مقدمة التحقيق لنهج البلاغة

14 08 2008

مقدمة التحقيق لنهج البلاغة

نهج البلاغة

الحمد لله حمداً حمده به الأنبياء والأولياء والعباد الصالحون والصلاة والتسليم على أنبياء الله ورسله أجمعين ، بالأخص خاتمهم وأفضلهم محمّد المصطفى وأهل بيته الذين طهّرهم وأذهب عنهم الرجس وجعلهم القدوة للناس إلى يوم الدين .

في طريق تحقيق نهج البلاغة :

إنّ كتاباً ككتاب نهج البلاغة ، الذي جمع بين دفتيه من خطب ومواعظ وحكم ورسائل لسيّد الفصحاء والبلغاء الذي تربّى منذ نعومة أظافره في حجر الرسالة وغذي بلبان النبوّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( صلوات الله عليه ) الذي اتبع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) اتباع الفصيل اثر أمّه وكان منه كالصنو من الصنو والذراع من العضد .

لمن المؤسف عليه أن يقع تصحيحه وضبط نصّه وشرح ألفاظه بأيد غير أمينة على تراثنا الخالد العريق ، أمثال محمّد عبده ومحيي الدين الخياط وصبحي الصالح !!! الذين جعلوا كل اهتمامهم في تحقيقه جهة البلاغة والفصاحة فيه ،  غاضّين طرفهم عمّا فيه من مسائل مهمّة ، بالأخص تلك المباني التي تختلف مع مذهبهم اختلافاً جوهرياً ، فحاولوا وبشتّى الطرق تحريفها وتغييرها عن معناها لتتلائم وما يعتقدونه ويذهبون إليه !! .

ومن هذا المنطلق كانت تدور في خلدي فكرة تحقيق نهج البلاغة تحقيقاً يتناسب مع شأنه ، ولكن خطورة الخوض في أعماقه كانت تردّدني كثيراً في الشروع به ، إلى أن رفع تردّدي بعض أصحاب الخبرة ومن عليه المعوّل في هذا المجال وشجعني وبعث اطمئناناً في قلبي ، فعزمت على تحقيقه واضعاً خطّة بدائية لهذا العمل تتكوّن من :

مقابلة الكتاب على أهم نسخه المعتبرة التي تمتاز بالقدم والقراءة والبلاغ ،  وكذا مقابلته على أقدم شروحه المعتبرة .

تثبيت أهم الاختلافات بين النسخ في الهامش .

ذكر أسانيد ما ورد في نهج البلاغة من خطب وحكم ورسائل متصلة إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، مع ذكر المصادر المتقدّمة على زمن الشريف الرضي .

عرض ما جاء في متن الكتاب من خطب ورسائل وحكم وكلمات قصار على المصادر القديمة والإشارة إلى ما وقع من اختلافات بينها .

ذكر مصادر الروايات الواردة في الكتاب عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبالاعتماد على أهم الكتب عند الفريقين .

الأبيات الشعرية التي استشهد بها أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ،  تشرح وتذكر أقدم مصادرها .

الأمثال والحكم التي استشهد بها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كلامه ، تشرح ويذكر قائلها .

أسماء البلدان ، تشرح بالاعتماد على أقدم المصادر .

أسماء الحيوان والنبات ، تشرح بصورة مختصرة .

10ـ وضع ترجمة للأعلام المذكورين في نهج البلاغة .

11ـ شرح الكلمات اللغوية الصعبة الفهم على عامّة الناس ، بالاعتماد على كتب اللغة وشروح نهج البلاغة القديمة .

12ـ رد الشبهات الواردة حول نهج البلاغة ، كل في محلّه في أثناء الخطب والرسائل والحكم .

13ـ التعريف ببعض المبهمات والإشارات في نهج البلاغة ، كذكر الأسماء التي أشار إليها ( عليه السلام ) في كلامه أو البلدان والوقائع ، أو ما ذكره بالكنية ، كل ذلك وبالاعتماد على شروح نهج البلاغة المعتبرة والمصادر الأُمّ في التاريخ والحديث والرجال و . . .

14ـ ومسائل أخرى كثيرة تستجد أثناء العمل .

وفي أثناء وضعي خطّة العمل وفي بدايات الدخول في هذا المشروع الجبّار ، حصل لي لقاء مع سماحة الشيخ محمّد النقدي حفظه الله ، وأطلعني على عزمه لتجديد طبع نهج البلاغة بصف حروفه وإخراجه بحله قشيبة من الناحية الفنية ، ذلك وبالاعتماد على طبعة صبحي الصالح .

فأخبرته بما في هذه الطبعة من تحريفات وأخطاء كثيرة !

فطلب منّي تصحيح الكتاب وضبط نصّه ورفع ما وقع فيه من تحريف ، من دون إطالة أو تعليق .

فانتهزت الفرصة لكي أقدم عملي هذا بصورة بدائية ، وذلك بمقابلته على أقدم نسختين وضبط نصّه من دون الإشارة إلى الاختلافات .

وكلّي أمل من العلماء وأصحاب النظر في أن يمدّوني بنظراتهم العلمية ، لتطوير العمل ، ورفع جميع الإشكالات عنه ، وإخراجه بصورة يكون مفخرة لمذهبنا وتراثنا الغني الخالد .

صبحي الصالح وعمله في نهج البلاغة :

لم يبتكر صبحي الصالح في تحقيقه لنهج البلاغة شيئاً يذكر ويقدّر ، سوى ما صنعه من فهارس فنّية للكتاب لم يسبقه بها أحد ، وفي الفهرس الأوّل منها الذي خصّصه للألفاظ المشروحة ، يندهش القارئ عند مطابقتها مع ما شرحه محمّد عبده ، فيرى أكثرها أن لم نقل كلّها منقولة نصّاً من شرح محمّد عبده ، نعم محمّد عبده شرح كل عدّة كلمات في هامش واحد وصبحي الصالح أفرد لكل كلمة هامشاً على حدة !! ونوّه صبحي الصالح في مقدّمته إلى هذا المطلب ، واعتذر عن هذا بأنّ محمّد عبده عوّل في شرحه على شرح ابن أبي الحديد وأخذه منه حرفياً ، وهو أيضاً عوّل على شرح ابن أبي الحديد وأخذه منه حرفياً !! .

وأمّا تقويم نص الكتاب فتشاهد صبحي الصالح في مقدّمته ينقد محمّد عبده بعدم اعتماده على مخطوطات نهج البلاغة في التصحيح ، وأنّه اكتفى بنسخة واحدة ، ولم يجشم نفسه عناء البحث عن النسخ المختلفة ومقابلة بعضها ببعض ضبطاً للنص وتصحيحاً للأصل واختياراً للأدق الأكمل وانسجاماً مع أمانة العلم ومنهجية التحقيق .

وبعد كلام صبحي الصالح هذا نوجّه له سؤالاً ونستفهم منه عن النسخ التي اعتمدها وجشم نفسه عناء البحث عنها و … ؟!!

فلم يذكر لنا وصف نسخة اعتمدها في تحقيقه ، واعتمد في ضبط النص على ما ضبطه محمّد عبده ، حتّى أنّه تابعه في الأقواس والتنصيص وتقطيع النص ، وفي بعض الموارد التي خالف فيها محمّد عبده ، كان الحق مع محمّد عبده ، نعم يحتمل أن يكون قد قابل الكتاب مع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الذي حقّقه محمّد أبو الفضل إبراهيم .

ولو كان صبحي الصالح اعتمد في تحقيقه على مخطوطات لنهج البلاغة ، لما وقع في اشتباهات كثيرة ستأتي الإشارة إليها .

وأمّا ما كتبه صبحي الصالح في مقدّمته لنهج البلاغة والتي عنونها ( لمحة خاطفة عن سيرة الإمام علي ( عليه السلام ) فتراه يراوغ فيها بين مدح وذم دفين يجعل القارئ مصدقاً بما يقوله ويحرّف ذهنه عن الواقع من دون أن يشعر به .

فمثلاً تراه يمدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأنّه كان : ثاقب الفكر ، راجح العقل ، بصيراً بمرامي الأمور ، له سياسة وحكمة وقيادة رشيدة .

ولكن سرعان ما تراه يعقّب على كلامه هذا ويهدم كل ما بناه ويلقي بسمّه ،  وذلك عندما يقول : لكن مثله العليا تحكّمت في حياته ، فحالت دون تقبّله للواقع !! ورضاه بأنصاف الحلول !! بينما تجسّدت تلك الواقعية في خلفه معاوية !! وكانت قبل متجسّدة على سمو ونبل في الخليفة العظيم عمر بن الخطاب !!

الفوارق بين هذه الطبعة وطبعة صبحي الصالح :

تبلغ الفوارق بين هذه الطبعة وطبعة صبحي صالح المئات ، فتجد في كل صفحة فوارق كثيرة ، بل في كل سطر ، وهذا ما يدل على أنّ صبحي الصالح لم يعتمد على أي أصل أو مخطوط ، بل حاول في بعض الموارد تحريف النص عن معناه الأصلي ، ولو أردنا استقصاء جميع الفوارق وبحثها لطال بنا المقام ، فنقتصر هنا على الإشارة إلى بعض الفوارق ونترك الاستقصاء بمطابقة هذه الطبعة مع طبعة صبحي الصالح إلى القارئ الكريم :

صبحي الصالح المخطوط

رقم (180) من الحكم : وا عجباه أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة ؟ واعجباه أتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة ؟!

رقم (243) من الحكم : والأمانة نظاماً للأمّة . والإمامة نظاماً للأمّة

رقم (319) من الحكم : فما جاع فقير إلاّ بما متع به غني فما جاع فقير إلاّ بما منع به غني

رقم (233) من الخطب : روى ذعلب اليمامي روى اليماني

رقم (72) من الحكم: ضرار بن ضمرة الضبائي ضرار بن ضمرة الضبابي

رقم (52) من الحكم: قال الرضي وقد روي هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم لم ترد هذه العبارة في المخطوط .

رقم (23) من الكتب : أقيموا هذين العمودين وأوقدوا هذين المصباحين وخلاكم ذم. أقيموا هذين العمودين وخلاكم ذم .

رقم (378) من الحكم : ألا وإنّ من صحّة البدن تقوى القلب . ألا وإنّ من النعم سعة المال ، وأفضل من سعة المال صحّة البدن ، وأفضل من صحّة البدن تقوى القلب

رقم (1) من الخطب : والبلة والجمود واستأدى الله والبلة والجمود والمساءة والسرور واستأدى الله

رقم (1) من الخطب : إلاّ إبليس اعترته الحمية وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال إلاّ إبليس وقبيله اعترتهم الحمية وغلبت عليهم الشقوة وتعززوا بخلقه النار واستوهنوا خلق الصلصال

رقم (52) من الخطب : ومن خطبة له ( عليه السلام ) وهي في التزهيد في الدنيا وثواب الله للزاهد ونعم الله على الخلق ومن خطبة له ( عليه السلام ) قد تقدّم مختارها برواية ونذكرها هاهنا برواية أخرى لتغاير الروايتين

رقم (126) من الخطب : ومن كلام له ( عليه السلام ) لما عوتب على التسوية في العطاء ومن كلام له ( عليه السلام ) لما عوتب على تصييره الناس أسوة في العطاء من غير تفضيل إلى السابقات والشرف قال :

رقم (31) من الكتب : المستسلم للدنيا المستسلم للدهر الذام للدنيا

رقم (3) من الخطب ، آخر الخطبة ، في شرح الشريف الرضي : وردت عبارة لم ترد في المطبوع وهي : وفي الحديث أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خطب الناس وهو على ناقة قد شنق لها وهي تقصع بجرتها .

ومن الشاهد على أن أشنق بمعنى شنق قول عدي بن زيد العبادي :

ساءها ما بنا تبين في الأيدي

وأشناقها إلى الأعناق

رقم (161) من الخطب : لا يتفاخرون ولا يتناسلون لا يتفاخرون ولا يتناصرون ولا يتناسلون

رقم (90) من الخطب : أولي أجنحة تسبح أولى أجنحة مثنى وثلاث تسبح

رقم (3) من الخطب : وإنّه لِيَعْلَم وإنّه لَيَعْلَم

رقم (64) من الخطب : وكل ظاهرٍ غير باطن وكل ظاهر غيره غير باطن

رقم (3) من الخطب : وقسط آخرون وفسق آخرون

آخر الكتاب كلام الشريف الرضي في ختمه للكتاب لم يرد بأكمله في طبعة صبحي الصالح

عملنا في هذا الكتاب :

تمركز عملنا في هذا الكتاب على ضبط وتقويم النص وعرضه بصورة خالية من الأخطاء والتحريف وبقدر الإمكان .

فعرضنا الكتاب وقابلناه على أقدم مخطوطتين لنهج البلاغة :

1ـ المخطوطة المحفوظة في المكتبة العامّة لآية الله المرعشي في قم المقدسة ، رقم (3827) ، بخط النسخ ، واضح مشكول ، مضبوط متقن ، كتب هذه المخطوطة الحسين بن الحسن بن الحسين المؤدّب ، أتمّ الكتابة في شهر ذي القعدة سنة (499 هـ) أو (469 هـ) ، وكاتب هذه النسخة من علماء الشيعة المقاربين لعصر الرضي والمرتضى ، وقد أجازه تلميذه الشيخ محمّد بن علي بن أحمد بن بندار رواية نهج البلاغة ، كتبها في آخر الجزء الأوّل منه .

وفي هوامش هذه النسخة قيود مختصرة أكثرها لغوية يحتمل أن تكون من الناسخ ابن المؤدب .

والأوراق الثمانية الأولى والورقة الرابعة والعشرين ، ليست من أصل النسخة ، بل كتبت متأخّراً بعد القرن العاشر .

ولم يرد في هذه النسخة في باب حكم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من الرقم (138) إلى الرقم (376) ، ومن الرقم (453) إلى آخر الكتاب .

2ـ المخطوطة المحفوظة في مكتبة نصيري في طهران ، كتبها فضل الله بن المطهّر الحسيني في الرابع من رجب سنة (494 هـ) ، وهذه النسخة ناقصة من أوّلها إلى آخر الخطبة رقم (31) ، فقابلنا مقدار النقص على نسخة أخرى في مكتبة النصيري ، قديمة نفيسة بدون تاريخ .

وفي هذه النسخة سقط من الخطبة رقم (235) إلى آخر الخطب ، ووردت الخطب رقم (185) إلى (192) بعد الخطبة رقم (234) .

ووردت الخطب رقم (311) إلى (332) بخط يختلف عن خط أصل النسخة ، ولعلّه يرجع إلى القرن العاشر .

فاعتمدنا في ضبط النص على المخطوطتين ، وأثبتنا ما كان متحداً بينهما في المتن ، وفي موارد الاختلاف أثبتنا الأصح والأرجح في المتن من دون الإشارة إلي الاختلاف إلاّ في موارد نادرة جدّاً ، وفي موارد السقط من إحدى النسخ استعنا بطبعة محمّد عبده ، وفي الموارد التي لم ترد في المخطوطتين ووردت في طبعة صبحي الصالح ومحمّد عبده وغيرهما ، وارتأينا إثباتها ، فوضعناها بين معقوفين ، فكل ما تجده بين معقوفين فهو مما لم يرد في المخطوطتين ، أو إضافة عناوين .

وأمّا شرح الكلمات التي أوردها صبحي الصالح في آخر الكتاب في فهارس الكتاب ، جعلناها في هامش كل صفحة تسهيلاً للقارئ .

وهذه الشروح رتّبتها وصحّحتها حسب المتن ، بالأخص إذا اختلفت الكلمة المشروحة في المتن ، وأضفت بعض الشروح القليلة حسب ما تقتضيه الحاجة ، وحذفت شروحاً أخر .

وذكرت بعض التعليقات على موارد قليلة وختمتها بكلمة ( المصحح ) .

وفي باب حكم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وردت بعضها التي كانت تحمل عدّة أرقام في حكمة واحدة ، فوضعت لها رقماً واحداً ووحّدتها ، وفقاً للنسختين .

وفي باب الخطب ورد في المخطوطتين في موارد كثيرة بدلاً من ( ومن خطبة له ) ( ومن كلام له ) وبالعكس ، فرتبناه حسب المخطوط .

وفي أماكن متعدّدة من شرح الشريف الرضي للنص لم ترد مقاطع منه في المخطوطتين ، ووردت في المطبوع ، فحذفناها وفقاً للأصل المخطوط .

فتمركز عملنا على تقويم نصّ الكتاب وتقطيعه بما يوافق المناهج الجديدة ، وملاحظة إعراب الكلمات وتصحيحها ، وملاحظة الشروح ، وترتيب الفهارس على أرقام صفحات هذه الطبعة .





خطبة الإمام علي ( عليه السلام ) الخالية من النقط

14 08 2008

خطبة الإمام علي ( عليه السلام ) الخالية من النقط

(الإمام علي ( عليه السلام

قال ( عليه السلام ) : ( الْحَمْدُ للهِِ أَهل الْحَمْدِ وَمَأْواهُ ، وَلَهُ أَوْكَدُ الْحَمْدِ وَأَحْلاَهُ ، وَأَسْرعُ الْحَمْدِ وَأَسراهُ ، وَأَطْهرُ وَأَسْماهُ ، وَأَكْرمُ الْحَمْدِ وَأَوْلاَهُ …

الْحَمْدُ للهِِ الْمَلِكِ الْمَحْمُودِ ، الْمَالِكِ الْوَدُودِ ، مُصَوِّرِ كُلِّ مَوْلُود ، وَمَوْئِلِ كُلِّ مَطْرُود ، وَسَاطِحِ الْمِهَادِ ، وَمُوَطِّدِ الأطْوادِ ، وَمُرْسِلِ الأمْطَارِ ، وَمُسَهِّلِ الأَوْطَارِ ، عَالِمِ الأَسْرارِ وَمُدْرِكِهَا ، وَمُدَمِّرِ الأَمْلاَكِ وَمُهْلِكِهَا ، وَمُكَوِّرِ الدُّهُورِ وَمُكَرِّرِهَا ، وَمُورِّدِ الأُمُورِ وَمُصَدِّرِهَا ، عَمَّ سماءه ، وَكَمَّلَ رُكَامَهَ وَهَمَلَ ، وَطَاوَعَ السَّؤالَ وَالأَمَلَ ، وَأَوْسَعَ الرَّمْلَ وَأَرْمَلَ ، أحمده حمداً ممدوداً ، وأوحده كما وحد الأواه ، وهو الله لا إله للأمم سواه ، ولا صادع لما عدل له وسواه ، أَرْسَلَ مُحَمَّداً عَلَماً لِلإِسْلاَم ، وَإِماماً لِلْحُكّام ، مُسَدِّداً لِلرُّعاعِ ، ومعطل أحكام ود وسواع ، أعلم وعلم ، وحكم وأحكم ، وأصل الأصول ، ومهد وأكد الموعود وأوعد ، أوصل الله له الإكرام ، وأودع روحه الإسلام ، ورحم آله وأهله الكرام ، ما لمع رائل وملع دال ، وطلع هلال ، وسمع إهلال .

اِعْملُوا رَحمكُمْ اللهُ أَصْلَحَ الأَعْمَالِ ، وَاسْلُكُوا مَصالِحَ الْحَلاَلِ ، وَاطْرَحُوا الْحَرامَ وَدَعُوهُ ، وَاسْمَعُوا أَمْرَ اللهِ وَعُوهُ ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ وَرَاعُوها ، وَعَاصُوا الأَهْواءَ وَارْدَعُوها ، وصاهروا أهل الصلاح والورع ، وصارموا رهط اللهو والطمع ، ومصاهركم أطهر الأحرار مولداً ، وأسراهم سؤدداً ، وأحلامكم مورداً ، وها هو أمّكم وحل حرمكم مملكاً عروسكم المكرّمة ، وما مهر لها كما مهر رسول الله أم سلمه ، وهو أكرم صهر أودع الأولاد ، وملك ما أراد ، وما سهل مملكه ، ولا هم ولا وكس ملاحمه ولا وصم ، اسأل الله حكم أحماد وصاله ، ودوام إسعاده ، وأهلهم كلا إصلاح حاله ، والأعداد لمآله ومعاده ، وَلَهُ الْحَمْدُ السَّرْمَدُ ، وَالْمَدْحُ لِرَسُولِهِ أَحْمَدَ … ) .

هذا إن دل على شيء فإنّما يدل على عظيم الفصاحة والبلاغة ، التي يمتلكها الإمام علي ( عليه السلام ) فهو باب مدينة العلم ، الذي منه أتت البلاغة وإليه تنتهي ، وكيف لا وقد قال بحقّه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ( أنا مدينة العلم وعليُّ بابها ) .





خطبة الإمام علي ( عليه السلام ) في وصف المتقين

14 08 2008

خطبة الإمام علي ( عليه السلام ) في وصف المتقين

الإمام علي ( عليه السلام )

قال ( عليه السلام ) بعد حمد الله والثناء عليه :

( إنّ المتقين في الدنيا هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، خضعوا لله بالطاعة ، غاضين أبصارهم عمّا حرّم الله عزّ وجل ، واقفين أسماعهم على العلم ، نزلت منهم أنفسهم في البلاء ، كالذي نزلت في الرخاء ، رضى بالقضاء ، لولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقاً إلى الثواب ، وخوفاً من العقاب .

عظم الخالق في أنفسهم ، فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن قد رآها فهم منعّمون ، وهم والنار كمن قد رآها ، وهم فيها معذّبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، ومعونتهم للإسلام عظيمة ، صبروا أيّاماً قصاراً ، فأعقبتهم راحة طويلة مربحة ، يسّرها لهم ربّ كريم ، أرادتهم الدنيا ولم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها .

أمّا الليل فصافّون أقدامهم ، تالون لأجزاء القرآن ، يرتلونه ترتيلاً ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، وتهيج أحزانهم بكاءً على ذنوبهم ، ووجع كلومهم وجراحهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً ، وتطلعت أنفسهم إليها شوقاً ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف ، أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، ومفترشون جباههم وأكفهم ، وأطراف الأقدام  ، يطلبون إلى الله العظيم في فكاك رقابهم .

أمّا النهار فحكماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف أمثال القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، ويقول : قد خولطوا ، وقد خالط القوم أمر عظيم ، إذا هم ذكروا عظمة الله تعالى ، وشدّة سلطانه ، مع ما يخالطهم من ذكر الموت وأهوال القيامة ، أفزع ذلك قلوبهم ، وطاشت له أحلامهم ، وذهلت له عقولهم ، فإذا أشفقوا من ذلك بادروا إلى الله بالأعمال الزاكية ، لا يرضون باليسير ، ولا يستكثرون له الكثير .

هم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكي أحدهم خاف ممّا يقولون ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي منّي ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيراً ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، إنّك علاّم الغيوب .

فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وخوفاً في لين ، وإيماناً في يقين ، حرصاً في علم ، وكيساً في رفق ، وشفقة في نفقة ، وفهما في فقه ، وعلماً في حلم ، وقصداً في غنى ، وخشوعاً في عبادة ، وتجمّلاً في فاقة ، وصبراً في شدّة ، ورحمة للمجهود ، وإعطاء في حق ، ورفقاً في كسب ، وطلباً في حلال ، ونشاطاً في هدى ، وتحرجاً عن طمع ، وبراً في استقامة ، واعتصاماً عند شهوة .

لا يغرّه ثناء من جهله ، ولا يدع إحصاء عمله مستبطئاً لنفسه في العمل ، يعمل الأعمال الصالحة ، وهو على وجل ، يمسي وهمّه الشكر ، يصبح وهمّه الذكر ، يبيت حذراً ، ويصبح فرحاً حذراً لما حذر من الغفلة ، فرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة .

إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره ، لم يعطها سؤلها فيما هويت ، فرحه فيما يحذر ، وقرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما يفنى ، يمزج الحلم بالعلم ، ويمزج العلم بالعمل ، تراه بعيداً كسله ، دائماً نشاطه ، قريباً أمله ، قليلاً زلَلُه ، خاشعاً قلبه ، قانعة نفسه ، متغيّباً جهله ، سهلاً أمره ، حريزاً دينه ، ميتة شهوته ، مكظوماً غيظه ، صافياً خلقه ، لا يحدث الأصدقاء بالذي يؤتمن عليه ، ولا يكتم شهادة الأعداء ، لا يعمل شيئاً رئاء ، ولا يتركه استحياء .

الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون ، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين ، يعفو عمّن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، لا يعزب حلمه ، ولا يعجز فيما يزينه ، بعيداً فحشه ، ليّناً قوله ، غائباً مكره ، كثيراً معروفه ، حسناً فعله ، مقبلاً خيره ، مدبراً شرّه ، فهو في الزلازل وقور ، وفي المكارة صبور ، وفي الرخاء شكور .

لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب ، ولا يدّعي ما ليس له ، ولا يجحد حقّاً هو عليه ، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ ، ولا ينابز بالألقاب ، لا يبغي ولا يهم به ، ولا يضار بالجار ، ولا يشمت بالمصائب  ، سريع إلى الصواب ، مؤد للأمانات ، بطئ عن المنكرات ، يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، لا يدخل في الدنيا بجهل ، ولا يخرج من الحق .

إن صمت لم يغمه الصمت ، وإن ضحك لم يعل به الصوت ، قانع بالذي له ، لا يجمح به الغيظ ، ولا يغلبه الهوى ، ولا يقهره الشح ، ولا يطمع فيما ليس له ، يخالط الناس ليعلم ، ويصمت ليسلم ، ويسأل ليفهم ، لا ينصت للخير ليعجز به ، ولا يتكلّم به ليتجبر على من سواه ، إن بغي عليه صبر ، حتّى يكون الله جل ذكره ينتقم له .

نفسه منه في عناء ، والناس منه في رجاء ، أتعب نفسه لآخرته ، وأراح الناس من نفسه ، بعده عمّن تباعد عنه بغض ونزاهة ، ودنوه ممّن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده تكبّراً ولا عظمة ، ولا دنوّه خديعة ولا خلابة ، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير ، وهو إمام لمن خلفه من أهل البر ) .