لاحج، وكان نبياً منذراً لم يرسل إلى أحد.

ولوط(ع) هو أخو سارة زوجة إبراهيم(ع) لأمّها.

وكان متحلياً بالتقوى والصبر على المحن وطاعة الله تعالى والشكر له على كل نعمة ودفع النقم، كما كان في غاية الكرم والإستمساك بالذمام وحفظ الجار والضيف، غنياً ذا ثروة من الذهب والفضة وصاحب إبلٍ وغنمٍ وبقرٍ كثير، وله عبيدٌ وإماءٌ كثرٌ.

عاش لوط(ع) في زمن إبراهيم(ع) وولديه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، ولما بُعث إبراهيم(ع) نبياً رسولاً آمن لوط(ع) بنبوَّته ودعا إليه وإلى شريعته، كما ذكر ذلك الله تعالى في كتابه العزيز حيث قال عز من قائل في قصة إبراهيم(ع): {فآمن له لوط}.

ولمَّا اضطرّ إبراهيم(ع) إلى الخروج من وطنه العراق بسبب مضايقة الكافرين له، هاجر لوط(ع) معه كما ورد في القرآن الكريم: {وقال إني مهاجرٌ إلى ربي}.

وتبع لوط(ع) إبراهيم(ع) في رحلاته، وقد ورد ذكره(ع) في أربع عشرة سورة من سور القرآن الكريم هي على التوالي: سورة الأنعام، سورة الأعراف، سورة هود(ع)، سورة الجحر، سورة الأنبياء، سورة الحج، سورة الشعراء، سورة النمل، سورة العنكبوت، سورة الصافات، سورة ص، سورة ق، سورة القمر، وسورة التحريم.

إلى سدوم

خرج لوط(ع) مع إبراهيم(ع) في رحلته من العراق إلى الشام وفلسطين، حيث استقرَّ لوط(ع) في سدون بالقرب من عاموراء، على شاطئ البحر الميت، في مايعرف اليوم بالأردن.

كان أهل سدوم قوماً بخلاء يستثقلون الضيف ويسعون للتخلص منه بشتى الوسائل، وكانوا يسمَّون «أهل المؤتفكة» لأنّهم كانوا أهل إفكٍ ولهوٍ ولغوٍ ودجلٍ وباطلٍ وفساد، لايستحيون من فعل القبيح، يأتون المنكرات بمحضر النساء والبنات كما وصفهم الله تعالى حيث وجّه الخطاب إليهم على لسان نبيِّه لوط(ع): {وتأتون في ناديكم المنكر}.

ليس هذا فحسب، بل كان أهل سدوم أهل ظلم وجور، حتى أن القاضي عندهم كان يحكم لهم على الغرباء، بحقٍ وبغير حق، حيث يُروى أن سارة زوجة إبراهيم(ع) بعثت إلى سدوم رسولاً من قبلها ليستطلع لها أخبار أخيها لوط(ع) ويأتيها بها. فلما وصل الرسول إلى تلك البلاد لقيه رجل من أهلها وضربه بحجر على رأسه، فسال دمه على وجهه وثيابه، ثم أن ذلك الرجل تعلَّق برسول سارة وأخذ يطالبه بأجر على فعلته تلك، بحجة أنَّ الدم الذي سال لو بقي لأضرَّ بجسم الرسول. وبعد مشاحنات ومجادلات دعاه رسول سارة إلى القضاء وهو لايعرف ماذا ستكون النتيجة…

وتوجها إلى قاضي سدوم فما كان منه إلا أن حكم على الرسول المضروب للرجل المعتدي… فعمد رسول سارة إلى حجر وضرب به راس القاضي فشجّه وأسال دمه وولى هارباً وهو يقول له: «ادفع إلى ضاربي هذا مايتوجب لي عليك لقاء ضري إياك».

ومهما يكن من أمر صحة هذه الرواية وطرافتها سواء أكانت صحيحة أم مروية على سبيل التندّر والتهكم والمبالغة في التدليل على ظلم أهل سدوم، فإنها تبقى دليلاً على أن أهل تلك البلاد كانوا يتجاوزون الحدود في أعمالهم وتصرفاتهم.

ويحدثنا المؤرخون أن أهل سدوم كلهم باستثناء أهل بيت واحد هو بيت لوط(ع) كانوا يتضارطون في مجالسهم ونواديهم، ويجتمعون على نكاح الرجل الغريب، ويتوالون على ذلك حتى في محضر نسائهم وبناتهم، كما كانوا يخذفون الغرباء الذين يمرون في ديارهم بالحجارة، فأيهم أصابه حجر أخذوا ماله ونكحوه، وكان لهم قاضٍ يفتي لهم بذلك، بلاحشمة أو حياء، حتى أنهم قطعوا الطريق على المارة خشية هذه الفاحشة المنكرة.

لوط(ع) ينصح أهل سدوم

رأى لوط(ع) عمل أهل تلك البلاد، فساءه ذلك منهم، خصوصاً وأنه كان يعيش بين ظهرانيهم وقد تزوج امرأة منهم، وحاول (ع) إصلاح حالهم، فدعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، ونهاهم عن الفواحش والمحرمات والمنكرات التي كانوا يرتكبونها. وقد قصَّ القرآن الكريم قصّة تلك الدعوة فقال: {ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين؟ إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء! بل أنتم قوم مسرفون}.

أما أهل سدوم فكانت ردة فعلهم على هذه الدعوة معاكسة، فراحوا ينهون لوطاً عن استقبال الضيوف ويهددونه بالإخراج من بلادهم إن هو أصر على دعوته وملاحظاته وتأنيبه لهم، ومازادتهم دعوته إلاّ إصراراً على منكرهم، واستمروا في كفرهم وفجورهم، كما حكى ذلك القرآن الكريم: {وماكان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون}.

واستمر لوط(ع) في نصحة وإرشاده، فما كان منهم إلا أن اشترطوا عليه ألاَّ يضيف أحداً من الناس، وإلا طردوه من ديارهم، ولكنه(ع) راح يكرر دعوته لهم، رغم مضايقاتهم له، محاولاً ثنيهم وردعهم عن ارتكاب المحرمات والفواحش، ولكن برفقٍ ولينٍ هذه المرَّة قائلاً لهم: {أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم؟ بل أنتم قوم عادون}!

ولكن الشيطان كان قد استحوذ عليهم وطمس على قلوبهم وأبصارهم وعقولهم، حتى أن لوطاً(ع) كاد ييأس من إصلاح حالهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، وراح يتطير بالضيوف ويتحاشى استقبالهم، خشية معرفة هؤلاء القوم بهم وسعيهم لارتكاب الفاحشة فيهم.

فقد حدث أن بعث الله الملائكة الذين أمرهم بإنزال العقوبة بأهل سدوم، بعثهم ضيوفاً على لوط(ع) ولوط لايعرف مَنْ هم ولاماذا يريدون، فاستاء من حضورهم وارتبك كما قال تعالى: {ولما جاءت رسلنا لوطاً سئ بهم، وضاف بهم ذرعاً، وقال هذا يوم عصيب} وبات لايدري ماذا يفعل حتى يصرفهم، قبل أ، يعلم أهل سدوم بقدومهم.

زوجة لوط(ع) لاتحفظ سره

ورد الملائكة(ع) على لوط عليه السلام وهو في أرض له يسقي زرعها، ويعمل فيها، وهو لايعرفهم، فطلبوا منه أن يضيفهم عنده فاستحيا ألا يجيبهم إلى طلبهم، رغم ما كان يخشاه عليهم من أهل سدوم، فانطلق أمامهم وراح يلمح لهم في كلامه عن فعل أهل تلك البلاد وسوء تصرفهم، علَّ الضيوف يعلمون فيغيرون رأيهم وينطلقون إلى قرية أخرى يستضيفون أهلها، ولكن الملائكة كانوا يعلمون كل شئٍ عن أفعال أهل سدوم. وكانوا على يقين أنه لن يصيبهم منهم أذى ولا حتى لوط(ع)..

وعرف الملائكة الضيوف مقصد لوط(ع)، ولكنهم قالوا له: نحن أبناء سبيل، أفلا تضيفنا هذه الليلة عندك؟.

قال لوط(ع): إن أهل هذه القرية قوم سوء يأتون المنكر، فهم ينكحون الرجال ويأخذون أموالهم..

فقال الملائكة: لقد تأخرنا فأضفنا الليلة فقط.. وظل يحادثهم في الحقل حتى أرخى الليل سدوله، وهو يقصد أن يذهب بهم إلى بيته دون أن يشعر أهل سدوم بهم.

ثم إن لوطاً(ع) انطلق أمامهم إلى منزله، وأخبر زوجته واهله بأمرهم، قائلاً لها: إنه قد أتانا أضياف هذه الليلة فاكتمي أمرهم ولاتعلمي أهلك بهم، ولكِ عليَّ أن أسامحك بكل مابدرَ منك تجاهي من أذى إلى اليوم.. فقالت: أفعل.

كانت امرأة لوط(ع) على دين قومها، وكانت بينها وبينهم علامة تدلهم ما إذا كان لوط(ع) قد ضيّف أحداً أم لا… وكانت تلك العلامة أن تدخن فوق السطح نهاراً، وأن تشعل فوقه النار ليلاً.

وما أن دخل الملائكة الضيوف منزل لوط(ع) وهو معهم، حتى قامت زوجته وأوقدت ناراً فوق سطح المنزل، ليعلم قومها بضيوف لوط(ع). وهكذا أفشت أمرهم.

لوط (ع) يدافع عن ضيوفه

رأى أهل سدوم النار فوق سطع منزل لوطٍ(ع) وكانت علامة على وجود الضيوف، فتوافدوا إليه يريدون الأضياف ويتهددون لوطاً(ع) قائلين: {أولم ننهك عن العالمين}.

وقد حكى الله ذلك عنهم في كتابه الكريم فقال: { وجاء أهل المدينة يستبشرون. قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون}. وقال: {وجاء قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات. قال ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولاتخزون في ضيفي}.

وأصر أهل سدوم على طلبهم وفعلتهم، فتعجب لوط(ع) من أمرهم وتحير، ولكنه راح يدفعهم ويحول بينهم وبين الوصول إلى ضيوفه، ويجادلهم محاولاً إقناعهم بالإقلاع عن هذه الفاحشة المنكرة، وأنه ما من إنسان عاقل رشيد يقدم على ارتكاب فاحشة اللواط التي يقدمون عليها: {أليس منكم رجل رشيد}؟ تحترمون رأيه لينهاكم عن مثل ذلك؟!

ولكن القوم، وقد أعمى الشيطان بصائرهم، ظلوا يتدافعون للوصول إلى الضيوف.. فراح لوط(ع) يلفتهم إلى أن الله قد أحل لهم النساء وفيهن غنى عن إتيان الرجل وارتكاب تلك الفاحشة المخزية المردية. قائلاً لهم: {ياقوم هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. هن أطهر لكم فاتقوا الله ولاتخزون في ضيفي… قالوا: لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم مانريد}.

ولما لم ينفع معهم أسلوب اللين والإغراء وتحقيق مطلبهم دون ارتكاب المحرم… أدرك اليأس لوطاً(ع) وعلم أنه يستحيل إصلاحهم وقد فسدت فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فقال(ع): {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد}.

ولم يكن له بهم قوة فآوى إلى ركن شديد… لجأ إلى الله يبثه شكواه ومعاناته من أهل سدوم وهو يتهددهم بعذاب الله الشديد.. ولكنهم هزئوا به وسخروا منه وقالوا له: {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين}.

الضيوف رسل العذاب

ولم ينفع الوعد والوعيد في ثني أهل سدوم عن ضلالتهم، فراح لوط(ع) يدعو ربه أن يخلصه منهم ومما يعملون، وقد ازداد خوفه وقلقه على ضيوفه، وهو يرى قومه يتدافعون إلى المنزل وهو لايقوى على ردعهم بأي وسيلة و{قال: رب انصرني على القوم المفسدين}.

وجار الرد الإلهي سريعاً وعلى لسان الضيوف الملائكة، فقالوا: {يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل ولايلتفت منكم من أحد إلا امرأتك إنها مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب}.

وخاف لوط وحزن ولكن الملائكة طمأنوه: {وقالوا: لاتخف ولاتحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون}.

وبدأت نذر العذاب تظهر بينما القوم يراودون لوطاً(ع) عنضيفه: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر}.. فما هي إلا لحظات حتى أصيب القوم بالعمى، وراحوا يتحسسون الحيطان ليهتدوا إلى الطريق، ومع ذلك لم يرعووا عن غيهم وضلالهم ولم يعتبروا بما حدث لهم، فأخذوا ستهددون لوطاً(ع) ويتوعدونه قائلين: إذا كان الغد كان لنا وله شأن.

وخرج لوط(ع) من سدوم دون أن يلتفت ومعه ابنتاه ولم يخرج معه منهم إلا امرأته.. وتوجه إلى حيث أمره الله تعالى… إلى صوعر وبينا هم في الطريق إذ جاءت الصيحة تعلن نزول العذاب بأهل سدوم. فصرخت امرأة لوط: واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها وقد {صبحهم بكرة عذاب مستقر} وجعل الله عالي بلادهم سافلها وأمطر عليها {حجارة من سجّيل منضود. مسومة عند ربك}.

وكانت سبع مدن يسكنها أربعة آلاف أو أربعمئة ألف، وقد أخرج الله من كان فيها من المؤمنين وماكان فيها {غير بيت من المسلمين} هو بيت لوط(ع) {فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين ثم دمرنا الآخرين}. ذلك أن الله سبحانه أمر جبرائيل فاقتلع تلك البلاد بطرف جناحه، ورفعها حتى بلغ بها عنان السماء. ثم قلبها بمن فيها وما فيها، فجعل عاليها سافلها، وجعل الله مكانها بحرة منتنة لاينتفع بمائها ولابما حولها من الأراضي المحيطة بها، فصارت عبرة لمن اعتبر وآية على قدرة الله وعذابه: {وإنها لبسبيل مقيم} {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} وكما قال تعالى: {ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون… وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم}.

وهكذا لم تنج إلا قرية صوعر التي لجأ إليها نبي الله لوط(ع).. يقول تعالى: {كذبت قوم لوط بالنذر. إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط نجّيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر. ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر. ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر. ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر. فذوقوا عذابي ونذر. ولقد يسَّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر}.

{ والمؤتفكة أهوى فغشاها ماغشى فبأي آلاء ربك تتمارى} {إن في ذلك لآية وماكان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.

وفاة لوط(ع)

لبث لوط بين أهل سدوم حوالي ثلاثين عاماً، يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن ارتكاب الفواحش، وينصح لهم كما أمره الله بذلك إلى أن حق عليهم العذاب ودمر الله عليهم بلادهم بعد أن لم يرتدعوا ولم يؤمنوا بلوط(ع).

ويذكر المؤرخون أنَّ لوطاً(ع) لما أمره الله بترك سدوم. توجه إلى صوعر. يحث نجاه الله برحمته، فظل يدعو إليه ويتعبد له إلى أن وافاه الأجل.

وظلت قصته مع قومه عظة وعبرة لمن {خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى}.

فسلام على لوط {وإن لوطاً لمن المرسلين}.





النبي يونس

14 08 2008

النبي يونس (ع) ذو النون

 

النبي يونس (ع)

 

يونس يدعو قومه:

قامت دولةُ الأشوريِّين في بلاد «مابين النَّهرين»، وكانت عاصمتُها «نينوى» بأرضِ الموصلِ.

وكانوا يهتمُّونَ بزراعةِ الأرضِ، اهتمامَهم بالعزوِ والتوسُّعِ، شأنهم في ذلك شأنُ جميعِ شعوب تلك الحقبةِ من التَّاريخ.

وإلى جانب ذلك، فقد كانوا وثنيِّيين، يعبدونَ الأصنامَ. وارتفعت الأصنامُ في بيوتِ عبادّتِهم، وفي مدينة نينوى بشكلٍ خاصٍّ وتقرّبوا إليها بالعبادة والطّاعة، متّخذين منها آلهةً من دون الله تعالى.

وأباحوا لأنفسهم كلَّ حرامِ.. فكانوا لايتورعون عن ارتكاب المعاصي والموبقات، ولايتناهون عن كبائر الفواحش، والآثام!.

فأرسل الله تعالى إليهم نبيَّهم «يونس» يدعوهم إلى عبادةِ الله وحدِهِ:

- ياقومُ!.. ماهذه الأصنامُ التي أنتم عليها عاكفون؟..

إنَّ ربَّكم الله خالقُ كلِّ شئٍ، فتوبوا إليه، واعبدوهُ، يمتِّعكم متاعاً حسَناً..

- ماهذا الهذرُ يايونس، وما هذا البهتانُ الذي تأتينا به؟

أنعبدُ إلهاً لانعرفُه، ولانراهُ، ونذرُ آلهتنا التي نشأنا على عبادتها نحنُ وآباؤنا الأقدمون؟

فمن ينجِّينا إذاً من سخط «أشور»، عظيم آلهتنا، إن آمنّا بك واتّبعناك؟

- إنني ياقومُ إليكم بشيرٌ ونذيرٌ.. أرسلني الله إليكم كي أدعوكم إلى ما أوحيَ إليَّ به من الله العزيز الحكيم، أن اعبدوه وحده لاشريك له، ولاتُعرضوا عن هذا الدّين الّذي أتيتكم به.

فإن آمنتم وصدَّقتم برسالةِ ربكم كنتم من الفائزين.. وإلاّ، فانتظروا سخط الله عليكم، وعذابه، فلا تُقبلُ عندئذٍ توبةُ التَّائبين، ولاينفعُ ندمُ النّادمين. إنّ أجلَ الله لآتٍ لو كنتم تعلمون!..

- مانراك يايونس على شئٍ مما تدعوننا إليه، ولسنا لدعوتك بمستجيبين، {فائتنا بما تعدنا غن كنت من الصّادقين}.

ويكرّر يونس دعوته قومه إلى دين الحقِّ، فلعلَّهم يؤمنون.. فلا يزدادون إلاّ غيّا، وإصراراً على ما هم سادرون فيه من ضلال.. فيضيق بهم ذرعاً.. إنهم قومٌ عمون!..

وأخيراً، يُنذرُهم: إنّكم مُنظرون (أي: مُمهَلون) ثلاثة أيّامٍ كي تتوبوا، وتُقلعوا عمَّا أنتم عليه من الكفر، وتعودوا إلى الله؛ ربَّكم، وإن لم تفعلوا، فائذنوا بالعذاب الأليم!..

وينصرف يونسُ عن محاجَّتهم ومحاولة إقناعهم…

ونيظر قومُ يونسُ، بعضُهم إلى بعضٍ، متسائلين:

- أحقاً ماينذرُنا به يونس؟

ويُردفُ أحدّهم:

- أو عهدتم عليه، قبلَ ذلك، كذباً؟…

- لا، إنه بيننا الصَّدوقُ الأمينُ!..

- الرأيُ أن تأخذوا قوله على أنه الصدق، ولمزيدٍ من التأكيد، علينا أن نراقب مبيته، فإن بات فليس بشئٍ، وإن لم يبت، فاعلموا أنَّ العذابَ مُصبِحُكم..

فلمّا كان في جوف الليل خرجَ يونسُ من بين أظهرهم، وانطلق في أرض الله… مرتحلاً عن قومِهِ، مغاضباً، يائساً من هؤلاء القوم الفاسقين..

وهكذا لم تكن لنبيِّ الله يونسُ أناةُ نوحٍ، ولاصبرُ أيوبَ، ولاعزمُ موسى وإبراهيم!

نُذُرُ العذاب

وما أن ابتعدَ يونسُ عن نينوى حتّى لاحَتْ نُذُرُ العذاب…

فقد غشيَ المدينة غيمٌ أسودُ ينبعثُ منه دخانٌ عظيمٌ،.. فاسودت سطوح منازلهم، وخيَّم العذابُ فوقَ رؤوسهم أجمعين!.. وتغيَّرت هيئاتُ قومِ يونس، واكفهرَّتْ وجوههُم، واربدَّت!..

ونظر بعضُهم إلى بعضٍ، فإذا بهم مكفهرُّون!..

ونظروا إلى علٍ فإذا بالجو أسود قاتمٌ.. فداخلَهم خوفٌ ورعبٌ شديدان، وامتلأتْ قلوبهم هلعاً.. فأيقنوا بالهلاك، ووشيك العذاب الأليم!..

وتوجَّهوا بجموعهم إلى «مليخا» كبير زهّادهم،.. وإلى «روبيل» عظيم علمائهم،.. يستفتونهما:

ماالعملُ؟.. وقد غشيَنا العذابُ.. فالأمرُ عصيبٌ، شديدٌ..

فأشار عليهم بأن يلبسوا المسوح (وهو لباسُ الزهَّاد من الرهبان)، وأن يتفرّقوا بين قمم الجبال، وبطون الأودية، ومنبسطات السُّهول.. وأن يُفرِّقوا بين الأمّهات وأولادها، من بشرٍ وحيوانٍ.. وأن يتوبوا إلى الله..

ففعلوا ذلك:

وفزعوا إلى الله، يجأرون بالاستغاثة والدعاء:

- ياحيَّ،.. ياقيُّوم، يامحييَ الموتى،.. لاإله إلا أنت!..

وعلا بكاء الأطفال الرُّضَّع، وحنينُ البُهم الصِّغار الرُّتَّع، ودعاءُ الشيوخ الرُّكَّع.. وتابوا إلى الله توبةً نصوحاً!..

قال ابن مسعود:

«بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادُّوا المظالم بينهم،… حتّى أن الرّجل كان ليأتي بالحجر، وقد وضع عليه أساسُ بنيانه، فيقتلعُه، ويردُّه!..»

فما زالوا على ذلك،… حتّى نظر الله تعالى إليهم، وهم على هذا الحال، فبسط عليهم رحمته، وقد تقبَّل منهم توبتهم.. فلم يؤاخذ الصغيرَ بظلمِ الكبير، ولاالضعيفَ بجريرةِ القويِّ، ولاالحييَّ بفسوق الفاجر الكفّار.. بل شملهم جميعاً برحمةٍ منه. ورفع عنه العذاب، وقد كاد يحيطُ بهم جميعاً!..

يونسُ يذهب مغاضباً

أمّا يونسُ فقد تابع انطلاقه، مغاضباً، دون أن يأمره الله بذلك. أو يوحي به، إليه، بل، تأوّلاً منه، وترخُّصاً، وصدوراً عن رأيه هو.. وهو فعل ذلك،… فيتحمّل إذاً التّبعات!…

وكان يظنُّ ظناً شديداً بأنْ لن يقدرَ الله عليه…

سواء كان معنى هذا «القدر» تقتيراً في الرِّزقِ، كما يراه بعضُ أجِلاَّئنا المحقِّقين، أو، تقديراً من الله تعالى، كما يراه بعضهُم الآخرُ.

وأمعن يونسُ يضربُ في طولِ الفضاءِ، وعرضِه، (كنايةً عن الجدِّ في السير) حتى حطَّت به عصا التَّسيار أمام شاطئ البحر،… فتوقَّف مُضنىً، تعباً!..

يونس في السفينة

وشاهد سفينةً شُحِنت بحّارةً ومسافرين، ومتاعاً كثيراً.. وقد أخذت أشرعتُها ترتفعُ، مؤذنةً بالإبحار!..

فاقتربَ يونسُ من الرُّبَّان، وبعضِ النوتيَّة، يسألهم أن يصطحبوه معهم، في رحلتهم هذه، فقبلوه بينهم،.. وأنزلوه كواحدٍ منهم، عزيزاً، مكرَّماً،.. وقد أُخذوا بسيماء هذا العبد الصّالح الوقور، الكريم خلقاً وخُلُقاً!..

وأقلعت السَّفينةُ متهاديةً على صفحة اليِّم،.. فالبحرُ ساجٍ (أي: هادئ ممتد) والريحُ طيِّبةٌ، رُخاءُ!..

وفي قلب البحر هبَّ على السَّفينةِ إعصارٌ عاصفٌ، فتلاعب بها ذات اليمين وذات الشمال.. وأخذها الموج من كلّ جانبٍ، حتى أشرفت على الغرق.. فدعو الله مخلصين، أن يُنجّيهم من هذا الكرب الشديد..

وبينما هم كذلك، يغالبون الأمواج العاتية،.. وإذا بحوتٍ يشقُّ طريقه إلى السَّفينة، وكأنه قطعةُ جبلٍ،.. ويأخذُ بالدّوران حولها، والإلتفاف عليها،.. يبتغي رزقاً يطعمه!.. فاحتار الربّان في أمره، لايدري ماذا يفعلُ.. ووجمَ النوتيّة، مضطربين.. وعلت الأصواتُ بالاستغاثة والدُّعاء.. فهم بين بحر هائجٍ. تتعالى أمواجُه كالجبال، وحوتٍ ضخمٍ لايبرُح جانبي السّفينة، شاخصاً بعنقه إلى من فيها من ركّاب!..

جزاي العبد الآبق

وتشاور ركّابُ السّفينة فيما بينهم،.. ماالعمل؟

واستقرّ رأيُهم على أنّ بينهم عبداً آبقاً من مولاه (أي: هارباً من سيده) ولذلك كانت هذه العاصفةُ المجنونةُ،.. وهذا الحوتُ المنكر، الذي يأخذُ على سفينتِهم كلَّ طريقٍ!. وأجمعَ رأيَهم على إلقاءِ رجلٍ منهم في البحر.. فلعلّهم يتخلّصون من هذا النَّحسِ الذي يصاحبُهم، فيصفو الجوُّ.. ولعلَّ الحوتَ يقنعُ به، فيدعُ السَّفينةَ، وشأنها.. وتعاهدوا على ذلك.. ولجأوا إلى القُرعة: أيُّهم يكونُ نصيبَ الحوت؟.. وأجالوا القرعة فيما بينهم، فوقعت على يونس..

فاستعظموا أن يقذفوا بهذا العبد الصّالحِ في لجَّةِ البحر، لقمةً شائغةً لهذا الحوت الشرس، العنيد..

وأجالوا القرعةَ ثانيةً، فوقعت على يونس..

فأبوا..

وأجالوها ثالثةً، فأصابت يونسَ أيضاً!..

فعلم الجميعُ أن في الأمر سراًّ..

ونظروا إلى يونس كالمعتذرين، فمشيئة الله تأبى غيرَه.. فما كان من يونس إلاَّ أن رضي، قانعاً بما قسم الله له،.. وقد أوحيَ إليه:

- «عبدي… إن إردتَ أن تهربَ من قضائي، فاخرج من أرضي وسمائي!..»

وأسلم نبيُّ الله أمرَه ووجهَه لجبّار السّموات والأرض، وتوجَّه إلى حافّة السّفينة، واضعاً كلتا يديه على رأسه، وألقى بنفسه في لجّة الماء المزبد، وهو يصرخ: ياالله!..

وشاهد الحوتُ جسماً يتحرَّكُ في الماء، يغالبُ الأمواجَ العاتيةَ.. فاتَّجَهَ إليه، والتقمَه ابتلاعاً، دون أن يمزِّق منه لحماً، أو يهشم له عظماً.. وقد أوحى الله تعالى إليه:

«إني لم أجعل عبدي لك رزقاً، ولكني جعلت بطنكَ له مسجداً،.. فلا تكسرنَّ له عظماً ولاتخدشنَّ له جلداً..»

ومضى الحوتُ في طريقِهِ، لايلوي على شئ..

وتابعت السفينة طريقها.. وقد ساد رُكّابها حزنٌ طفح على وجوههم جميعاً، وقد كان صاحبُهم بينهم منذ لحظات..

ثم لبثوا أن أخذهم العجبُ الشّديدُ: إذ سرعان ما عادت الريح طيِّبة، رخاءً،.. وعادَ الجو إلى صحوهِ وإشراقِهِ،

بينما انصرف الحوتُ وشأنَه.. وكأنَّ شيئاً لم يكن!.

واستقرّ يونس في جوف الحوت،.. وكأنّه في جوف قبرٍ مظلمٍ، تتحرك فيه مياهٌ جيئةً وذهاباً..

وعصفت به وحشةٌ رهيبةٌ قاسيةٌ، كادت تقطع أنفاسَه..

فذكر الله، مسبِّحاً له، مقدِّساً إياه، وهو سجين ظلماتٍ ثلاثٍ: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة جوف الحوت.

أما المدَّة التي بقيها يونسُ في جوف الحوت، فقد اختلف العلماء والمفسِّرون فيها: فمن قائلٍ: ثلاثة أيام،.. إلى قائلٍ: بل، سبعة. وقيل: عشرون يوماً. وقيل: أربعون.

ويلقي القرآن الكريم على ذلك ضوءاً، بقوله، عزّوجلَّ: {وذا النّون (أي: صاحب الحوت، والمقصود به يونس)، إذ ذهب مغاضباً فظنَّ أن لنْ نقدِرَ عليه، فنادى في الظُّلُماتِ أن لا إله إلاّ أنتَ سُبحانكِ إنّي كنتُ من الظّالمين. فاستجبنا لهُ ونجّيناهُ من الغمِّ وكذلك نُنجي المؤمنين}.

[ونحنُ نعلم بأنّ لهاتين الأيتين الكريمتين، قدراً عند الله تعال، خاصّاً.. بحيث أُثبتت قراءتُهما في الرّكعة الأولى من صلاة الغُفيلة، بين فرضي المغرب والعشاء].

ويشاء الله تعالى أن يشمل عبده اللاّهج باسمه، برحمته.. وهو حيثُ هو.. في هذا القبر الحيِّ.. المتنقِّلِ به في قيعان بحار الدُّنيا!. فأوحى إلى الحوت: أن الفِظ عبديَ على الشاطئ الأمين.. ففعل!.

وخرج يونسُ – وقد قاءه الحوتُيتلمَّس طريقَه على الشاطئ، كالفرخِ الأزغب.. وقد رقَّ جلدُه بسبب ملوحةِ مياه البحر التي كان يقبع فيها، وهو في جوف الحوتِ.. ووَهنت قواه لفَرطِ ماعاناه، حتّى لكاد يُشرِف على الهلاك.

واقتعد ناحيةًمن الشَّاطئ، مفترشاً الرَّملَ.. فآذته حرارةُ الشَّمسِ.. فأنبتَ الله عليه شجرةً من يقطينٍ، فاستظَلَّ فَيْأها، وتناول منها ما اقتات به بعض الشئ..

وأخذت تسري الحياةُ في أوصاله شيئاً فشيئاً.. حتى تماسك على نفسهِ واستعادَ بعض قواه الخائِرةَ.

يونس يعود إلى قومِهِ

أمّا قومُ يونسَ، فقد علموا بما أصابَ صاحبَهم النبي، الذي غادرهم وهو يتفجَّر غضباً، لِماهم سادرون فيه من غيِّ، وضلال.. وأيقنوا أنّه تحوَّل طُعمةً لحيتان البحار، ووحوش قيعانها النَّواهشِ.. فصرفوا النظرَ عنه.. وقطعوا الأملَ من عودته، ثانيةً، إليهم.. وكانوا ياسفون لموقفِهم السَّابق منه، أسفاً شديداً.. ويندمون ندماً مريراً..

وكانوا، فيما بينَهم، يقولون:

- ياليت يونسَ يعودُ إلينا،.. لوجدنا، إذاً، من المؤمنين، وبرسالته من المصدِّقين، بعد أن منَّ الله علينا، فهدانا إلى صراطه المستقيم، واتَّبعنا دينَه القويمَ!..

ولشدَّ ما كانت دهشةُ قوم يونس، عندما رأوا نبيَّهم عائداً إليهم وفي مدينتهم نينوى ذاتها.. حيث كثُرَ أتباعه، وغمَّ أشياعهُ، فهم مئة ألفٍ أو يزيدون…

ووجدوا في عودته إليهم معجزةً سماويَّةً كبرى!..

ولشَدَّ ماكانت دهشةُ يونسَ عندما وجد قومَه مسلمين مؤمنين، بعد أن تركهم، في أمسهم القريب، كافرين فاسقين!..

وأحاطت نينوى بنبيِّها العائدِ إليها، مكرِّمةً إياه، رسولاً كريماً، ونبيَّاً أميناً.. وأدرك يونسُ أنَّهُ قد استعجلَ أمر ربِّه..

وليس للنبي المصطفى أن يستعجل أمر مولاه، فلله الحكمة البالغةُ،.. وهكذا كان ليونس ماكان!..

ولوطالت أناتُه قليلاً لتوصَّل إلى حمدي العُقبى، وجميلِ المال، ولوفَّر على نفسه عناءً كثيراً، وابتلاءً عظيماً..

{إنّ الله بالِغُ أمرِهِ قد جعل الله لِكُلِّ شئٍ قدراً}

ولنُصغ خاشعين إلى الله تعالى يوجز لنا قصة يونسَ، هذه، بالكلم المعجز، المتجلِّي في هذه الآية من الذّكر الحكيم:

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وإنّ يونُسَ لمن المُرسلين. إذ أبق الى الفُلكِ المشحون. فساهم فكان من المدحضين. فالتقمهُ الحوتُ وهو مُليمٌ. فلولا أنّهُ كان من المسبِّحين. للَبِثَ في بطنهِ إلى يومِ يُبعثُون. فنبذناهُ بالعراءِ وهو سقيمٌ. وأنبتنا عليه شجرةً من يقطينٍ. وأرسلناه إلى مئة ألفٍ أو يزيدون. فآمنوا به فمتّعناهُم إلى حينٍ}.

 

صدق الله العلي العظيم








دنبال‌کردن

هر نوشتهٔ تازه‌ای را در نامه‌دان خود دریافت نمایید.