النبي موسى(ع) كليم الله

14 08 2008

النبي موسى(ع) كليم الله

بنو اسرائيل في مصر :

هاجر ابناء يعقوب واحفاده ـ كما يقص علينا القران الكريم في سورة يوسف ـ من بلاد كنعان الى مصر ، حيث نزلوا على يوسف مكرمين . كيف لا ، ويوسف ايام ذاك ؛ كان امين فرعون على مصر كلها ؟ … وهكذا شاء الله تعالى ان يسكن ارض مصر قوماً يعبدونه ، ولا يشركون به احدا . انهم ذرية يعقوب بن اسحق بن ابراهيم ، وكلهم انبياء ، ورسل ، وهداة ! …

 

والى جانب هؤلاء كان اتباع ابراهيم ولوط ، يؤمنون بالله الهاً واحداً لا شريك له ، وبنبوة ابنائه ، الذين يدعون الى الهدى ، ودين الحق ، وسبيل السلام ! … وعندما شعر النبي يوسف ، ( عليه السلام ) ، بدنو اجله ، جمع حوله اهل بيته ، وقومه الاقربين ، وقال لهم بصوت متهدج ، ونبرة مفعمة بعميق الايمان : ” يا ال يعقوب … انتم بقية الله على ارضه . وصفوته من صالحي المؤمنين” !… لقد ارسل الله تعالى ابوكم يعقوب ، ومن قبله اسحق وابراهيم ، دعاة لعبادة الله وحده . واتباع سبيل الحق والخير ، والهدى والرشاد ، …فكان جدكم ابراهيم ، خليل الله ، وصفيه ، واباً للانبياء جميعاً ، من بعده !…

 

وها انتم اولاء تعيشون في ارض مصر ، مكرمين ما زلت بين ظهرانيكم ( أي بينكم ومعكم ) وانبي موشك على لقاء ربي ، والالتحاق بآبائي وآبائكم الصالحين . فاذا كان ذلك ، وانه لكائن لا محالة ، فسوف تتعرضون من بعدي للظلم و الطغيان ، والاذى والعذاب ، فما عليكم ، والله ، الا الاعتصام بالصبر ، والتمسك بدينكم الذي انتم عليه الان ،… وبعد زمن ، ليس بالطويل ، سياتي من بعدي نبي يخلص بني اسرائيل من جبروت فراعنة مصر ، وطغيانهم ، وعتوهم ، به ينصر الله الحق ، ويقيم الدين ، ويذل الطغاة المتجبرين ، فاصبروا صبراً جميلاً ، وانتظروا فرجاً من الله ، ومخرجاً مما ستؤولون اليه ، ولاتنهوا ، ولاتحزنوا ، ولاتياسوا، واعلموا ان الله مع الصابرين !… واغمض النبي يوسف ” عليه السلام ” عينيه الكريمتين ، وشهق شهقة لطيفة ، فاضت بها روحه الشريفة ، ملتحقاً بجوار ربه الاعلى ، حيث ابائه الانبياء والاولياء ، والاوصياء ، والشهداء ، في جنان الخلد ، ونعيم لا يفنى !…

 

جبروت فرعون :

وتهضي اربعة قرون : ويتكاثر ابناء يعقوب ، فيصيرون آلافاً قد توزعوا على اقاليم مصر يعملون ويكدحون ، ويلاقون ـ كما عهد اليهم ، من قبل ، يوسف ـ من العذاب والتنكيل ، صنوفاً والواناً !… ويشتد الاذى عليهم ، ويتضاعف ، ايام رمسيس ،طاغية فراعنة مصر ، الذي ادعى ، دون وجه حق ، انه اله ، .. متخذا الشمس شعاراً!.. فكما ان الحياة لاتستقيم بدون الشمس ، كذلك ، لاتكون مصر ، وشعبها ، الابه !.. ويامر الطاغية ببناء هرم له ،لا يضاهى ، فيعمل شعب مصر كله في تشييد الهرم ، سنين طوالاً ، وليل نهار ، وتزهق في هذا العمل المضني آلاف الانفس ، في سبيل عزة فرعون وجبروته . وعندما ينتهون ، يأمر ببناء معبد له في اسوان ، محاذياً مجرى النيل الذي يهب ارض مصر الخصب والحياة . وعندما ينتهبي العمل من بناء المعبد ، يامر بنصب التماثيل ، فتنصب التماثيل نحتاً في صخور الجبال !.. ويأتي يوم الافتتاح !.. فيخرج فرعون على قومه في زينته ، وفي منتهى الابهة والجلال ، يحف به عظماء مملكته ، ويحيط به سادة الكهنة ، والاشراف !.. فتتعالى صرخات الاف المصريين ، وهتافاتهم ، وقد اصطفوا لتحية مليكهم العظيم وما ان اطل عليهم حتى خروا له سجداً !.. فتمتلئ نفس فرعون غروراً وشمخ بانفه عاليا استكبارا في الارض ، وعتوا، .. وينظر ناحية ،.. فيرى جماعة من الناس لم يكونوا من الساجدين . فيسأل عن شانهم ، فيقال له : ” انهم بنو اسرائيل ، لا يدينون بما يدين شعب مصر ، ويعبدون إلهاً غيرك ، يا مولاي !..”

 

فيمتقع لونه ، ويدمدم غاضباً :” متى كان في مصر قوم يعبدون غيري ؟ .. ” ويتابع الموكب المهيب طريقه ، وقد امتلأت نفسه عليهم حقدا !… وما ان وصل فرعون الى قصره ، حتى استدعى رئيس الكهنه ، مستوضحاً منه امر بني اسرائيل ، هؤلاء . فانباه حقيقة امرهم : فهم يؤمنون باله واحدا ، هو رب السموات و الارض ، الناس جميعاً عباده ، انه خالقهم ، ورازقهم ، ومميتهم ، ومحييهم !.. فيصرخ فرعون غضباً : يعيشون في مملكتي ، ويعبدون غيري ؟.. الويل لهم مما يصنعون !… ويتابع رئيس الكهنة : عفوا يا مولاي ، فهنالك ما هو اخطراً !… وهل هناك اخطر من هذا يا كاهن فرعون ؟ …نعم يا سيدي !. وما هو ؟ .. قل !.. وعزة فرعون سينالهم عذاب اليم !.. انهم ، مولاي ، ينتظرون نبي ينقذهم ، وينقذ اهل مصر ، كما يزعمون ، من حكامهم ، وسيكون مخلصهم مما هم فيه من اضطهاد .. وهل تعتقد ان هذا النبي الذي لم يظهر امره ، وقد ولد ، فدعوته قريبة ، ام ان امره لايزال بعيداً ؟.. لا، يا مولاي !. فولادته ، على ما يظهر ، وشيكة الوقوع ، كما تقول بذلك النجوم . وهل عندكم انتم معشر الكهنة والمنجمين ، علم بذلك ؟ أجل يا سيدي ، فسيولد عما قريب في ارض مصر غلام ، ليس بمصري ، وما اظنه الا من بني اسرائيل ، وسيكون له شان كبير ، وخطر عظيم على حاكم مصر ، وعلى ملكه ، معاً ، هكذا انباتنا مواقع النجوم . الويل لهم !.. يعيشون بيننا ، وينتظرون يوما يدمرون فيه ملكنا ؟ ..وعزة فرعون لن يصلوا الى ذلك ابداً . ويصرخ فرعون ، وقد انتفخت اوداجه غيظا وحنقا ، : اين رئيس الشرطة ؟.. وبطرفة عين ، يمثل رئيس الشرطة امامه ، وينحني ، حتى ليكاد يصل رأسه الى قدميه ، امر مولاي !.. لقد شرفناكم بتسليمكم امن هذه البلاد ، وانتم عما يحصل غافلون ؟ الا ترى الا بني اسرائيل ، هؤلاء ، يدبرون لنا كل شر ، ينتظرون الفرصة السانحة ليدمروا ملكنا تدميرا !.. ولكننا يا مولاي ، لا ندعهم يرتاحون . فسياستنا العامة بشانهم تقضي بوضعهم تحت السياط، كالماشية ، فهم في قهر دائم ، وذلة وامتهان !.. آمرك ان تتشدد في مراقبتهم ، وتحول بين الرجال منهم والنساء ، فتحتفظ بالنسوة بعيدات عن ازواجهم! ، امر مولاي ، فانا عبده المطيع !. لاتقاطعني ، وهناك امراً آخر : عليك بمراقبة الحوامل من نساء بني اسرائيل ، ومن سيحمل من هن . امر مولاي ، وطاعة . وعليك ان يكون رجالك حاضرين عند ولادة كل مولود صبي منهم ، افهمت ؟.. كل مولود صبي ، فتقتلون المولود فور ولادته واياكم ان يفوتكم مولود واحد مهما كانت الظروف ، فتستحقون اذ ذاك عذابي ، نفذ ما امرك به فورا ؟…انني ، ورجالي ، عبيد مولاي ، وسننفذ امرك على الفور يا سيدي ؟..

 

وينحني رئيس الشرطة انحناءة شديدة ، ثم ينصرف ويتبعه رئيس الكهنة منصرفاً ، بعد الاستئذان …ويتنفس فرعون الصعداء ، وهو يسأل نفسه : ماهذا الهم الجديد ؟… احقا ما ينتظره بنو اسرائيل ، ويفقهم عليه كهان واد النيل ؟…ويجيب صوت من السماء : { ان فرعون على في الارض ، وجعل اهلها شيعاً ، يستضعف طائفة منهم ، يذبح ابناءهم ، ويستحيي نساءهم ، انه كان من المفسدين * ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ، ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون }

 

ولادة موسى “ع” وتربيته :

” يوكابد ” في احدى زوايا منزلها تعاني المخاض وتستدعي قابلة ، وسرعان ما تضع غلاماً ، يلتمع جبينه بنور ساحر اخاذ فتسميه ” موسى ” …وتخاف عليه عيون فرعون وجواسيسه ، وقد بثهم فرعون في كل مكان يترصدون كل صغيرة وكبيرة في بني اسرائيل …وتتامل ” يوكابد ” وجه الغلام ، وكانه قطعة من نور ، وتتمتم بحزن غامر : اليس حراماً ان تنتهي الى القتل ، يا هذا الوجه الكريم ؟

 

وبقيت ام موسى الى جانب وليدها لا تفارقه ، ملتزمة بيتها لاتغادره، فهي بطفلها مشغولة . وظلت كذلك ثلاثة شهور ، ترعاه بحذر ، وتحفظه من كل سوء …ولكن اعين رقباء فرعون ، وجواسيسه مفتوحة على كل حدث جديد ، مهما صغر شانه…وتشعر ام موسى بالخطر يزحف على وليدها الوسيم الطلعة ، فترتاع لذلك وتضطرب . وترفع وجهها الى السماء متضرعة : ربي ورب اسرائيل وابراهيم ، واسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ، اليك اتوجه بهذا الغلام وعليك اتكل في حفظه فكن له حفيظاً ، يا ارحم الرحمين !..

 

ويلقي في روعها شئ كالالهام :{ ان ارضعيه ، فاذا خفت عليه فالقيه في اليم ، ولا تخافي ولا تحزني …} وتلتفت الى ناحية في منزلها ، فاذا بصندوق .. وبيدين مرتعشتين تحمل وليدها ، فتضعه فيه ، وتخرج به ، ترافقها ابنتها ، على حذر وخشية من ال فرعون ورجاله متجهة الى شاطئ النيل ، وما هو عنها ببعيد ، ويصلون ، وقد صرف الله عنهم عين كل رقيب يترصد !..

 

وبرفق وحذر .. تضع الام الصندوق ، وفيه موسى على صفحة مياه النيل الهادئ الرقراق ، وتطفر من عينها دمعة حرى ، ومن صدرها اهة حزن وشجن ، وتكاد الابنة ان تصرخ خوف على اخيها الصغير ، فتمنعها الام ، فتشهق بهلع مكتوم . وتشيع الام وابنتها الصندوق بنظراتهما الولهى ، وقد حملته مياه النهر ، متنقلاً من موجة رقيقة الى ثانية والى ثالثة ، متهادياً بين طياتها ، وكانه على راحات ايد حانيات !… ويقترب الصندوق من بعض البساتين المحيطة بقصر فرعون ، حيث كانت اسية زوجة فرعون ، تتنزه ، وبعض جواريها . ويلاحظن النهر يحمل على صفحته الهادئة صندوقاً ، وتامر سيدة القصر من ياتيها بالصندوق ، وعندما فتحته ، فوجئت بما فيه فشهقت دهشة . وتتناول السيدة الغلام بين يديها فخيل اليها انها تحمل فلقة قمر !.. والقي في قلبها حبه وكأنه ابنها حقاً . يجري ذلك بمرأى من ام موسى وابنتها ، اللتين كانتا تراقبان ما يحدث من مكان بعيد !… وتحمل اسية الطفل في حضنها ، وتشده الى صدرها بحنان غامر ..

 

وعندما بدا لها زوجها بعد آن قصير ، توجهت اليه باستعطاف رقيق ، قائلة له : اظن بان هذا الغلام الجميل احد ابناء بني اسرائيل ، ارجوا ان تكرمني بالابقاء عليه ،{ عسى ان ينفعنا ، او نتخذه ولدا }…وكيف تطلبين مني الابقاء على حياة من امرت بقتله ؟

 

انه غلام صغير جميل ، ولم يتمكن من الحاق اذى بك ، خاصة ، اذا اقمنا على تربيته عندنا في القصر بعيداً عن العامة والدهماء ( اوباش الناس ) ، فيشب بيننا وكأنه احد ال فرعون طبعاً وتطبعاً …وينظر فرعون الى وجه الغلام الطفح بالنور ، فيبتسم ، ويومئ براسه موافقا فليست اسية ممن يرد لهن طلبا … وتسلم امرأة فرعون الغلام الى المراضع ، فيابى الرضاعة ، وقد حرم الله عليه ذلك !.. ويعلوا صوته بالبكاء فتحتار اسية ، ما العمل ؟… واصبح الجميع حائرين في امر هذا الغلام ، الذي لا ينقطع عن الصراخ …وتحين من اسية نظرة من احدى نوافذ القصر ، فتقع عينها على فتاة غريبة متجهة نحو القصر ، وهي تتعثر باطراف ثوبها ، فماذا تريد ؟…وتنزل السيدة الى حديقة القصر ، حيث فرعون ، والجواري ، والغلام الذي عكر هدوء القصر بصراخه المتواصل ، … وتصل الفتاة فتحيي سيدة القصر ومن حولها ، وتنظر ، من طرف خفي ، الى اخيها ، وقد علا صراخه ، والى السيدة وقد احتارت في امر هذا الغلام البكاء ، وتقول لها ، بتودد ورقة : سيدتي ، {هل ادلكم على اهل بيت يكفلونه وهم له ناصحون ؟ .. } وتسرع اسية في جوابها دون ابطاء : أجل ، ايتها الفتاة ، هل لديكم من يرضع هذا الغلام ويكفله ؟ وتجيب الفتاة بفرح : اجل سيدتي ، أجل ! .. هنالك امرأة بوسعها ان تقوم بهذا العمل خير قيام !.. وتنطلق الفتاة الى امها ، فتأتي بها الى القصر ، وما ان ترى ( يوكابد ) الغلام بين يدي فرعون الذي كان يهدهده ، حتى خفق صدرها ، .. وبلهفة تتناول الطفل منه ، وتضمه الى صدرها ، وتنتحي به جانباً ، وتلقمه ثديها فيلتقمه بفرط نهمة ، وعندما انتهى من الرضاعة ، علت ثغره الطيف ابتسامة ، ونشوة فرح وأخذ يناغي امه ، وقد طفحت على وجهها السعادة ، كالكنار تغريداً … ويعجب فرعون من ذلك ، وتعتري الدهشة وجه آسية وجواريها . فالجميع واجم مأخوذ بما يرى ويتساءلون من تكون هذه المرأة التي ارتاح اليها الغلام ، وسكن سكوناً مطمئناً ؟… فتجيب : انني امرأة طيبة الريح ، طيبة اللبن ، يرتاح الي كل رضيع !… فيسلمها فرعون الغلام ترضعه وترعاه ، وتأتي به الى القصر كل يوم ، ان استطاعت ، ويجري لها رزقاً وعطاءً . ويرد الله الى ( يوكابد ) ابنها لتنشرح به صدراً ، وتقر به عيناً ، وتطيب به نفساً ! فتعود به ، وبالمال الوفير !…

 

وهكذا يشب الغلام بين يدي امه ، وفي قصر فرعون ، حيث الحياة اسطورة ، لا كبقية الاساطير . وينشأ في كنف فرعون ، ويبلغ مبلغ الرجال ، وقد آتاه الله ما لم يؤت مثله احداً من الرجال : صلابة جسم ، وسداد فهم ، وغزارة علم …فمن كموسى فتى ، من الفتيان اودع الله فيه فتوةً وحكمةً ، على ايمان و تقىً ، { فتبارك الله احسن الخالقين!..} .

 

موسى والمجتمع المصري :

وكان لموسى ان يتعرف على طبقات المجتمع المصري ، وهي يومئذ : طبقة فرعون وحاشيته ، تليها طبقة الكهنة والاشراف ، فطبقة المقدمين من مدنيين وعسكريين ، ثم طبقة عامة الشعب : عمالاً وفلاحين ، وفي النهاية طبقة العبيد و الارقاء ، وهي ادنى الطبقات درجة . وكان قلبه يعتصره الالم لما تلاقيه هذه الطبقة الكادحة من عمال مصر ، وفلاحيها من مذلة وهوان ، وكان لا يغمض له جفن وهو يفكر بهذه الطبقة الدنيا من المجتمع المصري ، وطبقة العبيد والارقاء ، والتي كانت تحيا كما الحيوان ، و تعامل كما يعامل ، ويقول في نفسه : أو ليس هؤلاء بشراً ، فلم كل هذا الاذلال والتعسف والاحتقار ، يحيط بهم ، فيطحنهم طحناً ؟ .. وفرعون هذا المدعي الالوهية كفراناً ، وطغياناً ، وبهتاناً ، اليس انساناً عادياً ، يولد ويعيش ويموت ، كما الناس ، كل الناس ، يولدون ، ويعيشون ويموتون؟ … ويتأمل موسى واقع مصر ، فهو فاسد برمته ، ولن يتم اصلاحه الا باقتلاع كل هذه المفاسد والاوهام التي علقت بأذهان الناس ، فتاصلت في نفوسهم ، فأحلوها محل التقديس ، اما وقد بلغ رشده فلن يكون الا للمظلومين نصيراً !..

 

موسى والرجلان يقتتلان :

وبينما كان موسى متوجهاً الى عاصمة الفراعنة ، لبعض شؤونه ، { وجد رجلين يقتتلان ، هذا من شيعته ، وهذا من عدوه ، فاستغاذه الذي من شيعته على الذي من عدوه } فتصدى موسى له ، وضربه ضربة قضت عليه ، وما كان موسى ، يشهد الله ، يريد قتله ، ولكن ، هكذا جرت مشيئة الله ، فندم على ما جنته يداه ، واستغفر الله ، فغفر الله له ذلك ، وعاهد موسى الله على الا يكون ، بعد للظالمين ظهيرا !..

 

واصبح موسى بالمدينة خائفا ، يترقب ، خشية افتضاح امره ، بانكشاف فعلته ، واذا هو في اليوم الثاني امام المشهد نفسه ، يتكرر مرة ثانية ، كما في الامس : فهذا اليعقوبي ، الذي من شيعته ، في عراك جديد ممع رجل فرعوني ، عدو لهما ، ويشاهد اليعقوبي موسى من بعيد ، فيناديه مستنصراً اياه ، .. وينطلق موسى ، بعفوية صادقة لينصر اليعقوبي ، فهو نصير المظلومين ، وظن هذا الاخير انه يريد قتله ، كما قتل خصمه بالامس ، فتضرع اليه مسترحما ، يا موسى { اتريد ان تقتلني كما قتلت نفس بالامس ؟..}

 

ويسمع خصمهما هذا القول ، فيسرع الى قومه الحائرين في امر قتيل الامس ، وقاتله ، .. فاخبرهم انها فعلة موسى ، فتعجبوا ، متى كان يقوم موسى بمثل هذه الفعلة الشنعاء ؟ واجمعوا على النيل من موسى ، وقد قتل منهم ، ظلما ، رجلاً ! .

 

ويتصل بموسى واحداً من جماعته المؤمنين ، فيحذره قائلاً : {.. ان الملأ ياتمرون بك لقتلوك ، فاخرج اني لك من الناصحين } فيتوارى موسى عن الانظار !.ويطلب فرعون موسى ، فلا يعثر له على اثر .

 

ويتساءل في قرارة نفسه : اتراه يكون نبي بني إسرائيل الموعود ؟ فيعض على اصابعه ندما ! ..

 

ويتسلل موسى من ارض مصر ، خائفاً يترقب ، وقد اتخذ الليل له جملاً (أي : متستراً بظلمة الليل في مسيره ) متجهاً نحو بلاد قدامي الاجداد ، وقد اسلم وجهه لله ، فعلى الله قصد السبيل ، وهو الاخذ بيد الحياري المساكين في مدلهملت النوازل والخطوب ( أي : عند اشتداد المصائب ) .

 

وتقوده قدماه شمالاً ، في متاهات صحراء سيناء ، فيجتازها ، وهو الجلد ، الصبور ، … مبتعداً ، وما امكن ، عن المدن ، وعن الناس ، فالبراري مأواه !..

 

وتمضي على ذلك ثمانية ايام ، لامعين له ، ولا نصير ، ولادليل ، سوى رحمة الله ، ونوره وهداه ، وكان يقطع الفيافي حافياً ،بعد ان تقطعت نعلاه ، فشققت قدماه ، يقتاب بعشب الارض وبقلها ، حتى كان يبدو صفاق بطنه ( عضلة الحجاب الحاجز ) لشدة ضعفه ، وضموره ، وهزاله ، وكان طيف فرعون ورجاله يلاحقه ، فيجد السير ، ويحث الخطى ، حتى وصل اخـيراً الى الارض ” مدين ” في الجه الشمالية الغربية من ارض كنعان ، فيتنفس الصعداء ! ..

 

لقد اصبح بمامن من فرعون ، ومنجاة من كيده ، وضلاله ، وجبروته .

 

اتصال موسى بشعيب :

ويشاهد موسى من بعيد ازدحام ناس وقطعان اغنام ، فيقصد هذا الجمع ؛ واذا به امام رعاة انهمكوا بسقيا قطعانهم ، وقد علا ضجيجهم ولغطهم ، وكان الاشداء منهم يتقدمون لسقاية اول الناس ثم بعد ذلك ، ينصرفون .

 

وتلفت نظر فتاتان تذودان غنمهما ، كي لا يختلط بغيره من اغنام القوم ، وقد وقفتا بذلة ومسكنة ، تنتظران صدور الرعاء ( انصراف الرعيان ومواشيهم بعد السقاية ) وتتحرك فيه طبيعة نصره المظلوم ، المقهور ، فيتقدم منهما مستفسراً : ما شانكما ؟ . فقالتا :{.. لانسقي حتى يصدر الرعاء ، وابونا شيخ كبير .. }

 

وتثور نفسه لمساعدتهما ، فتقدم من البئر ليسقي لهما ، متخطياً اليه الرجال ، حتى وصل الى فوهته ، فوجد صخرة تحول دون تدفق الماء غزيراً ، فاقتلعها زندين قويين ، وكانهما اصول سنديانة عتيقة فانبهر الجميع لقوة هذا الغريب واندفاعه ، رغم ما يبدو عليه منمظاهر الاعياء ، وعلائم الهزال ؛ فتركوه ، والبئر ، وشانه ، فسقى للفتاتين {.. ثم تولى الى الظل ، وقال : رب اني لما انزلت الي من خير فقير }

 

فالجوع ، الى جانب ما كابد من اعياء ، يكادان يهدان عزيمته هدا ؟ وما هي الا ساعة ، .. واذا باحدى الفتاتين تتجه مقبلة نحوه استحياء وخفر ، وتقول له : { .. ان ابي يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا .. }

 

فيقبل الدعوة موسى ؟ .. ويتبع الفتاة الى دار ابيها . وفي الطريق يطلب موسى من الفتاة ان يتقدمها وتسير هي خلفه ، فهكذا تقضي العفة ، وواجب الوفاة ! .

 

وعندما وصل موسى الى البيت نزل على ترحاب واطمئنان ، بعد ان استقبله الشيخ بالحفاوة والاكرام . وبعد ان اخذ حظهمن الراحة ، وتناول نصيبه من الطعام ، قص على مضيفه قصته ، فتعجب الشيخ ايما تعجب ، وربت على كتف الفتى قائلاً له بصوت يشيع فيه الوقار ، وهو يهز رأسه : { لا تخف . نجوت من القوم الظالمين }

 

ويسأل موسى الشيخ الجليل عن اسمه ، فيقول له الشيخ وهو يعبث بلحيته الكثة : ” انني شعيب ! .. ارسلني الله تعالى الى اهل هذه القرية المجاورة واسمها ” الايكة ” ولكنهم قوم يجهلون ، وسفهاء لا يعقلون ، يطفطفون ( أي : ينقصون ) الكيل والميزان ، ويبخسون الناس اشيائهم ! … “

 

ويصمد الشيخ قليلاً وقد سرح نظره بالافق المتـرامي البعيد . ويصـمت موسى . فالله الحكمة البالـغة ، ان امره كان حتماً مقضيا !.

 

وتحدثنا بعض الرويات بان”الايكه”هذه،هي،قريه”بليدا” في جنوبي لبنان ،وان البئر التي سقي منها موسى،هي ” بئر بليدا ” القريبه منها، جنوبا شرقا …وتتقدم احدى الفتاتين من ابيها ،لتهمس في اذنه ، عاى حين غفله من موسى : {..يا ابت ،استاجره، ان خير من استاجرت القوي الامين !}.

 

وتقص الفتاه على مسامع ابيها كيف اقتلع موسى الصخره من على فوهه البئر ،على هزاله وضعفه فتفجر الماء غزيرا ،..وكيف اطرق الى الارض وهى تدعوه الى منزل ابيها ، وكيف طلب اليها في الطريق ، ان يتقدمها ، وتتبعه ،كي لاتقع عينه على مالا يجوز لها ان تقع عليه ..ويطرق الاب الى حديث ابنته ، فيا لهذا العف، الشهم ،الكريم !.

 

ويدعو موسى ، ويجلشه على جانبه ، ثم يتوجه اليه بوجهه ، وطيف ابتسامه ياتمع على ثغره الوضئ ، ويقترح الشيخ على فتاه اقتراحاً مفاجئاً :

 

ما تقول يا موسى في ان ازوجك احدى ابنتي هاتين ، على ان تقوم بمناصرتي وعوني ورعاية اغنامي ثمانية اعوام ، وان اتممتها عشراً اكن لك من الشاكرين .. ، وما اريد ان اشق عليك !…وذلك بمثابة مهر العروس ، كما تعارف على ذلك الناس ؟

 

فيشرق وجه موسى . وتؤوب اليه نفسه مطمئنة ، اسعد واهنا ما تطمئن اليه نفس انسان !.. لقد وجد في هذا المنزل الكريم ضالته المنشودة ، وفي هذا الشيخ الوقور اسمي درجات الوقار والايمان ، فانجذب اليه ،وشبه الشئ منجذب اليه !..

 

ولم يطل تفكير موسى ، اذ ما لبث ان وافق ، فتعاهد الرجلان علىذلك ، وكان الله على تعاهدهما شهيداً !..

 

ويتزوج موسى احدى الفتاتين ، ويبقى عند سيده عشر سنين ، موفياً بما عاهد ، ومتماً اوفى الاجلين ، يناصره ويعينه ، ويرعى له اغنامه التي تكاثرت بشكل مطرد !… ورد في احدى الروايات ، على هذا الصعيد ـ ، نادرة تقول :

 

بينما كان موسى يرعى قطيع سيده ، اذ فر تيس ماعز في ارض وعرة ، مصعداً في هضاب عالية ، واكام ، وتلال .. ولحق به موسى ، متتبعاً اياه ، لاهثاً ، حتى ادركه بعد عناء شديد ،وجهد جهيد . فاوقفه ، وجلس موسى يستريح ، وقد كادت تنقطع انفاسه الاهثة ، ثم جذبه اليه من قرنيه برفق ، وقبله بين عينيه ، واخذ يمسح جبهته بحنان ، مخاطبا اياه ، وقد تحدرت دمعة على خديه الكريمين :

 

والله لم الحق بك هذه المسافة الطويلة خوفا من احد ، ولا طمعا بك ، ولكن ، حرصاً عليك من ان يفترسك الذئب !.

 

وكانت اطلاعة له تعالى على قلب موسى ، فاذا كالذهب الخالص صافياً ، او اشد صفاء ونقاء .. فيقضى ساعتئذ لموسى بالنبوة احسانا لقلبه السليم ، ونفسه الطهور ، وتكريماً !…

 

تحرك الحنين في نفس موسى بالعودة الى الديار التي درج فيها ايم طفولته وصباه . فما1ا حدث لها بعد هذه السنين العشر الطـوال ، وكانها دهر مديد ؟ .. ويحدث زوجه بالامر ، فلا تمانع ، وويرضى بذلك شعيب .. ويتحول الحنين الى عزم ، وتصميم ، فقرار !.

 

فيجمع موسى امتعته البسيطة ، ويزوده شعيب بقطيع من الاغنام ، صغير ، ويدعو لهما برحلة سعيدة ، فيودعانه وداعاً حسنا ، ويتجهان في رحلتهما جنوباً ، والله الهدي سواء السبيل !.

 

ويقطعان ارض كنعان وفلسطين من شمال الى جنوب ، ولايجدان في اجتيازها مشقة تذكر ، او كبير عناء ، .. ففيها الـماء ، والكلا ، والخصب الوفير ..

 

واليها انشداد روحي عميق عميق ، ففي زايتها الشمالية الغريبة ، عاش اباء له واجداد ، صلحاء واتقياء ً.. وتطوى لموسى وزوجه الارض طياً !.

 

فاذا بهما بعد بضعة ايام في سيناء ، الارض التي سيكون لـها في تاريخ بني اسرائيل ، بعد حين ، شان جد خطير !.. ويهبط الظلام ، فتمحي الحدود والمسافات ، والابعاد ، والجهات ، .. وتهب ريح باردة .. وياتي زوجه الحامل المخاض ..

 

فيتلفت موسى الى عل ، والى امام ، وذات اليمين وذات الشمال ، تلفت الحيران في امره ، المضطرب في مسيره ، وقد ضل السبيل ، والتوت عليه الطريق ، فما يدري ماذا يفعل . فيصفق كفاً بكف ، قائلاً : رباه ، ما العمل ؟ ويتلفت موسى الى طور سيناء ، وقد عميت عليه الجهات ، فلا يدري شرقاً من غرب ، ولا يميز شمالاً من جنوب … فلعله يجد في هذا الجبل ، المتواضع بعلوه ، بعض دليل ، واذ به يرى ناراً من الجهة التي تليه .

 

انها لمفاجأة سعيدة حقاً ، ويفرك عينيه ، وكانه لا يكاد يصدق ما تشاهدان ، احقيقة ما يراه ام طيف منام ؟ ولكن النار ما زالت تظطرم . وما زال لهيبها يسطع في الاجواء بنور ابيض ، لطيف ..

 

ويقول موسى لزجه التي تعاني ، وقد اخذ يفرك يديه ، بانفعال :

 

{ امكثوا اني انست نارا ، لعلي اتيكم منها بخبر ، او جذوة من النار لعلكم تضطلون .. }

 

ويحث موسى خطوه الى النار الملتهبة ، بسرعة الولهان ، وسرعان ما يصل الى { شاطئ الواد الايـمن في البقعة المباركة من الشجرة } وينظر الى النار . انها لنار عجيبة حقاً ، فيغفر فاه دهشاً !..

 

ويكرر موسى الى النار النظر ، ويعيد ، .. انها تلتهم من العوسجة الاغصان والاوراق ، اما الجذع فمخضوضر يانع ، وكأن بينه وبين النار المشعشعة حائلاً !. ويتأملها برهة ، كالمصعوق ، .. فهي ، بالاضافة الى ذلك لا تتغير ابداً ، فلا لهيبها يخبو ، ولا اضطرامها يزداد . انها على حال واحد لا يتغير ، .. فهي اشبه ما يكون بالنور بال هي نور لا نار !..

 

وتتعلق بهذا النور الشفاف ، عينا موسى ، مأخوذ !.. ويقطع دهشته صوت ، لا كالاصوات ، ينبعث من قلب هذ العوسجة الغريبة ، بناديه باسمه : { اني ربك فاخلع نعليك ، انك بالواد المقدس طوى } فيتمثل للامر موسى ، وقد ارتعدت فرائصه لهول المفاجأة

 

التحدي العظيم، وتفوّق موسى :

ونزل فرعون بعظيم أبّهته وجلاله، يحيط به سادة المملكة وأشرافها، ويتبعه السحرة أفواجاً، وهم يحملون عصيّاً لهم، وحبالاً!.. وتتجه بهم العربات الموشاة بالذهب إلى الساحة الكبرى في المدينة التي أعدّت لاستقبال فرعون مصر، فرفرفت حولها رايات كثيرةٌ، وزينة ذات ألوان… واحتشد حولها خلقٌ من المصريّين، عظيمٌ. توافدوا من كل أقاليم مصر، وأطرافها.. إنّها لمناسبة يضن (أي:يبخل) بمثلها الزمان. فهي حدث العصر الضخم، وحديث الدنيا كلها!..

 

ويصل فرعون ورهطه..

 

وكان موسى وهرون لهم بالانتظار!. إنّ لهذا اليوم ما بعده!..

 

وانتهى إلى مسامع موسى وأخيه تهامس السحرة فيما بينهم، كالنجوى:

 

- مالهذين الساحرين العالمين، يريدان إخراجنا من أرضنا بسحرهما، والذهاب بطريقتنا التي تعارفنا عليها أسلوب حياة، ونظام عيش. والتي هي بالنسبة لنا، الفُضلى والمثلى؟!..

 

فيحذّرهم موسى: {.. ويلكم، لاتفتروا على الله كذباً، فيُسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى!}.

 

ويلتفت كبيرهم إليه، قائلاً: مالهذا جئناك ياموسى، أنلقي نحن، أم تكون أول من ألقى؟

 

فأجابهم: {بل ألقُوا!..}.

 

وتقدم كبير السحرة فألقى عصاً كانت بيمناه، فإذا هي {يخيّلُ إليه من سحرهم أنها تسعى،..} وأتبع ذلك بحبل كان على كاهله، فألقاه، فإذا هو حيةٌ أعظم من الأولى، وأدهى!.

 

ثم أشار كبير السحرة إليهم، أن ألقوا!.. فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا بالساحة تموج بالحياة، من كل شكل، وبالثعابين، تتحوى، وتتلوّى!…

 

فتهلّل وجه فرعون، وقد ترنّح عطفاه، فاهتز طرباً، وصفق بيديه مستبشراً!.. وصاحت الجماهير المحتشدة، وهتفت لفرعون، ومادت الارض بالجموع النسوى (أي السكرانة).

 

شاهد ذلك كلّه موسى،.. فأوجس خيفة مما رأى!.

 

وأوحى الله الى نبيِّه في غمرة المفاجأة:

 

{.. لاتخف انك أنت الاعلى!. وألق مافي يمينك…}

 

فانتفض، كمن أفاق من سهوته، وألقى عصاه،.. فاذا هي حيّة، لاكالحيّات، وقد أخذ جسمُها ينتفخ ويتعاظم، حتى صارت ثعباناً مهولاً، تقدح عيناه بعظيم الشرر، ولفحيحه صوت هادر، وقد تدلّى لسانه من بين شدقيه الهائلين، متحرّكاً يمنةً ويَسرة، وكأنه يتوعّد بالخطب الجلل. وانبرى إلى الحيّات الساعيات أمامه، وهي مئات، فبدت أمامه، لضخامة هيكله، وكأنها الديدان الحقيرة… وأخذ بالتقامها الواحدة تلوَ الأخرى!..

 

وكان الثعبان يتلفَّتُ، هائجاً، إلى المتحلّقين حوله، فتمتلئ قلوبهم رعباً.

 

ويدمدمُ فرعون، وقد أخذ الخوف منه مأخذاً عظيماً، يالهذه الداهية النكراء!..

 

ويلتفت كبير السحرة، وكان أعمى، إلى ساحرٍ آخر بجانبه قائلاً:

 

- ويحك!.. ماالخطب في ماترى؟..

 

فوصف له مايحدث، وقد بان الخزي على وجوه السحرة، فهم لما يشاهدون منكرون، وقد ظهر موسى وأخوه عليهم ظهوراً بيّناً!..

 

- ثكلتك أمُك لما أسمع!.. تأمّل جيداً هذا الثعبان، فهل يكبر جسمه ويعظم حجمه عند التقامه الحيات، أم أنه يبقى على حاله، لايتغير أبداً؟.

 

- بل يبقى على حاله، أبداً!.

 

إيمان السحرة وآخرين :

فأطرق كبير السحرة برأسه قليلاً، ثم رفع رأسه، متوجّهاً الى السحرة، صارخاً بهم:

 

- ويحكم ياسحرة مصر!.. إن ماترون، ليس بسحر كسحركم، ولكنّه الحق أتاكم من ربكم،.. فتوبوا إلى بارئكم، وأقلعوا عمّا انتم عليه من الضلالة والغواية، وعبادة فرعون، وآمنوا بالحق الذي أتاكم به موسى.

 

{فألقى السحرة سُجّداً، قالوا: آمنّا بربّ هارون وموسى!}.

 

وكان الثعبانُ قد أتى على الحيّات جميعاً!.

 

ومد موسى يده إليه، فتناوله، فإذا هو، كما كان، عصا!.

 

ونظر القوم بعضهم الى بعض محملقين، وكأنهم كانوا تحت وطأة كابو رهيب!.. فثارت، عند ذلك ثائرة فرعون، وتغيّرت سحنته (اي: هيئته) فبدت دكناء،.. وعلا صوته، كالعاصفة المجلجلة، متهدّداً السحرة، ومتوعّداً أياهم، فهم، بزعمه، قد تواطأوا عليه، وعلى حكمه، مع موسى،..

 

وأمر بالقاء القبض عليهم، وخاطبهم، فأسمعوه من القول مالايرضى!.. ثم امر بهم، فصلبوا، بعد أن عذّبوا عذاباً نكراً!..

 

وانصرف موسى.. وتبعه خلق كثير ممن آمن به واهتدى.. ولم يهنوا، ولم يضعفوا، بل صبروا على ماأصابهم من فرعون من عظيم الكيد والأذى!..

 

وبدأ موسى يسُنّ لجماعته سنن الدين القويم،.. وكان أول ماقام به التوجه لعبادة الله وحده، والإيمان به خالق كل شئ، بيده الملكُ، وهو على كل شئٍ قدير…

 

وأمر جماعته بالصلاة!.. فبالصلاة يعرف مؤمن من غوي!.. على أن يتوجه المؤمن منهم لجهة منزل أخيه المؤمن، يتخذه قبلة له، يصلي اليها. وكان قصر فرعون قبل ذلك كعبة المصلين، وقبلتهم، إليه يتجهون في صلواتهم، فحرم ذلك عليهم موسى!.. وازداد أذى فرعون، وعظم كيده، وعمت بلواه المؤمنين، فلا طاقة، بعد، ولااحتمال. وأقبل إلى موسى رهط من بني اسرائيل يتذمرون، – فإلى متى هذه المحنة السوداء؟.. – وأسمعوه من القول مالايحب، عندما {قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ماجئتنا. قال: عيسى ربكم أن يُهلك عدوّكم، ويستخلفكم في الارض..}.

 

ويأمركم أن يستعينوا بالصبر، وبالصلاة، وبالتوجه الى الله تعالى دائماً!..

 

ويبقى المؤمنون من بني إسرائيل وبعض المصريين المستضعفين، يحتملون من العذاب والأذى مالايطاق! ويبقى فرعون سادراً في غيّه، وعلى ضلاله القديم، عتوّاً وطغياناً..

 

ويصل به الأمر أن يأمر هامان -وكان له وزيراً- ببناء صرح، له، عظيم، يناطح أعالي الأجواء، لعلّه يطلع إلى إله موسى، ونادى في جمع كبير من انصاره المصريين: {ياقوم:.. أليس لي ملك مصر، وهذه الانهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. أم انا خير من هذا الذي هو مهين ولايكاد يبين!.}.

 

واتبع فرعون من أساليب التعذيب وفنونه، والتنكيل وضروبه، مالم يخطر ببال!.. وصبر جماعة موسى على ذلك كله صبراً عجيباً، ابتغاء رضوان الله ومثوبته، واحتساباً!. فما ازدادوا إلاّ إيماناً وتسليماً!..

 

بطش فرعون بخصومه :

ويطفح الكيل بالنسبة لفرعون، أخيراً.. بعد أن لم تجد كل أساليبه نفعاً!. فيعزم على أمر خطير، يحسم الأمور، ويضع لها حداً نهائياً!.. فيقرر قتل موسى!…

 

ويشيع الخبر بين الخاصة من رجالات البلاط، فيتكتّمون. ويسمع بذلك أحدُهم، فيقبل عليهم وهم مجتمعون صارخاً فيهم بلاذع التأنيب.

 

{.. أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟..}.

 

ويحذرهم مغبّة ماهم عليه مقدمون، ويخوّفهم عذاب الله، وأخذه الشديد. مذكراً إياهم بأيام الله الماضيات، وبأقوام قبلهم، كقوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرّس، وطسم، من قبل، وجديس، عتوا عن آيات ربهم، واستكبروا، فأخذهم الله بذنوبهم، ودمّرهم تدميراً، فتلك ديارهم خالية منهم، فهي قفر بلاقع!. (ج، بلقع: لاحياة فيه).

 

ويدعوهم إلى نبذ ما هم عليه من عبادة فرعون، الذي أضلّهم، فما اهتدى، ولاهدى، والايمان بالله وحده الذي {له مافي السموات ومافي الارض ومابينهما وما تحت الثّرى!..}.

 

فترتفع أصوات المجتمعين ثائرة بوجهه، ويامر به فرعون، فيقتله شر قتلة!.

 

إنّه مؤمن آل فرعون، على رأس قافلة الشهداء أيّامذاك!..

 

وتعلم آسية بالأمر، فتثور، معلنة براءتها من ظلم زوجها، وطغيانه وعتوه، وإسرافه على نفسه وعلى الناس الذين حوله أجمعين، وتتوب إلى الله خالقها، كي يغفر لها خطاياها، كما تاب قبلها سحرة فرعون فغفر الله لهم خطاياهم، وما أكرههم عليه فرعون من السحر. وجعلهم من عباده المكرمين. ويمسك بها فرعون، ويأمر بها الى أشد العذاب.. ويتلوى جسدها الغض تحت سياط التعذيب المبرّح. فتتمتم: {.. رب ابن لي عندك بيتاً في الجنّة، ونجّني من فرعون وعمله..}.

 

وتُغمض عينيها، وقد أغمي عليها، ثم تفتحهما، وتنظر إلى السماء، فتبتسم سعيدة بما ترى: لقد استجاب الله لها دعاءها، فأراها قبل انطفاء أنفاسها، قصراً يتلألأ في العُلى.

 

ويجن فرعون، مما يرى، جنوناً.. ويقول لأصحابه:

 

- أترون؟.. إنّها مجنونة، فهي تبتسم تحت العذاب الشديد!.

 

ثم لاتلبث أن تلتحق بركب أمراء أهل الجنة، الشهداء السُعداء، الأبرار الأخيار!..

 

ويزداد فرعون تصميماً!.. فبقطع الرأس، يتلاشى الجسد.

 

وموسى رأس هذه الحركة، وهو المخطط والمدبّر والمنفّذ معاً!.

 

فبقتله، ينتهي كل ماقام به وكأنه عاصفة في فنجان. وتعود بعد ذلك الأمور الى سابق عهدها القديم. ولكن،.. هيهات، هيهات، {.. إنّ أجل الله لآت} و{إنّه لايُفلح الظالمون!}.

 

آيات وإنذارات :

ولايترك نبي الله موسى مناسبة تمرُّ دون أن يدعوَ فرعون وملأه إلى الإيمان بالله، بالحسنى، والقول الطيِّب، ويرغب موسى فرعون، كالمكافئ له إن آمن، فهو يضمن له، على الله، دوام ملكه لاينقُصُ منه شئ، وصحته، لايصيبها شئ، وأن ينسأ بأجله (أي يطيل عمره) إلى الضعفين، ولامن مجيب!.. بل لجاجة في الطغيان، وفي العمى.. {فإنّها لاتعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} فيحذرهم موسى سوء المصير، ووخيم العواقب، فلايرعوون، بل يزدادون عتواً ونفوراً.

 

وتكرّ سبحة العذاب :

وكان أول إنذار من الله لهم، نقص في الاموال، والانفس، والثمرات.. فلم يعُد نهر النيل، كما كان يفيض خيراً عميماً، وبركة وعطاء جمّاً، بل شحّ ماؤه، ونضب عطاؤه. فعمّ القحط والجدب البلاد. ثم لاتلبث السماء أن تفيض عليهم بالمطر الغزير يهطل مدراراً دون انقطاعٍ، فيأتي الطوفان، ويعمُّ ضررهُ البلاد والعباد..

 

ويرتفع إذ ذاك صوت آل فرعون، والمصريين، ويُقبلون على موسى مستصرخين، مستنجدين، مولولين، يجأرون مستغيثين:

 

- {.. ياموسى.. ادعُ لنا ربُّك بما عهد عندك، لئن كشفت عنّا الرجز (أي: العذاب). لنؤمنن لك ولنرسلنّ معك بني إسرائيل}.

 

- أحقاً ذلك، وعهداً؟..

 

- إي وربِّ بني إسرائيل!

 

فيرفع موسى يديه الكريمتين إلى السماء داعياً، فيستجيبُ له الله الدعاء.

 

وتمضي أيام، وتكُرُّ أعوامٌ،.. فيتدفَّقُ نهرُ النيل، كما كان، يحملُ الخِصبَ لأرض مصر، ويهب لها الحياة فمصر هبة النيل!. وتخضوضرُ الأرض، وتزهو بيانع النبت والثمر، وتضحك الجنائن عن متألّق الزهر، وكأنَّ شيئاً لم يكن!.

 

ويُطالب موسى القوم بالوفاء بوعودهم، فيستهزئون به، وهم ناكثون!.

 

{فلما كشفنا عنهم الرجز الى أجل، هم بالغوه، إذا هم ينكُثون}. ويزدادون كفراً.

 

ويغضب موسى. ويغضب لغضبهِ اللهُ!..

 

فأرسل الجراد عليهم، يأتي على الأخضر واليابس. فإذا بأرضهم يباب موات!. ثم سلط عليهم القمل، فلم يهنأوا في رُقاد، وقد أقضَّ مضاجعهم، وهو ينهش بجلودهم نهشاً. ثم نغَّص الله عليهم حياتهم بالضفادع، فكانت تمتلئ بها بيوتهم، وأماكن تواجدهم، وأواني طعامهم وشرابهم، حتى أنها كانت تتغلغل بين ملابسهم..

 

وكانوا في كل مرة، كما في الأولى، يستصرخون موسى فيصرخهم (أي: يلبّي نداءهم وينجدهم) فيعدونه ويعاهدونه، وكانوا، عندما يرفع الله عنهم الرجز بدعوة موسى، ويبعد عنهم العذاب، يعودون لغيّهم، وضلالهم وقد نكثوا عهودهم وأخلفوا وعودهم!. ويُختم هذا البلاء بالدم الرعاف من أنوفهم، فاصفرت ألوانهم وبهتت هيئاتهم..

 

ثم، بالدم يلاحقهم عند كل مشرب هم واردوه!..

 

يكون الماء في الكأس، أو غيره، أمام أحدهم صافياً زلالاً، كالفضّة السائلة، وما أن يرفعه ويقدمه إلى فيه ليشرب، حتى يتحول الماء دماً عبيطاً!.. فيعافه، ويبقى على ظمئه عطشاناً..

 

حتى أن المرأة من بني اسرائيل، كانت تتناول الماء بفيها، وتزقّه فم المرأة الفرعونية، كالطير يزق فرخه، فيتحول في الفم الآخر دماً،…

 

ومرة أخيرة يستصرخون، مظهرين الندم، قاطعين الوعود، مشهدين إله موسى وبني إسرائيل على صدق دعواهم، هذه المرة، فيصرخهم موسى، ويرفع الله عنهم هذا الرجز المرير، وهو الذي يُمهل ولايهملُ!.. ولكنّ نزعة الشرِّ كانت قد تمكنت في نفوسهم، وتأصّلت، وتجذرت حتى عميق الأعماق. فلم يحاولوا الإقلاع عمّا أدمنوا عليه من السجايا القباح!. بل عادوا لما كانوا عليه من نكثٍ ونُكرانٍ، وجحودٍ، وتكذيب بآيات الله واستهزاءٍ برسله وبالمؤمنين…

 

{وقالوا: مهما تأتنا من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين!}

 

ويعود موسى فينذرهم إنذاراً نهائياً، لاعودة منه، فذهبت صرختُهُ أدراج الرياح. فييأس منهم موسى، ويقطع من إصلاحهم كل أمل ورجاء.

 

ولشدة مالاقى منهم من عنت ومن قهر، يدعو الله أن يطمس على اعينهم ويشد على قلوبهم، {فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم}.

 

فيستجيب الله لنبيّه دعوته!…

 

- {أفبعذابنا يستعجلون؟}.

 

خروج موسى وجماعته من مصر وغرق فرعون وقومه :

ويهبط الوحي على موسى، يأمره وقومه، أن يتأهبّوا لمغادرة ارض مصر، فليس لهم بعد اليوم فيها مقام. فخرج معه نفر من المؤمنين، وتخلّف آخرون!…

 

وسخّر الله على مدينة فرعون ريحاً عاتية، ألزمتهم منازلهم ثلاثة أيام لم يستطيعوا الخروج منها. وفي اليوم الرابع تفقّد جند فرعون بني إسرائيل، فوجدوهم قد غادروا المدينة، لم يتخلف منهم إلاّ القليل. وعلم فرعون بالأمر فاستشاط غضباً وحنقاً، مقسماً على الانتقام منهم، فستنالهم يداه، مهما بعدوا عنه، هرباً!.

 

- فأرسل فرعون في المدائن حاشرين. إنّ هؤلاء لشرذمةٌ قليلون. وإنّهم لنا لغائظون. وإنّا لجميعٌ حاذرون}..

 

واتّبع بني إسرائيل، فأنّي لهم أن يُعجزوه طلباً!… وأمر الله موسى أن يتبع اتّجاه الرياح، ففعل!.. وعجب بنو إسرائيل من هذه الطريق الغريبة يسلكها بهم موسى، وهي بمنأى عن دُروب القوافل والمسافرين.

 

وماهي إلاّ ساعات، حتى كانوا أمام البحر وجهاً لوجهٍ. فعلا صراخهُم، واحتجاجهُم، وتذمُّرُهُم، وقد دخل الشكُّ قلوبهم، فلم يغادرها، ولن!.. فاستمهلهم موسى، داعياً إياهم -كما في كل مرة- إلى الصبر والأناة. فإلى الله الرجعى!..

 

وتراءَت لهم جيوش فرعون من بعيد، يملأون الأفق عدّة وعدداً.. فأيقنوا بالهلاك، وساد صفوفهم هرج ومرج، وذعُر وصخب. وأحاطوا بموسى، يلومون:..

 

- أإلى الهلاك تقودُنا ياموسى، هانحنُ أولاء بين البحر وفرعون، فأين سدادُ رأيك،؟.. بل أين ماوعدّك ربُّك يا موسى؟..

 

ويعود يدعوهم إلى مزيد من الصبر والتوكُّل على الله، فهو منجيهم، ولن يروا، بعد اليوم، من فرعون وجنده أحداً!..

 

ويرتفع صوت ظريف منهم، بخبثٍ: الحقَّ تقول ياموسى. فبعد هلاكنا على أيديهم لن نرى منهم أحداً أبداً

 

ويجيبه موسى: بل الله مهلِكهُم جميعاً!..

 

{ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنّا لمدركون. قال كلاّ إنّ معي ربي سيهدين}.

 

وعندما غربت الشمس، أرسل الله مايشبه السحابة المضيئة، وكأنها تلتهب. فانتصبت في الجو كعمود من نار ونور آضاء كل شئٍ. فبدّد غياهب الظلام، وموسى وقومُه واقفون أمام البحر حيارى. بوجومٍ وذهول!..

 

{ فأوحينا إلى موسى ان اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم}.

 

وكانت المعجزة.. وقد انشق البحر عن اثني عشر طريقاً!..

 

وعلت مياه البحر المتجمّدة فكانت كالجبال الثوابت، وتقدّم موسى قومه يسلُكُ بهم هذه السبل العجيبة، عابرين إلى الضّفّة الثانية، وقد جعل الله في هذه المياه المتجمدة العالية مايشبه الكوى (جمع. كوّة). فكانوا يشاهدون بعضهم بعضاً، وهم يعبرون، وكانوا يتحادثون مستأنسين!..

 

وتبعهم فرعون بجنوده مقتفياً آثارهم في البحر المنشقّ لهم، وقد علت أهازيج جنده وصيحاتهم. ظناً منهم بأنّ البحر انشق لفرعون بقدرته!. وكان بنو إسرائيل قد اتمّوا عبورهم إلى الضفة الثانية. وإذا بصوت كالرعد القاصف، فالتفتوا خلفهم، فإذا بالبحر قد أطبق على فرعون وجنوده، فكانوا من المغرقين! ولما أيقن فرعون بالغرق، قال {.. آمنت أنّه لا إله إلاّ الذي لآمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}. ويجيبه صوت: آلان؟.. بعدما فات الأوان، فلا إيمان لمن فاته- في ماسلف من عمره- الإيمان!.. واتجه موسى ببني إسرائيل، وجهه الديار المقدسة، مشرقين، مخلِّفاً وراءه جيش أعدائه في اليم غرقى. وقد قاء البحر جثة فرعون إلى الشاطئ. فهذه نهاية كل متكبر جبار لا يؤمن بيوم الحساب!.

 

ويشاهد الخلقُ جثة فرعون ملقاةً على الشاطئ، سليمةً، وقد بدأ يدب فيها الفساد ويسرع إليها النتن، فيقول قائلهم:

 

- أين ألوهيتك يافرعون مصر؟ وأين عزتك القعساء؟ وأين سلطانك والكبرياء؟ إنها حكمة الله التي أبت إلاّ أن يظهر الحق جلياً كفلق الصبح.

 

{فاليوم نُنجِّيك ببدنك لتكون لمن خلّفك آية}.

 

ويحملون الجُثة عائدين بها إلى عاصمة الفراعنة. ويحنطونها، كي تبقى أبد الدهر شاهدة على وحدانية الله الواحد القهار، وأخذه مدعي الربوبية أخذة رابية!. بالمناسبة. فقد اختلف بعض المؤرخين حول شخصية فرعون مصر، فرآه بعضهم أنه فرعون آخر غير رمسيس، الذي نحن بصدده،… ويأبى الله إلاّ إظهار ساطع برهانه فهاهي ذي جثة الفرعون الآخر هذا، لازالت محفوظة بالتحنيط، ومسجاة إلى جانب جثة رمسيس، آية من الله لأولي النهى، وعبرةً لمن أبصر فوعى.

 

مما دعا بعض كبار علماء الآثار الغربيين إلى الإسلام انطلاقاً من الآية السالفة.. فأياً كان منهما، صاحب موسى، الذي ادّعى الألوهية… فها هي جثته معروضة لكل ذي عينين، أو ألقى السمع وهو منيب!..

 

ميقات موسى وردّة بني إسرائيل :

ومر بنو إسرائيل على قوم يعكفون على أصنامهم (يحيطون بها) يعبدونها من دون الله. فانقدح الشك في قلوبهم، وحنّوا إلى قديم وثنيّتهم، وقالوا لنبيّهم موسى:

 

- {.. ياموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ. قال: إنّكم قومٌ تجهلون. إن هؤلاء متبّرٌ (أي: مدمّر) ماهم فيه وباطل ماكانوا يعملون}.

 

والحّوا عليه، فصاح بهم: {أغير الله أبغيكم ربّاً وهو فضّلكم على العالمين؟..}.

 

وسأل موسى ربّه كتاباً يكون نوراً لبني اسرائيل، وهدى. لهم، لقلقهم، وما فطروا عليه، من العناد والعصيان لايكادون يستقرّون على الرأي الحق، ولمّا يدخل الايمان قلوبهم، بعدُ!.. فيأمره ربُّه بالطهور والصيام، ويواعده أربعين ليلة، يكلّمه بعدها، ويناجيه.

 

ولكن موسى كان على عجلة من أمره فقبل أن يتم أربعين ليلة كما واعده ربُّه اختار من قومه سبعين رجلاً صالحاً، وسبقهم إلى طور سيناء، بعد أن استخلف أخاه هارون على قومه، موصياً إيّاه بالصلاح فيما بينهم والإصلاح، مشدداً عليه: {اخلفني في قومي، ولاتتبع سبيل المفسدين}.

 

ويسأل الله نبيّه عن سبب استعجاله دون قومه:

 

- {وما أعجلك عن قومك ياموسى؟.}

 

فيجيب: -{هم أولاء على أثري. وعجلت إليك ربِّ، لترضى}.

 

ويأبى الله إلاّ أن يُتم ميقاته (أي: ميعاده) فعاد موسى، فأتمَّ عشر ليالٍ أخريات، حتى تصرّمت (أي مضت وانقطعت) أربعون ليلةً تماماً، كما قدّر الله لذلك وقضى!. وعاد موسى إلى ميقات ربِّه مسرِعاً، وقدماه تنهبان الأرض نهباً، لفرط حنينه للقاء مولاه، وولهه، وشدة شوقه وشغفه.

 

ويستبدُّ بموسى الشوق الشغوف، ومبرّح التوقِ، والوجدِ، والانجذاب،.. فيسأل ربّه شيئاً عظيماً، أليس هو أقرب خلقِه إليه، يحادثه، ويكلِّمه، ويناجيه، بصفاءِ محبةٍ، ومحضِ وَدادٍ؟..

 

لنستمع إليه تعالى يقصُ علينا هذه الطُّرفة:

 

{ ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلّمه ربه، قال: رب أرني أنظر اليك. قال: لن تراني. ولكن انظر الى الجبل فان استقرّ مكانه فسوف تراني، فلمّا تجلّى ربُّهُ للجبل جعلهُ دكّاً، وخرّ موسى صعقاً، فلمّا أفاق قال سبحانك، تبت إليك، وأنا أول المؤمنين}..

 

ويتوب الله على موسى، وقد تجرأ على طلب ماليس له بحقٍّ، وما لاقُدرة له عليه، ولا احتمال!.. ويُناوله الألواح فيها أحكام كل شئٍ مفصّلاً، وموعظةٌ، وهدىً، ورحمةً لبني إسرائيل. ثم يخبرهُ بأنّ قومه ضلُّوا، وقد فتنهُم “السَّامري”، {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً!}. وإذا بهم متحلِّقون حول عجلٍ من ذهبٍ، يهزجون حوله، طربين، متعبِّدين. فعلم أنهم بالفتنة سقطوا وأقبل عليهم موبخاً ومؤنّباً، وثار غضبه، وفار.. وألقى الألواح المقدَّسة التي كان يحملها إليهم، أرضاً، فتحطَّمت، فاشتعل غضباً، وتميَّز غيظاً،. {فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثاً؟..}.

 

ووقعت عينُه على أخيهِ هرونَ، فأسرعَ إليه معنِّفاً، ممسكاً بشعره الكثِّ، ولحيتِه الطويلة، يجرّه بها إليه جراً عنيفاً، فصرخ هرون من فرط جزع وفزع:

 

{.. قال ابنَ أُمَّ، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، فلا تُشمت بي الاعداء ولاتجعلني مع القوم الظالمين}.

 

فرجع موسى إلى نفسه، {قال: ربّ اغفر لي، ولأخي، وأدخلنا في رحمتك، وأنت أرحمُ الراحمين}.

 

وأيقن من جليّة الأمر، فقد عصى القومُ هارون الذي حذّرهم من مغبّة الوقوع في الفتنة، وعصيان خالقهم، وماكان بقاؤه فيهم على ماهم عليه من التمرد، والنفاق، والزيغ (أي: الميل إلى الباطل) إلا حفاظاً على وحدتهم، ولمِّ شعثهم.

 

والتفت موسى إلى “السامريِّ”: فما الأمرُ؟..

 

ويجيب السامري: لقد شاهدتُ مالم يتسنَّ للقوم أن يشاهدوه، فقبضتُ حفنةُ تراب من أثر الملاك جبريل، وجمعتُ ما يحملُ بنو إسرائيل من حليِّ الذهب، وقذفتُ ذلك كلّه في حفرة، أجّجتها ناراً، وصنعت من ذلك {عجلاً جسداً له خوار}، اتّخذه بعضُ بني إسرائيل إلهاً!..

 

ورمقهم موسى بعين غضبى، فأطرقوا ندماً وخجلاً!..

 

ويهبُّ موسى لمعالجة الأمر سريعاً. ويأمرُ بالعجل، فتُرسلُ عليه النار، فتحرُقُهُ، وتفتِّتُهُ تفتيتاً، وتهب ريح تذروه في البحر، هباءً منثوراً..

 

وأمر بالسامري منبوذاً، لايدنو من الناس، ولايقربُه الناس، ولايمسُّه أحدٌ أبداً.

 

وأمر قومه بالتوبة، وقتل أنفسهم، ولعلَّ المقصودُ بذلك كسرَ حدَّتها، وكبتَ شهواتِها، وكبح رغائبها، وتطهيرها وتزيكتها، ففعلوا ماأُمرُوا به، وتاب الله عليهم جميعاً!..

 

وعاد موسى إلى ميقات ربّه، من جديد، بعد أن اختار من قومه – كما فعل آنفاً- سبعين رجلاً ولما وصلوا الى الجبل، زلزلت الارض بهم زلزالاً شديداً. فصاح عندئذ موسى متضرعاً وجلاً:

 

- {.. رب، لو شئت أهلكتهم من قبل، وإيّاي. أتُهلكنا بما فعل السفهاء منّا؟..}.

 

فتشملهم رحمة الله،.. وتستقر الارض تحت أقدامهم، وتهدأ، فيهدأون!..

 

وعاد موسى يدعو قومه الى اجتماع ليبين لهم ما أنزل الله من أحكام إقامة صلاة وتأدية زكاة، وكانت الدعوة أمام سفح الجبل، فلم يسمعوا له قولاً. فتزلزل الجبل فوقهم، وتناثرت حجارته عليهم، فسمعوا عندئذ قول موسى!..

 

التيـــه :

ويقود موسى قومه إلى أرض الميعاد في فلسطين، لعلهم يلقون فيها عصا ترحالهم، بعد عنائهم الطويل ويصيبهم في الطريق الظمأ، فيصرخون: ياموسى.. الماء، الماء!..

 

{وأوحينا الى موسى إذ استسقاه قومه، أن اضرب بعصاك الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً، قد علم كل أناس مشربهم!}. فارتووا!..

 

وكان هجيرٌ قائظ، فأرسل الله فوقهم الغمام، يظللهم من لفح الشمس، ويكسر حدة الرمضاء. ثم أدركهم الجوع، فصاحوا: ياموسى.. الطعام، الطعام، فأرسل الله لهم المنّ والسلوى، {كلوا من طيبات ما رزقناكم}، دون طغيان، ولا جحود ولاكفران!..

 

وتابع طريقه موسى، ووجهة سيره “أريحا” لمواجهة من فيها من عتاة الكنعانيّين والحثّيّين. فاستسلم بنو إسرائيل إلى خور العزيمة، ودبّ فيهم الوهن، وقالوا:

 

- {.. إنّ فيها قوماً جبّارين. وإنّا لن ندخلَ حتّى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون!}.

 

فهاله ماهم عليه من التقاعس، والجبن. وأخذ يحبب إليهم القتال في سبيل الله ويرغّبهم بالجهاد، فكان كمن ينفخ في رماد، أو، كمن يصرخ في وادٍ!..

 

ثم صارحوه بجليّ أمرهم، وما انطوت عليه نفوسهم من خبثٍ، ولؤم طباعٍ:

 

- {.. ياموسى، إنّا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا، أنّا ها هنا قاعدون}.

 

فأيقن عندئذٍ موسى بأن قومه قد غرقوا في بحر الضلالة والخذلان، والعصيان، والغيّ الموفي بأهله على النار، فرفع بصره الى السماء، وقلبه يكاد يتفطّر قائلاً: {ربّ، إنّي لاأملك إلا نفسي وأخي}. نافضاً يديه منهم أجمعين!..

 

وكان جزاء تقاعسهم، وخور عزيمتهم، أن ظلّوا يتيهون في (أرض التيه)، حيارى، لايهتدون إلى معالم طريق، مدة أربعين سنة، هلك خلالها كل هذا الجيل المتهاوي، المتهالك على نفسه، الذي ما أن يؤمن حتى يعود إلى الكفر من جديد،.. لينهض على أنقاضه جيل منيع عزيز،.. لايسأم الجهاد، وركوب متون (أي: ظهور) الحرب والقتال!..

 

وفاة موسى، وظهور يوشع بن نون نبيّاً جديد :

ولما شعر موسى(عليه السلام) بدنّو أجله، نظر في أمور قومه، فأحسن تنظيم أوضاعهم، خاتماً فيهم رسالته ناظراً بعين الغيب إلى نبيٍّ جديد، يرسله الله إلى أهل مكة ومن حولها فيخرجهم من الظلمات الى النور!..

 

ثم غادرهم، وهم عنه غافلون، تجرّهُ قدماه في عمق الصحراء، وخيالهُ يلتهب بذكريات، وما أكثرها.. ومعظمها لاسع كالجمر المتّقد. وفيها كل غريب وطريف، فهي لاتبرح خياله أبداً.

 

وإن نسي، فلن ينسى منها ثلاثاً:

 

- الأولى: قصته مع الخضر: وسبب ذلك، أن نفس موسى حدّثته يوماً بأنه أعلم من على وجه الأرض، إنساناً! فصدّقها، وجاراها في دعواها. أليس هو نبيّ الله، وكليمه، ورسوله. فمن أقرب إلى الله من موسى؟. فاوحى الله تعالى إليه: إنّ من عبادي من هو أوسعُ منك إحاطةً، وعلماً!..

 

ويسأل موسى ربّه مستغرباً، من هو ياسيّداه؟

 

فيجاب: أنه عبدي الصالح، عند (مجمع البحرين).

 

فيشدُّ إليه موسى عصا الترحال، يبتغي مقابلته، والتعلُّم منه. وقد اصطحب معه فتاه، ويجتمع موسى بالعبد الصالح هذا،.. ويرى على يديه خوارق ومعجزات لا يستطيع الانسان العاديّ إلاّ إنكارها. وكذلك فعل موسى!..

 

وفي نهاية المطاف -(كما ورد في سورة الكهف، الآيات: 60-82)- يشرح الخضر لنبي الله موسى حكمة الله من كل ماقام به من تصرفات. إنّه التأويل لبواطن الأمور، لاتفسير ظاهرها!… ويشعر موسى بضآلة علمهن وهو النبي المجتبى، أمام ما أوتيه العبد الصالح حكمةً وعلماً!..

 

- الثانية: قصة بقرة بني إسرائيل: وكان ذلك عند ماقُتل أحد رجالهم، ولم يعرفوا قاتله. فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة -(كما ورد في سورة البقرة. الآيات: 77-83)- وأخذ بنو إسرائيل يستقصون من نبيّهم موسى عن ماهيتها، وصفاتها، ولونها.. لجاجاً منهم وعناداً! واهتدوا بعد لأيٍ (أي: جهد ومشقة) إليها، ولم يستطيعوا ابتياعها، إلاّ بعد أن دفعوا مبلغاً من الذهب، كبيراً… يُضاف إلى ذلك جدهم في طلبها، حيرتهم، حتى اهتدوا إليها، بعد شهور طوال، من التفتيش والتنقيب، ولو أنهم آمنوا بالله ورسوله، وسلّموا إليه إمورهم، وتخلّوا عن لجاجهم وعنادهم، لوجدوا في أي بقرة تقع عليها أيديهم، مايفي بالغرض المطلوب!.. ولكنه العناد الحرون، والفطرة على الشقاق والنفاق، وسيّئِ الأخلاق!.

 

- الثالثة: قصته مع قارون:

 

وهي الأدهى، والأمرُّ! فقارون، تربطه بنبيّ الله موسى وشائجُ دمٍ، وقربى رحم. وكان قارون أغنى أغنياء بني إسرائيل. فله من كنوز الذهب ماتنوءُ بحمل مفاتيح خزائنه عصبة من الجمال شديدة القوى، فكفر برسالة موسى، وجاهره العداء، وألَّبَ عليه الأعداء، باذلاً في سبيل ذلك الأصفر الرنان!: (كما تقص علينا سورة القصص. الآيات: 76-83) وتمنَّى بنو إسرائيل أن يؤتوا مثل ماأوتي قارون، فكأن الله قد أفاض عليه من الذهب نهراً لاينضب. ونسُوا، وهم دائماً ينسون، أنّ رحمة الله خير من كل ذلك وأبقى!

 

وانتظر بنو إسرائيل قارون، حتى خرج عليهم، يوماً، في زينته، فانبهرت أبصارهم بها، وانشدهت بصائرهم، {إنّ هذا لشئٌ عُجاب!..}. ونسوا كل شئ، فهم مأخوذون بهذه الفخامة من الزينة، والبهرج، يملآن عليهم الأفئدة، والأبصار، والأسماع!..

 

وبينما هم كذلك، وإذ بزلزالٍ يضرب دار قارون، وإذ بالأرض وكأنها تثور تحت قدميه، فتسيخ، وتخسف بقارون وبداره الأرض، فهو لاينفك متغلغلاً في باطنها كل يوم قامةً، إلى يوم القيامة، فاعتبروا ياأولي الألباب!.. وما أكثر العبر في بني إسرائيل، وأقلّ الاعتبار!..

 

وقد حال الله بين قلوبهم، وثابت الايمان واليقين، فهم في ريبهم، أبداً، يترددون!

 

* * *

 

وتكلُّ قدما موسى، وقد ضرب (أي: مشى) في عمق الصحراء، بعيداً… ولطالما قطعتا به مفاوز، وأراضي ذات آماد، وأبعاد!، وغرائب الذكريات ماانفك يتلو بعضها بعضاً!.

 

ويتوسد حفنه من رمل!..

 

فقد آن لهذا الجسد المنهك أن يستريح، ولهذه الروح الشريفة أن تنطلق في عالمها العلويِّ الرحب، الشريف، اللطيف!..

 

ويظهر بعد ذلك في بني إسرائيل نبيٌ جديد. إنه يوشع بنُ نون. وكان من مقرَّبي موسى. فيخرجُ بهذا الجيل الجديد منهم، الفتيِّ، المجاهد، من أرض التيهِ، إلى أرض الميعاد في فلسطين، حيث المدنُ، والمزارعُ، والخيراتُ الحسانُ!..





وفاة موسى، وظهور يوشع بن نون نبيّاً جديد

14 08 2008

وفاة موسى، وظهور يوشع بن نون نبيّاً جديد

 

 

ولما شعر موسى(عليه السلام) بدنّو أجله، نظر في أمور قومه، فأحسن تنظيم أوضاعهم، خاتماً فيهم رسالته ناظراً بعين الغيب إلى نبيٍّ جديد، يرسله الله إلى أهل مكة ومن حولها فيخرجهم من الظلمات الى النور!..

 

ثم غادرهم، وهم عنه غافلون، تجرّهُ قدماه في عمق الصحراء، وخيالهُ يلتهب بذكريات، وما أكثرها.. ومعظمها لاسع كالجمر المتّقد. وفيها كل غريب وطريف، فهي لاتبرح خياله أبداً.

 

وإن نسي، فلن ينسى منها ثلاثاً:

 

- الأولى: قصته مع الخضر: وسبب ذلك، أن نفس موسى حدّثته يوماً بأنه أعلم من على وجه الأرض، إنساناً! فصدّقها، وجاراها في دعواها. أليس هو نبيّ الله، وكليمه، ورسوله. فمن أقرب إلى الله من موسى؟. فاوحى الله تعالى إليه: إنّ من عبادي من هو أوسعُ منك إحاطةً، وعلماً!..

 

ويسأل موسى ربّه مستغرباً، من هو ياسيّداه؟

 

فيجاب: أنه عبدي الصالح، عند (مجمع البحرين).

 

فيشدُّ إليه موسى عصا الترحال، يبتغي مقابلته، والتعلُّم منه. وقد اصطحب معه فتاه، ويجتمع موسى بالعبد الصالح هذا،.. ويرى على يديه خوارق ومعجزات لا يستطيع الانسان العاديّ إلاّ إنكارها. وكذلك فعل موسى!..

 

وفي نهاية المطاف -(كما ورد في سورة الكهف، الآيات: 60-82)- يشرح الخضر لنبي الله موسى حكمة الله من كل ماقام به من تصرفات. إنّه التأويل لبواطن الأمور، لاتفسير ظاهرها!… ويشعر موسى بضآلة علمهن وهو النبي المجتبى، أمام ما أوتيه العبد الصالح حكمةً وعلماً!..

 

- الثانية: قصة بقرة بني إسرائيل: وكان ذلك عند ماقُتل أحد رجالهم، ولم يعرفوا قاتله. فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة -(كما ورد في سورة البقرة. الآيات: 77-83)- وأخذ بنو إسرائيل يستقصون من نبيّهم موسى عن ماهيتها، وصفاتها، ولونها.. لجاجاً منهم وعناداً! واهتدوا بعد لأيٍ (أي: جهد ومشقة) إليها، ولم يستطيعوا ابتياعها، إلاّ بعد أن دفعوا مبلغاً من الذهب، كبيراً… يُضاف إلى ذلك جدهم في طلبها، حيرتهم، حتى اهتدوا إليها، بعد شهور طوال، من التفتيش والتنقيب، ولو أنهم آمنوا بالله ورسوله، وسلّموا إليه إمورهم، وتخلّوا عن لجاجهم وعنادهم، لوجدوا في أي بقرة تقع عليها أيديهم، مايفي بالغرض المطلوب!.. ولكنه العناد الحرون، والفطرة على الشقاق والنفاق، وسيّئِ الأخلاق!.

 

- الثالثة: قصته مع قارون:

 

وهي الأدهى، والأمرُّ! فقارون، تربطه بنبيّ الله موسى وشائجُ دمٍ، وقربى رحم. وكان قارون أغنى أغنياء بني إسرائيل. فله من كنوز الذهب ماتنوءُ بحمل مفاتيح خزائنه عصبة من الجمال شديدة القوى، فكفر برسالة موسى، وجاهره العداء، وألَّبَ عليه الأعداء، باذلاً في سبيل ذلك الأصفر الرنان!: (كما تقص علينا سورة القصص. الآيات: 76-83) وتمنَّى بنو إسرائيل أن يؤتوا مثل ماأوتي قارون، فكأن الله قد أفاض عليه من الذهب نهراً لاينضب. ونسُوا، وهم دائماً ينسون، أنّ رحمة الله خير من كل ذلك وأبقى!

 

وانتظر بنو إسرائيل قارون، حتى خرج عليهم، يوماً، في زينته، فانبهرت أبصارهم بها، وانشدهت بصائرهم، {إنّ هذا لشئٌ عُجاب!..}. ونسوا كل شئ، فهم مأخوذون بهذه الفخامة من الزينة، والبهرج، يملآن عليهم الأفئدة، والأبصار، والأسماع!..

 

وبينما هم كذلك، وإذ بزلزالٍ يضرب دار قارون، وإذ بالأرض وكأنها تثور تحت قدميه، فتسيخ، وتخسف بقارون وبداره الأرض، فهو لاينفك متغلغلاً في باطنها كل يوم قامةً، إلى يوم القيامة، فاعتبروا ياأولي الألباب!.. وما أكثر العبر في بني إسرائيل، وأقلّ الاعتبار!..

 

وقد حال الله بين قلوبهم، وثابت الايمان واليقين، فهم في ريبهم، أبداً، يترددون!

 

* * *

 

وتكلُّ قدما موسى، وقد ضرب (أي: مشى) في عمق الصحراء، بعيداً… ولطالما قطعتا به مفاوز، وأراضي ذات آماد، وأبعاد!، وغرائب الذكريات ماانفك يتلو بعضها بعضاً!.

 

ويتوسد حفنه من رمل!..

 

فقد آن لهذا الجسد المنهك أن يستريح، ولهذه الروح الشريفة أن تنطلق في عالمها العلويِّ الرحب، الشريف، اللطيف!..

 

ويظهر بعد ذلك في بني إسرائيل نبيٌ جديد. إنه يوشع بنُ نون. وكان من مقرَّبي موسى. فيخرجُ بهذا الجيل الجديد منهم، الفتيِّ، المجاهد، من أرض التيهِ، إلى أرض الميعاد في فلسطين، حيث المدنُ، والمزارعُ، والخيراتُ الحسانُ!..





النبي عيسى (ع) روح الله

14 08 2008

النبي عيسى (ع) روح الله

ولادة عيسى :

العذراءُ مريمُ تعتكفُ (أي: تعتزل الناس للعبادة). فهي منصرفةً ألى صلاتها وتنسُّكها وخشوع وجهها لله بابتهال ودعاء! لقد اعتزلت أهلها، واتّخذت من دونهم ستراً، فلا تراها عين.

 

وفجأة، تضطرب نفسها الصافية، برهبةٍ وخوفٍ لم تجد لهما تفسيراً، ولاتأويلاً!. وإنها كذلك، وإذ بملاكٍ كريمٍ، في هيئة إنسان سويٍّ، يقتحم عليها خلوتها، فيكر عليا صفاء وحدتها، ويقطعها عما هي فيه من عبادة وصلاة!.

 

فترتاع… وتحاول الفرار بنفسها، وهي البتول الطهور!.

 

ويومئُ إليها الملاكُ بألاّ تخاف ولاترتاع. ويقترب منها وئيداً، فتستعيذ منه بالرحمن، وقد استطارت نفسها شعاعاً! (أي خافت خوفاً شديداً)

 

وهدأ روعُها بعد قليل، ولكن الحيرة عصفت بها من جديد، عندما أفصح الملاك عمَّا أرسل إليه: {.. إنّما أنا رسول ربك لأهب لكِ غُلاماً زكياً}.

 

- غلام؟… ياللفضيحة، والعار!.. وماذا سيقول عنها قومها، وهي الشريفة النفس، الكريمة الأصل، الطيبة الأرومة، الطاهرة أباً وأماً!؟..

 

ثم، أنّى يكون لها غلام وهي الناسكة المتعبدة، البتول العذراء، لاتعرف من وجوه الرجال إلاّ زوج خالتها النبي زكريَّا، وكان قد كفلها عندما كانت بعدُ صغيرةً، وبعض الأخيار الأبرار، الذين نذروا أنفسهم لله وعبادته وخدمة المؤمنين!..

 

وتعود إليها رباطةُ جأشها، فهي أمام رسول ربِّها إليها، فلم الارتياع؟

 

وتسألُ: {.. أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر؟..}

 

قال الملاكُ: {كذلك قال ربُّك هو عليّ هيِّن. ولنجعله آية للناس، ورحمة منا..}

 

وتمت كلمةُ ربك! ويختفي الملاك عن الانظار، بعد أن قام بما أمر به، {.. وكان أمراً مقضيا!}.. ويعود القلقُ والاضطرابُ يتأكّلان نفس العذراء البتول، تأكُّلاً!.

 

وتتصور ألسنة الناس تلوك سمعتها، وعفافها، وطهرها، وهم يقذفون بفاحش القول، وبهتان وافتراء، فينعصر قلبُها، ويغلي دماغها،.. فكيف ستُدافع عن نفسها، وتثبت للناس براءَتها؟..

 

وتعود إلى منزلها، وقد ضاقت عليها آفاق الدنيا بما رحُبت..

 

وتقبع العذراء في منزلها، لاتغادره إلاّ لماماً (أي: قليلاً).

 

وتجد في العبادة سلوى تخفف ماينتابُها من مقلقات الهموم، وعزاءً ينسيها ما ينمو في أحشائِها من “كلمة الله” الذي إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون!.. وهكذا تقبل مريم على عبادة ربها إقبال الغريق على خشبة الخلاص، وتستغرق في عبادتها استغراقاً ينسيها نفسها، والعالمين،.. ولكن، إلى حين!..

 

فها هي ذي الأيام تمر مرّ السحاب!.. وها هو ذا اليوم الموعود. فمريم تعاني آلام المخاض!.. وتفرُّ العذراء بنفسها من قريتها إلى البريّة، بعيداً عن الناس، وأعين الرقباء، وألسنة السوء.. فلعلّ الله يجعل لها من أمرها فرجاً ومخرجاً!..

 

ويُلجئها المخاض إلى جذع نخلة يابسة، فتضع غلاماً يتلألأ جبينه نوراً!..

 

وتعاودُها الوساوس والهواجس، فما العمل؟. وكيف ستُقابل قومها بهذا المولود الجديد؟.

 

فتتمتم بالتياع وحرقة: {.. ياليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً!} ويدركها مايدرك النفساء من وهن، بعد ان تضع..

 

إن جسمها الطريَّ ليذوي، كنديِّ النبت الغضِّ في لافح الهجير… فقواها في اضمحلال، ونفسُها في شتات.. وتحاول البكاء، فلا تقطر من مقلتها دمعة واحدة. إن دموعها لم تجف، ولكنها أصيبت بما يشبهُ الاحتراق.. وفجأةً، تعود إليها نفسُها عندما تسمعُ صوتاً يناديها من تحتها، بأنسٍ رقيقٍ، وحنانٍ رفيق:

 

- {.. ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً. وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً. فكُلي واشربي، وقري عيناً!..}

 

وتمتد يد البتول الى النخلة، وقد كانت قبل سويعة جرداء يابسة لاتصلح إلا للنار، فإذا هي الآن مونعة مورقة، تحمل يانع الثمر، فتهزّها، فيتساقط أمامها الرطبُ(التمر في أوله)، فتأكلُ منه، وتمدُ يدها الى الماء الذي تفجر من تحتها، سلسبيلاً عذباً فتغترف منه وتشرب، وتحمدُ الله، وتشكره، مسلمةً اليه أمرها، قائلة في نفسها:

 

أليس هذا دليلاً على عصمتي من كل ريبة، وآية من آيات الله البينات؟..

 

وتحمل وليدها، ويعاودها التساؤل كالسوط يلسع منها العقل والوجدان، فيهتز خاطرها اهتزازاً عنيفاً،..

 

- كيف ستقابلين قومك بهذا المولود العجيب الولادة حقاً؟.. وهل هم من البساطة لدرجة تصديق دعواك بالسهولة المتوخاة؟

 

وهل في الدنيا كلها، من قبل ومن بعد، أمٌ دون زوج، وولد دون أب؟

 

ولكن الله تعالى كفاها مؤونة الجواب: فما عليها إلا أن تلوذ بالصمت، وفاء بنذر صيام عن الكلام:

 

- {.. فإما ترين من البشر أحداً فقُولي: إني نذرتُ للرحمن صوماً فلن أُكلِّم اليوم إنسيَّاً!}.

 

واطمأنت إلى هذا الموقف بعض اطمئنانٍ، وارتاحت إليه راحةً يسيرةً.

 

المعجزة :

{فأتت به قومها تحمله..} متعثرة الخُطى، مضطربة، وجبينها الطهور يندى عرقاً بارداً، فالخطبُ جلل!.. ورماها قومُها بنظرات استهجانٍ واستغراب، وصاحوا مندهشين:

 

- ماهذا يامريم؟.. لقد جئت شيئاً فريّاً، وأنت الطاهرة المطهرة أصولاً وفروعاً!..

 

وكاد لسانها يتحركُ، ليدفع عنها تهمة السوء، وفرية الفحشاء. ولكنها استدركت ذلك، فهي صائمة عن الكلام، لا تلكمُ إنسيّا!

 

وبالتالي، فهي ليست على استعداد للخوض في نقاش وجدل، لايجلبان لها نفعاً، ولايدفعان عنها ضراً!. فأشارت إلى الوليد في مهده. يلفه قِماط، وكأنها تقول لهم: اسألوه!.

 

فجحظت عيونهم، وتساؤلوا ساخرين: {.. كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟}

 

وتقع المعجزة:..

 

فإذا بالوليد ينطق في مهده، ولكنه لايدفع عن امه تهمة، ولا يثبت لها براءة، ولايرد عليهم سوء مقال، بل يخبرهم بلسان طلق مبين، بأنه من عباد الله المكرمين، وأنبيائه المجتبين، ورسله المباركين، أوصاه الله بالصلاة وبالزكاة، وببر أمه الصديقة الطاهرة.

 

قال: {إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركاً اين ماكنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا. وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً. والسلام عليّ يوم ولدت، ويوم أموت ويوم أُبعثُ حيَّا!..}

 

فحق عليهم القولُ، ولزمتهم الحجة البالغة، والبرهان الدامغ، يدحضان (أي: يدفعان ويبطلان) كل بهتان، ويصفعان كل اجتراء!..

 

ولكن،.. هل آمنوا وصدَّقوا؟..

 

ويأتي الجواب بالنفي، بطبيعة الحال – فبنوا إسرائيل طبعوا على اللجاج والسفاهة، والمكابرة والعناد. لاتقنعهم الحجة، مهما بلغت من إعجاز لايكون إلاّ سماوياً!..

 

أولم يلاق موسى، من قبل، كل مكابرة منهم، وتعنت وضلال؟..

 

فلم يؤمنوا بإعجاز هذا الوليد الذي أنطقهُ الله في المهد، ولما يرتو من لبن أمه، بعد، كما أنهم لم يؤمنوا بطهارة أمه الصديقة البتول، فانطلقت السنتهم ببهتان وافتراء، وسوء قيل وقال!..

 

النبوّة :

وشبَّ عيسى، كما يشب بقية الفتيان، ولكن مخايل النجابة، وسيماء الكرامة (أي: مظاهرها ودلائلها) بدتا عليه، فظهر مهاباً!..

 

وكان أثناء لعبه مع أترابه، ومخالطته إيّاهم، يحدثهم بما لا تقوى على فهمه عقولهم، وينبئهم بما يأكلون، ومايدّخرون في بيوتهم.

 

وعندما كان يجلس أمام استاذه في الكتّاب، كان يلحظ كل شاردة وواردة، ويحفظ كل حاضرة وغائبة. فيجد فيه استاذه فتى خارقاً!..

 

وعندما بلغ الثانية عشرة من سنيّه، صحبته أمّه الى بيت المقدس، حيث استهوته مجالس العلم والعلماء. فكان يحرص على شهودها حرصاً شديداً، مصغياً، متأملاً، مفكّراً… ثم مناقضاً وكأنه يغترف العلم، من البحر، اغترافاً!.. فكان يرد على أحبار اليهود مسفّهاً ما كانوا يعلّمونه عامّة الناس من زخرف القول وزوره، ومبهرج الكلام وباطله، اللذين يخفيان خلفهما ضلالاً كبيراً، وغيّاً عظيماً.. فيقارعهم، ويحجهم،.. فيصمتون مبهورين، وقد علت وجوههم علائم الانكسار..

 

ويتطلع الناس إليه،… وإليهم، مستغربين!. فيالهذا الفتى في حكمة أجلاء الشيوخ وعلمائهم الأفذاذ!.. وكثيراً ما كان ينسى عيسى كل ماحوله، حتى نفسه، ينساها، فهو في حجاج، مع هؤلاء الاحبار، مستمر، قلّما يهدأ، أو ينقطع، حتى أنه نغص عليهم مجالسهم، فكادوا أن يعافوها!.. وتمضي عليه، وهو في هذا الحال، أيام كثيرة، وشهور..

 

وتفتقده أمه في كل مكان فلا تعثر له على أثر. فيجن صوابها!..

 

وبينما هي كذلك، وإذ بابنها بين زمرة علماء، علت صدورهم لحىً كثّة بيضاءُ بيضاء، وهو يناقشهم، بصوت يشيع فيه صادق البرهان، وساطع الحجة والبيان،.. وقد اصفرت منهم وجه. واحمرت عيون، فتخاف عليه سوء العواقب، وتحذر عليه يداً أثيمة تناله بسوء… فتضمه اليها، وتعود به إلى “الناصرة”، مدارج طفولته، وملاعب صباه، بعيداً عن مكامن الخطر والأذى، والعثرات!..

 

ولما بلغ عيسى الثلاثين من سنّيه المباركة، صدع بأمر الله عزوجلّ، معلناً نبوّته في بني اسرائيل… مفنّداً (أي: مظهراً باطل..) ماهم عليه من كفرٍ وضلال، داعياً إياهم إلى العودة الى الأصول الأولى، والينابيع الصافية، في مصادرها.. والى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

 

وأخذ يُبيّن لعامة الشعب ماقام به كبار أحبارهم من تزييف لشريعة موسى السمحاء، وتحريف لها. ابتعاء عرض الحياة الدنيا، وتهافتاً على الذهب يكنزونه في خزائنهم، دون أن يعطوا فقراء خلق الله منه شيئاً، بل يسلبون منهم الدينار والدرهم باسم الدين، وخدمة الهيكل!.

 

وجنّ جنون أحبار بني اسرائيل!.. فما لهذا المبعوث يرميهم بكل فضيحة ونقيصة تقصمان (أي: تقطعان) الظهور؟.. واجمعوا على تكذيبه، ومناوأته.. وألبوا عليه أوغادهم وجهالهم، فما استطاعوا أن ينالوا منه، ويحطوا من شأنه،.. بل كان الأمر على النقيض من ذلك، فلقد ازداد سموّاً وعلوّاً وتحلّق حوله أشياع وأتباع، وتلامذةٌ ومريدون.

 

آيات ومعجزات :

ويطالب أحبار بني إسرائيل عيسى بالآيات والمعجزات، فلكل نبي أياته ومعجزاته وبيّناته!.. وينهض عيسى لما يطلبون:

 

- فكان يخبرهم بما يأكلون، ومايدّخرون..

 

- وكان يصنع لهم من الطين كهيئة الطير، (تمثال طير من طين)، ثم ينفخ فيه،.. فإذا به طائر، من لحم ودم، يطير، محلقاً في الأجواء!..

 

- وكانوا يأتونه بالرجل منهم، يكون أعمى منذ ولادته، فيمسح على عينيه، فيرتد بصيراً…

 

- وبالأبرص قد شوّه البرص وجهه، فيمسح على وجهه، فإذا به وسيمُ الوجه، جميل الصورة…

 

- وكانوا يأتون به إلى الميت، منذ ساعات، أو أيام،.. فيدعو فوق رأسه، فينهض حيّاً!..

 

- وكان يمشي، أمام بعضهم، أو بعض تلامذته، على الماء، وكأنه يتجول في بستان، ويعود اليهم دون ان تبتل له قدم!.

 

يفعل ذلك كله، أمام من حضر، مؤكداً أمام الجميع بأن ذلك بأمر الله، وباسمه،.. داعياً إيّاهم إلى الايمان برب السموات والارض، والإقلاع عن كل غيٍّ وفساد!. فآمنت به طائفة، هم حواريّو المسيح، وأنصاره، وتلامذته، وأتباعه، وسمّوه “المعلم” وأطلقوا عليه لقب “المسيح” إشارة إلى أنه كان يمسح بيده المباركة على الضرير والأبرص، كما مر، فيشفيان. وكفرت به طائفة أخرى، وقد أعمى الله البصائر منهم والأبصار، فأطلقوا عليه نعوتاً كاذباتٍ واختلقوا حوله إشاعاتٍ وافتراءاتٍ، فأثيرت حوله زوبعة من صخبٍ وضجيج.

 

وقضى الله بنصرة نبيّه عيسى(عليه السلام)، وردِّ كيد كل خائنٍ كفار!…

 

الحواريون والمائدة :

وكان اسلوب عيسى (عليه السلام) في دعوته، الاّ يستقرّ في مكان.. فأرض الله واسعة،… وفيها من خلقه من لم يسمع باسمه، فلم تصله رسالة السماء.

 

فكان دائماً في حل وترحال، لايهدأ في مدينة حتى يغادرها الى ثانية،.. وما أن يصلها حتى لايمكث فيها طويلاً، فيغادرها إلى قوم آخرين، وهكذا..

 

وكان يصحبه حواريون وتلاميذ، ارتدوا خشن الصوف، وخلقوا وراءهم الدنيا ظهرياً (أي: جعلوها وراء ظهورهم) فانطلقاو مع “معلمهم” يتصفحون صحائف الكون، والطبيعة، وخلق الله وآياته الباهرات!..أي: جعلوها وراء ظهورهم) فانطلقوا مع “معلمهم” يتصفحون صحائف الكون، والطبيعة، وخلق الله، وآياته الباهرات!..

 

وبينما كانوا يخلدون للراحة، بعد وعثاء السفر، في أرض قفر، جدباء، وقد أخذ الاعياء والجوع منهم مأخذاً عظيماً، تساءلوا فيما بينهم عن الطعام، ولاطعام لديهم، فتوجهوا بالسؤال إلى “معلمهم” الأكبر عيسى: فقالوا: {.. ياعيسى ابن مريم، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدةً من السماء؟..}.

 

وظهرت على محيّا النبي الكريم، علائم استغراب، وخوف، وحذر، فأسرع يجيبهم:

 

- {.. إتقوا الله ان كنتم مؤمنين!} “ألم تؤمنوا بربكم، بعدما شاهدتم كل هذه المعجزات والبيّنات؟…”

 

- حاشا لله أن نكون من المكذبين، أو المفترين، أو الشاكّين!.

 

_ أخاف عليكم الفتنة واللَّجاج المؤديين إلى المكابرة والعناد، وما جزاء ذلك إلاّ خزيُ الدنيا، وعذاب الآخرة المقيم!.

 

- حنانيك يامعلم!.. ألم تر الينا، وقد انهكنا الجوع، وعضّنا بناب ناهشٍ؟. إننا إذ نطلب اليك ذلك فلكي نطعم منها، فنزداد إيماناً على إيمان، ويقيناً على يقين، وتسليماً على تسليم. وبذلك تشريف لنا، وتخصيص بفضل وكرامة، يفرضان علينا ثابت اليقين والإيمان، بالإضافة إلى مايُتاح لنا من فرصة لنشر الدعوة وتبليغ الرسالة، فلا العنت نبغي ولا اللجاج، ولا المكابرة والعناد، ونحن الذين آمنا، وأشهدنا الله على إيماننا، وكنت انت شهيداً ايضاً، منذ أول ماعرفناك، فعرفنا الحق، وصدقّنا دعوتك، واتّبعناك ولازلنا، وسنبقى إن شاء الله من المهتدين…

 

فلما تبيّن لعيسى (عليه السلام) صدقُ مقصدهم، وظهر له صحيح ماانطوت عليه دخيلتهم (أي: باطنهم، وسرهم) رفع يديه ووجهَه الى السماء قائلاً بصوت يتفطّر استعطافاً:

 

- “اللهمّ!.. ربّ السموات والارضين، وما بينهما،… ياباسط اليديد بالرحمة، ياموسع الخلق بالعطاء والرزق، يامن لاتغيض خزائنه، ولاتنقطع مواهبه، يامالك الملك، ياذا الجلال والاكرام: {أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، وآية منك، وارزقنا وانت خير الرازقين}.

 

فاستجاب الله تعالى لنبيّه دعوته، ومنحه طلبتهُ:

 

{قال الله إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم فإني أُعذّبُهُ عذاباً لاأُعذبه أحداً من العالمين}.

 

وما لبث القوم أن سمعوا حفيف أجنحة، ورأوا مائدة تتهادى من عل، لتستقر فيما بينهم، وهي تفيض بالرزق الوفير، والخير العميم!..

 

وقبل أن تمتد اليها يد، دعا عيسى أن تكون رحمة لهم ونعمة، وأن يزيدهم الله من فضله…

 

ثم أومأ بيده اليها، وإليهم، فائلاً، كلوا، واشكروا!

 

فطعموا منها كفايتهم، وقاموا وقلوبهم تطفح بشراً وايماناً، وهدىً نوراً.

 

وسمع بذلك خلق كثير، توافدوا إلى عيسى مؤمنين، فتكاثروا، وازداد المؤمنون يماناً!.. وانتشرت رسالة عيسى، وعمّت.. فلها في كل بيت مؤيد ونصير.

 

وكان عيسى يعلن في كل مشهد ومحفل وناد: {يابني إسرائيل إنّي رسول الله اليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ومبشراً برسول يأتي من بعدي، اسمُهُ أحمد!..} وهكذا فدعوته تصديق بماضٍ وتبشير بمستقبل آت!..

 

ويجمعون، أخيراً، كيدهم ومكرهم، مقرّرين القضاء على عيسى. وليكن مايكون!

 

فرفعوا أمرهم الى حاكم “بيت المقدس” ملصقين بالمسيح كل تهمة شنعاء،..

 

وترصّدوا عيسى، فأين يكون؟. وأين المفرُّ؟

 

واجتهدوا في بث عيونهم وأرصادهم، وكان عيسى قد علم بمكرهم، فلم يهتدوا إليه ولم يعثروا له على أثر. وبينما كان رجال الدين يبحثون في بيت المقدس أمر عيسى، وقد استعصى، واستشرى وحيّرهم أمر اختفائه عن العيون، فاهتّموا واغتمّوا،.. وإذ بيهوذا الاسخريوطي يدخل عليهم، ويا للبشرى!.. إنّ مطّلع على كل تحرّك يقوم به هذا النبي الجديد، في ليل وفي نهار. فيصيحون فرحاً، ويهتزون طرباً، فأين الذي يكذّب كهّان الهيكل ويسفّه الأحبار؟ ويتّصلون بوالي المدينة المقدسة، فيرسل معهم جنداً لإلقاء القبض على هذا المبعوث الجديد. فلعل الفتنة تنقطع، ولعل الناس يهدأون!.

 

الله يرفع عيسى اليه :

وفي ليلة ليلاء، بينما كان عيسى (عليه السلام) وتلامذته مختبئين في بستان، وإذ بالجند يُداهمهم، فيفر الأتباع مولّين الأدبار. وتتحرك مشيئة الله سريعاً، على غير ما ينتظره أعداء الله، فإذا بعيسى لاتراه عين، وقد كان منذ لحظات بين أيديهم. فكأن الارض ابتلعته، أو رفعته إليها السماء!. ويساهدون رجلاً مقبلاً نحوهم، ويتأمّلونه جيّداً، إنه يشبه عيسى كثيراً، فيتصايحون:

 

- هذا عيسى، هذا عيسى؟..

 

فانقضّوا عليه، وأمسكوا بتلابيبه، ساقوه أمامهم مخفوراً.

 

اما الرجل، فقد أخذته المفاجأة، فما استطاع كلاماً..

 

وانهالت عليه حشود الجماهير تتقاذفه أمامها صاغراً ذليلاً!.

 

عند ذلك أخذ الرجل يصرخ بأعلى صوته: أنا لستُ عيسى، بل أنا الذي دلّكم عليه. أنا يهوذا الإسخريوطي!..

 

فهزئوا منه مقهقهين. ووصلوا به إلى وسط الساحة وهم يجذبونه جذباً عنيفاً، ويجرّونه جراً شديداً، بعد أن ساروا به على درب الجلجلة، زيادة منهم في العذاب الأليم، والنكال المهين.

 

وفي وسط الساحة، رفعوه بين الصخب والضجيج، وصلبوه، بعد أن جرّعوه كأساً من علقم، وتوّجوا رأسه بالشوك إكليلاً!..

 

{.. وما قتلوهُ، وماصلبوهُ، ولكنْ شُبّه لهم، وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه، مالهم به من علم إلا اتباع الظنّ، وما قتلوه يقيناً. بل رفعه الله اليه، وكان الله عزيزاً حكيماً!}.

 

(صدق الله العلي العظيم)





النبي محمد (ص) حبيب الله

14 08 2008

النبي محمد (ص) حبيب الله

 

 

 

العالم قبل النبي محمد(ص)

بعث الله موسى(ع) نبياً مرسلاً، يهدي الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، ويأمرهم بالعدل، لينقذهم من ظلم الفراعنة والطواغيت، فجاءهم بالتوراة، فيها مالهم وما عليهم.

 

وبعد انتقال موسى(ع) إلى جوار ربه، راح أحبار اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه، ويستغلون الدين لأطماعهم الشخصية، ضاربين عرض الحائط بتعاليم موسى(ع) خصوصاً مابشر به من نبي يأتي من بعده اسمه عيسى.

 

ولما بعث الله عيسى(ع) لتهذيب الأخلاق وتطهير النفوس، وزرع المحبة بين أبناء البشر، في ظلال عقيدة التوحيد، وليبشر بنبي يأتي بعده إسمه أحمد، دخل جماعة من اليهود في الدين الجديد، وراحوا يعملون على تحريفه واستغلاله، تماماً كما فعلوا بدين موسى(ع)، حتى أصبح تحت تأثير رجال الكنيسة غير المؤمنين، سيفاً مصلتاً على رقاب الناس، خصوصاً المثقفين.

 

وهكذا، عاشت البشرية انحطاطاً مخيفاً، في شتى شؤونها الحياتية، وساد الظلم والفساد، وعاد الناس إلى الشرك وعبادة الأصنام، وباتوا يؤمنون بالخرافات والأساطير، وكأني بهم يهربون من واقعهم الأليم.

 

وكان شأن سكان الجزيرة العربية. شأن معظم الناس في ذلك العصر، فسيطر عليهم، ماسيطر على الناس، وسادتهم روح القبلية والنزاع، وعمهم الظلم والفساد والتردي، وباتوا على شفا جرفٍ هارٍ.

 

الوليد المبارك

بعد ضياع وفساد استمرا ردحاً من الزمن، وفي العام الذي سمي بعام الفيل، ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، في قبيلة قريش في العام سبعين وخمسمئة للميلاد. وكان ذلك الحدث العظيم بعد شهر تقريباً من حادثة أصحاب الفيل، المشهورة.

 

كان عبد الله بن عبد المطلب، والد محمد، يعمل في التجارة إلى الشام، فوافته المنية أثناء عودته من إحدى رحلاته، وكانت زوجته آمنة بنت وهب، من بني عدي بن النجار، حاملاً، فلم يقدر للوليد الجديد أن يرى أباه.

 

ولما كان من عادة العرب في مكة أن يسترضعوا لأولادهم نساء أهل البادية، طلباً للفروسية والفصاحة، فقد عرض محمد على مرضعة من قبيلة بني سعد بن بكر اسمها حليمة، فتبرمت به، لكونه يتيماً، ويشاء الله ان ترضعه حليمة، إذ يشير عليها زوجها أن تأخذ الطفل، عسى أن يكون لهما في إرضاعه خير.. وفعلاً، فقد حلّت بركة الوليد المصطفى، في الحي الذي تسكنه حليمة، وعمّ الخير في ربوعه. ويوماً بعد يوم، كانت تظهر عظمة الطفل المبارك، حتى أن حليمة وزوجها كانا يودان أن يبقى محمد عندهما، حتى بعد مابلغ سن الفطام.

 

ولما بلغ محمد الخامسة من عمره، أعيد إلى حضن أمه آمنة، لترعاه أحسن ماتكون الرعاية. فتأخذه معها إلى أخواله بني النجار في يثرب، حتى وافتها المنية وهي في طريق عودتها، ودفنت في الأبواء بين مكة والمدينة، ومحمد لايزال في السادسة من عمره، فعادت به أم أيمن جارية آمنة إلى جده عبد المطلب.

 

كفل عبد المطلب محمداً، ووفر له العطف والحنان والعناية اللازمة، لما كان يتوسم فيه من الشأن العظيم، ولكنه توفي ومحمد لايزال في الثامنة من عمره، فتولّى أبو طالب عمّ محمد رعايته، وأحاطه بعناية لم يحظ بها أحد من أبنائه، حتى أنّه كان يصحبه معه في تجارته إلى الشام.

 

وزاد تعلق أبي طالب بمحمد، بعد أن قال له الراهب بحيرا، وكان عالماً بالتوراة والانجيل، وقد راى محمداً، قال له: إن ابن أخيك هذا نبي هذه الأمة، فاحذر عليه من اليهود.

 

بلغ محمد مبلغ الشباب، فكان مثالاً لكل الصفات الأخلاقية النبيلة، فوجدت فيه قريش، وكذلك أهل مكة، سيداً من ساداتهم، ومرجعاً لهم في الملمات، وكانت له اليد الطولى في عقد حلف الفضول، لمناصرة المظلومين ومحاربة العدوان من أي مصدر كان.

 

علامات النبوة

سمعت خديجة بنت خويلد، وهي من أشراف قريش، سمعت بما يتمتع به محمد بن عبد الله، من الصدق والأمانة والأخلاق العالية، فأعجبت به، وودّت لو يبادلها محمد هذا الشعور، فدعته إلى الذهاب في تجارتها إلى الشام. لقاء أجر يعادل ضعفي ماكانت تعطيه للآخرين، فقبل محمد واتّجر لها، فنجحت الرحلة نجاحاً باهراً، وانتهى الأمر بعدها بزواج محمد من خديجة.

 

ورغم أن خديجة بنت خويلد كانت على أبواب الأربعين من عمرها، فيما كان محمد في ريعان الشباب، فإن زواجهما حقّق أروح تلاحم عاطفي أساسه الحب والاحترام المتبادل، وأثمر عدداً من الأولاد، ذكوراً وإناثاً، إذ ولد لهما القاسم، وبه كان محمد يكنى، ثم إبراهيم، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وعبد الله وفاطمة. ولكن مشيئة الله سبحانه قضت أن لايبقى منهم على قيد الحياة سوى فاطمة.

 

بعد أن تزوج محمد تركزت شخصيته الاجتماعية، وتعززت وتجلّت يوم اختلاف القبائل في وضع الحجر الأسود، بعد إعادة بناء الكعبة المشرفة، إثر السيل الجارف والحريق اللذين تعرضت لهما.. فما أن طلع عليهم محمد حتى قالوا: هذا الأمين رضينا به حكماً بيننا.. وقصوا عليه ماهم فيه من الخلاف، فما كان منه إلا أن وضع الحجر في ثوب، ثم أمرهم أن تأخذ كل قبيلة منهم بطرف، ليرفعوا الحجر ويضعوه في مكانه فيكون الجميع مشتركين في وضعه.

 

وبدأت علامات النبوة تظهر على محمد. فها هو ينقطع في غار حراء، شهراً كاملاً، من كل عام، يقضيه في التأمل والتفكر، بعيداً عن الصراعات القبلية والفساد. ولما بلغ الأربعين من العمر، أنزل الله سبحانه جبرائيل(ع) ليتلو على محمد(ص) أول بيان من الرسالة الخاتمة: {إقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. إقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الانسان مالم يعلم}.

 

كان لهذا البيان العظيم أثره في قلب حبيب الله وفيه نفسه، وهو الذي لم يتعلّم القراءة ولا الكتابة، فعاد إلى بيته، وتدثر في فراشه، فأنزل الله عليه البيان الثاني: {ياأيها المدثّر قم فأنذر وربك فكبّر وثيابك فطهر والرجز فاهجر}.

 

وهكذا كان الأمر الالهي للنبي محمد (ص) واضحاً بحمل الرسالة، والقيام بأعباء الدعوة إلى الله.

 

النبي يدعو وقريش تراوغ

عرض رسول الله محمد(ص) دعوته على زوجه خديجة (رض) وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب، فآمنا بها، وتابع النبي دعوته، فآمن معه أربعون شخصاً، أغلبهم من الشباب. فاتخذ النبي(ص) دار الأرقم المخزومي، مركزاً يعلّم فيه المؤمنين القرآن.

 

وبعد ثلاث سنوات أمر الله سبحانه حبيبه محمداً (ص) بأن {أنذر عشيرتك الأقربين} فدعا النبي عشيرته إلى طعام، وما أن أراد محمد (ص) أن يحدثهم، وكانوا قد علموا بأمره، حتى قاطعه عمه أبو لهب، وحذره من الإستمرار في دعوته.

 

وانفضّ الاجتماع، قبل أن يتم محمد كلامه، فعاد الأمر الالهي: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} فأعاد (ص) الكرة ثانية فدعا عشيرته وأولم لهم، وماكادوا يفرغون من الطعام، حتى بادرهم عليه الصلاة والسلام بقوله: “يابني عبد المطلب، إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة… وأنا أدعوكم الى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون من النار: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله… أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال(ص): فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد… أنقذوا أنفسكم من النار”.

 

وقاطعة أبو لهب ثانية، وقال له: تباً لك، ألهذا دعوتنا! فأنزل الله سبحانه على حبيبه: {تبّت يدا أبي لهبٍ وتب. ماأغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد}.

 

دخل جماعة من قريش في الاسلام، واخذت الدعوة المحمدية تشق طريقها في المجتمع، وراح أنصارها يزدادون يوماً بعد يوم، فاعتبر زعماء قريش أنّ ذلك خطر يتهدد مصالحهم الذاتية وزعاماتهم، وجاهروا بعدائهم للنبي وللإسلام، وسلكوا سبيل الحطّ من شأن الرسول وتكذيب دعوته، وراحوا يهزؤون به قائلين: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وأعناب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء}.

 

ولم يكن هذا الأسلوب اللئيم في المحاربة، ليثني النبي العظيم عن تبليغ رسالة ربه، وواصل دعوته بإصرار غير مكترث بسخرية زعماء قريش، فعمدوا، كما يعمد أعداء الله اليوم، إلى التضليل الاعلامي، وترويج الاشاعات الكاذبة، ضد النبي وأتباعه، فمرة يصفونه بالكذاب، وأخرى بالشاعر، وثالثة بالساحر، حتى بلغت إشاعاتهم الحبشة وسواها، وهم يهدفون إلى عزل جبيب الله عن المجتمع، وإبعاد القاعدة الشعبية عنه وعن الدين الجديد.

 

ولم تنفع كل تلك الإشاعات والإفتراءات وأساليب التضليل، وظلَّ الناس يتهافتون على النبي(ص) تهافت الفراش على النور، فلجأ زعماء قريش إلى أسلوب الإغراء والمساومة، فأرسلوا عتبة بن ربيعة ليقول للنبي(ص): يابن أخي، إن كنت تريد بما جئت به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد بما جئت به شرفاً، سودناك علينا، حتى لاينقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملّكناك علينا.

 

وجاء الردّ من النبي(ص) فقال: “أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. فقال(ص): فاسمع مني: {حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لايسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل فاننا عاملون}.

 

وتابع النبي(ص) حتى بلغ موضع السجدة فسجد، وعتبة يسمع ويرى، ثم قال عليه الصلاة والسلام: قد سمعت يا أبا الوليد ماسمعت، فأنت وذاك”.

 

عاد عتبة مرتبكاً، فرآه أصحابه فقالوا: لقد عاد أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فقال لهم: “إني قد سمعت وقولاً، والله ماسمعت مثله قط… والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة”. وراح عتبة يدعوهم إلى التخلي عن مواجهة النبي، وتركه وشأنه، فقالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

 

ثم إنّ زعماء قريش أرسلوا إلى النبي(ص) وفداً منهم، ليعرضوا عليه المغريات فما كان قوله إلا أن قال: “ماجئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم”.

 

قريش تؤذي النبي وأصحابه

لم تؤثر إغراءات زعماء قريش في النبي محمد(ص) وتابع دعوته وتهزئ أوثانهم، فلجأوا إلى أسلوب الضغط والحصار… فجاؤوا إلى عمه أبي طالب وقالوا له: والله لانصبر على تسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنّا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين.

 

وفاتح أبو طالب ابن أخيه بالأمر فقال النبي(ص): “ياعمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري. على أن أترك هذا الأمر، ماتركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه”.

 

رأى زعماء قريش صلابة موقف النبي واستعداده للتضحية، حتى بحياته في سبيل الله، فرجموا بيته بالحجارة، ووضعوا الشوك في طريقه، وألقوا التراب على رأسه، وسلطوا صبيانهم ومجانينهم عليه، يلاحقونه، كما عمدوا إلى إيذاء أصحابه(رض) وملاحقتهم، فألقوا القبض على بلال الحبشي، مؤذن النبي، وألقوه على ظهره عارياً فوق رمال الصحراء الحامية، ووضعوا حجراً ثقيلاً على بطنه قائلين له: لاتزال كذلك حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللاّت والعزّى.

 

كذلك القوا القبض على ياسر وزوجته وانبهما عمار، وراحوا يعذبونه حتى يردوهم عن دينهم، دون جدوى.

 

واحتمل النبي(ص) كل ذلك بالصبر، واحتسبه عند الله، وكان صلوات الله عليه يقول: “ماأوذي نبي مثل ماأوذيت” ويأمر أصحابه بالصبر والثبات، حتى يأتي الله بأمره ويقول لهم: “قد كان من قبلكم لتمشط بأمشاط الحديد مادون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه… وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما يخاف إلا الله عزوجل”.

 

الهجرة إلى الحبشة ثانية

ولما زادت مضايقات قريش للنبي وأتباعه، رأى النبي(ص) أن يأذن لبعض أتباعه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وظلوا هناك ثلاثة أشهر، عادوا بعدها إلى مكة، ولكن المشركين كانوا لهم بالمرصاد، فعاودوا ملاحقتهم وآذوهم أشد الإيذاء، فأمرهم بالهجرة مجدداً إلى الحبشة، وكانوا هذه المرة ثمانين رجلاً يتقدمهم جعفر بن أبي طالب، وثماني عشرة امرأة تتقدمهن أسماء زوج جعفر، فلما وصلوا إلى الحبشة، استقبلهم ملكها النجاشي النصراني وأحسن معاملتهم.

 

وحاول القرشيون استرجاع المهاجرين، إمعاناً في التضييق عليهم فأرسلوا إلى النجاشي مبعوثين هما عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، وحمّلوهما الهدايا، فاستدعى النجاشي المهاجرين فجاؤوا وجاء معهم جعفر بن أبي طالب، فقال للنجاشي: أيها الملك، كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار… فبعث الله فينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله… وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار.. فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا، ليردونا إلى عبادة الأصنام، واستحلال الخبائث.. فلما قهرونا وظلمونا، خرجنا إلى بلادك… ورجونا ألاّ نظلم عندك.

 

فلما سمع النجاشي قول جعفر هذا، التفت إلى عمرو وعمارة وقال لهما: هذا والذي جاء به عيسى ابن مريم يخرج من مشكاة واحدة..

 

وشعر عمرو وعمارة بالخيبة والهزيمة، فحاولا إثارة فتنة طائفية بين المسلمين والنجاشي، فقالا: إنّ هؤلاء يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد لإلههم.. فسأل النجاشي المسلمين عن هذا الأمر، فأجابه جعفر بن أبي طالب: “مانقول فيه إلا الذي جاء به نبينا، من أنه عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول”. فما كان من النجاشي إلا أن طرد عمراً وعمارة وأبقى المسلمين في بلاده.

 

حصار المشركين للنبي وبني هاشم

حين فشلت قريش في التضييق على أتباع حبيب الله محمد(ص) من المسلمين، وبعد طرد النجاشي لمبعوثيها عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، صبّت حقدها على المسلمين في مكة، واتخذ كبار المشركين، فيما بينهم قراراً يقضي بمقاطعة بني هاشم، ومحاصرتهم في شعب أبي طالب، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في الكعبة، ونصّت على عدم مبايعة بني هاشم أو الزواج منهم أو تزويجهم، وطالبوهم بتسليم النبي محمد(ص) يساندهم في ذلك عمه أبو لهب.

 

ورفض أبو طالب عم النبي وحاميه أن يسلّم لهم ابن أخيه، وأمر بحراسته، فبقي بنو هاشم وحبيب الله محمد معهم في الضيق والعذاب ثلاثة أعوام، شاء الله تعالى أن يمتحنهم بها، حيث أرسل بعدها أرضة أكلت الصحيفة ولم تبق منها غير عبارة: باسمك اللهم.

 

وأوحى الله سبحانه إلى حبيبه محمد (ص) ينبئه بالأمر، فأخبر النبي عمه أبا طالب، فأخبر أبو طالب قريشاً بأمر الصحيفة، فدبّ النزاع بينهم، ولم ينته إلا بفك الحصار عن بني هاشم.

 

النبي (ص) في الطائف

توفي أبو طالب (رض) وبعده بأيام توفيت خديجة زوجة الرسول ففقد حبيب الله بفقدهما سندين قويين لرسالته، فسمى ذلك العام عام الحزن، واغتنم المشركون الفرصة فزادوا من إيذائهم للنبي، فذهب النبي ومعه زيد بن حارثة إلى الطائف، لعله يجد فيها مجالاً لنشر الدين الجديد.

 

وفي الطائف التقى رسول الله(ص) بالزعماء وأصحاب النفوذ فلم يجد منهم إلا كما وجد من زعماء قريش، بل اكثر، فقد سبّوا حبيب الله، وشتموه، وسلطوا عليه الصبيان يرشقونه بالحجارة، حتى أدموا رجليه وشجّوا رأسه الشريف، وكان (ص) يقول: “إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي”.

 

 

ورجع النبي(ص) إلى مكة، وراح يلتقي وفود القبائل التي كانت تأتي للحج، ويعرض عليهم الإسلام، ويتلو عليهم من القرآن الكريم، فيسلم بعضهم ويعودون إلى يثرب يدعون إقاربهم وأصحابهم إلى الإسلام، حتى انتشر الدين الجديد في قومهم، فجاؤوا في العام التالي وبايعوا النبي في العقبة.

 

وأسرى الله بحبيبه محمد(ص) ليلاً من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصا في القدس الشريف، وعاد النبي صباحاً يحدث بما رآه أثناء رحلة الإسراء، واجتمع المشركون عليه يسألونه أن يصف لهم المسجد الأقصا، فيصفه لهم وصفاً دقيقاً. ثم إنه أخبرهم عن قافلة سوف تصل إليهم عند طلوع شمس اليوم التالي.

 

وتحقق ما أنبأ به الرسول الكريم، ولكن المشركين جحدوا وأصروا على مضايقاتهم للمسلمين، فأمر رسول الله(ص) أصحابه بالهجرة إلى يثرب التي عرفت فيما بعد بمدينة الرسول.

 

الهجرة إلى يثرب

عرف المشركون بهجرة أصحاب النبي(ص) إلى يثرب، فتآمروا ليقتلوا النبي(ص) ليلاً، وأنبأ الله حبيبه بما يبيّته المشركون، فأمر(ص) الإمام علي بن أبي طالب(ع) بالمبيت في فراشه، لإيهام المشركين بأن النبي باقٍ في مكة، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه خرج ليلاً يرافقه أبو بكر، قاصدين يثرب، وفي الطريق لجأ إلى غارٍ أمر الله سبحانه العنكبوت أن تنسج خيوها على بابه وأرسل حمامة باضت على تلك الخيوط، حتى بدا الغار وكأنه مهجور منذ زمن بعيد.

 

وعند الصباح، وبعد ما أفشل الله خطة المشركين لقتل حبيبه محمد، وعلموا بخروجه من مكة، لاحقوه إلى خارجها، ولكنهم لم يعثروا له على أثر، حتى وقفوا على باب الغار متحيرين لايعرفون في أي جهة يبحثون، والنبي(ص) وأبو بكر في الغار، وقد تسرب الخوف والحزن إلى قلب أبي بكر، فقال له النبي(ص): {لاتحزن إن الله معنا}.

 

ووصل رسول الله(ص) إلى قبا بالقرب من يثرب، وانتظر قدوم علي بن أبي طالب مع بعض النسوة، وفيهن الزهراء بضعة الرسول(ص)، ودخل الجميع المدينة (يثرب) وهناك بني النبي مسجده المبارك، وخصّص أمكنة لسكن أصحابه، وآخى بينهم وبين الأنصار، وأشاع مفهوم الأخوة في الله بقوله(ص): “إنَّ الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء… أنتم بنو آدم وآدم من تراب”.

 

واتخذ النبي(ص) ابن عمه علي بن أبي طالب أخاً له قائلاً: “أنت أخي في الدنيا والآخرة” وراح (ص) يمارس في المسجد العبادة والاجتماع وإدارة شؤون الأمة والفصل في الخصومات، ووضع الخطط العسكرية، والتعليم وغيرها من الأمور.

 

معارك النبي وغزواته

معركة بدر

كان اليهود يعيشون في المدينة فهادنهم النبي(ص) حتى يتفرع لبناء دولة الاسلام، ونشر الدين الجديد، وفي السنة الثانية للهجرة المباركة، وبعد أن وطّد رسول الله(ص) أركان الدولة، سعى لمحاربة المشركين، فالتقاهم عند بئر بدر حيث دارت بينه وبينهم معركة بدر الكبرى التي استغاث خلالها المسلمون بربهم، فأغاثهم كما حكى ذلك القرآن الكريم: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}.

 

وخسر المشركون أيما خسارة، ومرّغ المسلمون أنف قريش بوحل الهزيمة.

 

معركة أُحد

شعر اليهود والمنافقون بأن المسلمين ازدادوا قوة بعد انتصارهم في بدر، فأخذوا يتحرشون بهم في المدينة، وقد خافوا على سلطانهم وزعاماتهم. ولما ازدادت تحرشاتهم، حذرهم النبي(ص) فاستكبروا، مما اضطر الرسول الكريم لمحاربتهم وإخراجهم من المدينة.

 

أما قريش فلم تتعظ من معركة بدر، فأخذت تعد العدة لمعركة جديدة، فأمر النبي(ص) أصحابه بالخروج إليهم، ودارت بينهم وبين المسلمين معركة في جبل أُحد بالقرب من المدينة، أدّت إلى هزيمة المسلمين وإضعافهم، وتشجيع الأعداء عليهم، وأفسح في المجال لليهود، لحبك مؤامراتهم ودسائسهم.

 

فقد خرج زعماء اليهود إلى مكة، وحرضوا المشركين على قتال المسلمين، وراحوا يقولون للمشركين: “دينكم خير من دين محمد، وأنتم أولى بالحق” فأنزل الله فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا}.

 

معركة الأحزاب (الخندق) وصلح الحديبية

واصل اليهود تأليب قبائل العرب على النبي والمسلمين فأقنعوا بني فزارة، وأشجع، ومرة، وبني سعد، وبني أسد وغيرهم، بمحاربة النبي وأصحابه، فاجتمع عشرة آلاف منهم تحت راية أبي سفيان…

 

علم النبي(ص) بالأمر، فتشاور مع أصحابه، فأشار سلمان الفارسي قائلاً: “إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا” فاستصوب النبي رأي سلمان وبادر مع أصحابه إلى حفر خندق على عجل، حتى أنجزوه في ستة أيام، وعسكروا على مقربة منه، وعسكرت الأحزاب من المشركين واليهود في الجهة المقابلة، دون أن يجرؤوا على اقتحامه.

 

وطال الحصار، فبدأ السأم والملل يتسربان إلى نفوس المشركين، وأرادوا العودة إلى مكة، فعرف اليهود بذلك، فتوجه زعيمهم حيي بن أخطب إلى يهود بني قريظة في المدينة، وأقنعهم بأن ينقضوا ما كانوا عاهدوا النبي عليه، ويدخلوا الحرب ضده مع المشركين.

 

عرف الرسول(ص) بالأمر فأرسل وفداً من المسلمين ليتأكد منه، ولكن اليهود أساؤوا الأدب مع الوفد، وراحوا يشتمون النبي ودينه،… واستبدّ الفزع بالمسلمين: {وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} وبدأ هجوم الأحزاب، فعبر عمرو بن عبد ود العامري الخندق مع نفر من المشركين، فتصدى له علي بن أبي طالب(ع) وأرداه قتيلاً، وبعد مقتل عمرو تطور سير المعركة، وامتنع اليهود عن مساعدة المشركين خوفاً وهلعاً، فاستولى الرعب على المشركين وولوا الأدبار هاربين.

 

إنتصر المسلمون، ولم تعد قريش تفكر بمهاجمتهم، وظلَّ اليهود يتحينون الفرص للغدر وطعن المسلمين من الخلف، فما كان من النبي إلا أن حاصر بني قريظة، وقضى عليهم بعد حصار دام خمسة عشر يوماً، ثم إنه (ص) عقد مع قريش صلح الحديبية لمدة عشر سنوات، ليتفرد بيهود خيبر الذين كانوا يعدون العدة للإنقضاض على المسلمين وهكذا تمّ للنبي (ص) ما أراد من القضاء على اليهود، وضمان حرية المسلمين في الحج إلى بيت الله في مكة.

 

فتح مكة

إستتبّ الأمر لرسول الله(ص) فبدأ بمكاتبة ملوك الدول المجاورة، فكتب إلى قيصر ملك الروم، وكسرى ملك فارس، وزعيم الأقباط بمصر وإلى النجاشي ملك الحبشة، والحارث الغساني ملك دمشق وإلى ملك صنعاء، وملك عُمان وملك البحرين، وغيرهم، فمنهم مَن استجاب لدعوة الله ورسوله إلى الإسلام كالنجاشي ملك الحبشة، وملك البحرين وملك اليمن، ومنهم من رفضها علواً واستكباراً، كملك الروم وملك الفرس وملك دمشق.

 

وبعد انتشار الاسلام بين العرب وغيرهم، اعتدت قبيلة محالفة لقريش على قبيلة محالفة للنبي(ص) فقرّر النبي مقاتلة القرشيين فاستولت المخاوف عليهم، وأرسلوا أبا سفيان لتدارك الأمر، وتقوية العهد مع المسلمين، فلم تفلح جهود أبي سفيان، وعاد يجرجر أذيال الخيبة والخسران.

 

وأرسلت قريش عم النبي(ص) العباس بن عبد المطلب، ليستطلع الأمر، وكان العباس (رض) يبطن الاسلام ويتظاهر بالكفر، فعاد إليهم قائلاً لهم: هذا محمد قد جاءكم بما لاقبل لكم به، فقال أبو سفيان: فما ترى؟ قال: تطلبون الأمان من محمد.

 

قدم أبو سفيان ثانية ومعه العباس على النبي(ص) يطلبان الأمان لقريش، فعرض عليهما الإقرار بأن: لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلم يكن أمام أبي سفيان إلا الإقرار.

 

وأعلن رسول الله(ص) أماناً عاماً لأهل مكة: “مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن”، ثم إنه (ص) دخل مكة ووقف على باب الكعبة قائلاً: “لا إله إلا الله وحدة لاشريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده… يامعشر قريش، ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً… أخٌ كريم وابن أخٍ كريم! فقال(ص): أقول كما قال أخي يوسف: {لاتثريب عليكم اليوم يغفر لكم وهو أرحم الراحمين} إذهبوا فأنتم الطلقاء.

 

وهكذا فتح رسول الله (ص) مكة، وبادر إلى تكسير الأصنام وهو يتلو قوله تعالى: {جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا}.

 

معركة حنين

بلغت أصداء نصر المسلمين في مكة قبيلة هوازن، وعلموا أن النبي(ص) سيتوجه لفتح الطائف، فنظّم زعيمهم جيشاً كبيراً لصدّ المسلمين واتخذوا مواقع لهم على قمم جبال حنين، وعند مضيق الوادي، وفاجأوا النبي وجيشه بالنبال، فاستولى الرعب على قلوب الكثيرين من المسلمين ففروا راجعين، ولم يبقَ مع النبي إلا عليّ بن أبي طالب(ع)، والعباس بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، ونفر من بني هاشم.

 

وتحول النبي وأصحابه إلى الهجوم، وقاتلوا ببسالة نادرة، وثقةٍ بنصر الله لاتتزعزع، فانهزم بنو هوازن، ودخل النبي ومن بقي معه الطائف، حيث أعلن زعيم هوازن مالك بن عوف إسلامه وتتابعت جموع هوازن لاعتناق الإسلام، فردّ النبي عليهم أموالهم وأطلق أسراهم، ثم إنه(ص) واصل مسيره إلى مكة حيث قضى فيها عمرته وعاد إلى المدينة المنورة.

 

وإغتنم الروم فرصة انشغال النبي والمسلمين في المعارك الداخلية، فراحوا يجهزون الجيوش لغزو الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية، فما كان من النبي(ص) إلا أن استنفر المسلمين، وسار بنفسه على رأس جيش لقتال الروم، فما أن وصل إلى تبوك على الحدود الإسلامية الرومانية حتى هربت جموع الروم وولّوا إلى داخل بلادهم.

 

وعاد رسول الله (ص) إلى مدينته المباركة، فأنزل الله سبحانه عليه سورة التوبة، يفضح فيها المنافقين والمتواطئين معهم، ويكشف خططهم للنيل من الاسلام والمسلمين، فأمر النبي(ص) علي بن أبي طالب (ع) بتبليغها في مكة، ثم إنّه (ص) أمر بإحراق مسجد الضرار الذي كان المنافقون قد بنوه قاعدة للنفاق، وبذلك طويت آخر صفحة للشرك في مكة المكرمة في تلك الأيام.

 

إلى الرفيق الأعلى

حلَّ موسم الحج من السنة العاشرة للهجرة المباركة، فدعا خاتم الأنبياء (ص) الناس إلى الحج، وسار بهم قاصداً حجَّ بيت الله الحرام، وبعد أن أدوا مناسكهم وتوجهوا إلى عرفة، وقف حبيب الله فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: “أما بعد أيها الناس… لاأدري لعليّ لا ألقاكم بعد عامي هذا… إنّ دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد… أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولايحل لامرئٍ مال أخيه إلا عن طيب خاطر، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنه نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..أيها الناس إن ربكم واحد، وأباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب”.

 

وفي طريق العودة إلى المدينة نزل الوحي على رسول الله(ص): {يا أيها النبي بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}، فاستوقف النبي الناس عند غدير خم ووقف على أعواد نصبت له، بحيث يراه جميع الحاضرين، وأخذ بيد علي بن أبي طالب(ع)، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، يوشك أن أدعى فأجيب… أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين… فمن كنت مولاه، فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه كيفما دار…”، فقال عمر بن الخطاب: “بخٍ بخٍ لك ياعلي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة”.

 

وعاد خاتم الانبياء(ص) إلى المدينة، وراح يجهز الجيوش للفتح، ولكن المرض داهمه، واشتدّ عليه، ولم يلبث أن انتقل إلى جوار بارئه، ودفن في الحجرة التي توفي فيها.

 

وهكذا خسرت الانسانية بوفاة حبيب الله، شخصيَّةً ملأت الدنيا نوراً وعطاءً، فسلام على خاتم الانبياء حبيب الله محمد وعلى آله الطاهرين،

والحمد لله رب العالمين.





النبي محمد (ص)

14 08 2008

النبي محمد (ص) حبيب الله

 

النبي ممد (ص)

العالم قبل النبي محمد(ص)

بعث الله موسى(ع) نبياً مرسلاً، يهدي الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، ويأمرهم بالعدل، لينقذهم من ظلم الفراعنة والطواغيت، فجاءهم بالتوراة، فيها مالهم وما عليهم.

بعد انتقال موسى(ع) إلى جوار ربه، راح أحبار اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه، ويستغلون الدين لأطماعهم الشخصية، ضاربين عرض الحائط بتعاليم موسى(ع) خصوصاً مابشر به من نبي يأتي من بعده اسمه عيسى.

ولما بعث الله عيسى(ع) لتهذيب الأخلاق وتطهير النفوس، وزرع المحبة بين أبناء البشر، في ظلال عقيدة التوحيد، وليبشر بنبي يأتي بعده إسمه أحمد، دخل جماعة من اليهود في الدين الجديد، وراحوا يعملون على تحريفه واستغلاله، تماماً كما فعلوا بدين موسى(ع)، حتى أصبح تحت تأثير رجال الكنيسة غير المؤمنين، سيفاً مصلتاً على رقاب الناس، خصوصاً المثقفين.

وهكذا، عاشت البشرية انحطاطاً مخيفاً، في شتى شؤونها الحياتية، وساد الظلم والفساد، وعاد الناس إلى الشرك وعبادة الأصنام، وباتوا يؤمنون بالخرافات والأساطير، وكأني بهم يهربون من واقعهم الأليم.

وكان شأن سكان الجزيرة العربية. شأن معظم الناس في ذلك العصر، فسيطر عليهم، ماسيطر على الناس، وسادتهم روح القبلية والنزاع، وعمهم الظلم والفساد والتردي، وباتوا على شفا جرفٍ هارٍ.

الوليد المبارك

بعد ضياع وفساد استمرا ردحاً من الزمن، وفي العام الذي سمي بعام الفيل، ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، في قبيلة قريش في العام سبعين وخمسمئة للميلاد. وكان ذلك الحدث العظيم بعد شهر تقريباً من حادثة أصحاب الفيل، المشهورة.

كان عبد الله بن عبد المطلب، والد محمد، يعمل في التجارة إلى الشام، فوافته المنية أثناء عودته من إحدى رحلاته، وكانت زوجته آمنة بنت وهب، من بني عدي بن النجار، حاملاً، فلم يقدر للوليد الجديد أن يرى أباه.

ولما كان من عادة العرب في مكة أن يسترضعوا لأولادهم نساء أهل البادية، طلباً للفروسية والفصاحة، فقد عرض محمد على مرضعة من قبيلة بني سعد بن بكر اسمها حليمة، فتبرمت به، لكونه يتيماً، ويشاء الله ان ترضعه حليمة، إذ يشير عليها زوجها أن تأخذ الطفل، عسى أن يكون لهما في إرضاعه خير.. وفعلاً، فقد حلّت بركة الوليد المصطفى، في الحي الذي تسكنه حليمة، وعمّ الخير في ربوعه. ويوماً بعد يوم، كانت تظهر عظمة الطفل المبارك، حتى أن حليمة وزوجها كانا يودان أن يبقى محمد عندهما، حتى بعد مابلغ سن الفطام.

ولما بلغ محمد الخامسة من عمره، أعيد إلى حضن أمه آمنة، لترعاه أحسن ماتكون الرعاية. فتأخذه معها إلى أخواله بني النجار في يثرب، حتى وافتها المنية وهي في طريق عودتها، ودفنت في الأبواء بين مكة والمدينة، ومحمد لايزال في السادسة من عمره، فعادت به أم أيمن جارية آمنة إلى جده عبد المطلب.

كفل عبد المطلب محمداً، ووفر له العطف والحنان والعناية اللازمة، لما كان يتوسم فيه من الشأن العظيم، ولكنه توفي ومحمد لايزال في الثامنة من عمره، فتولّى أبو طالب عمّ محمد رعايته، وأحاطه بعناية لم يحظ بها أحد من أبنائه، حتى أنّه كان يصحبه معه في تجارته إلى الشام.

وزاد تعلق أبي طالب بمحمد، بعد أن قال له الراهب بحيرا، وكان عالماً بالتوراة والانجيل، وقد راى محمداً، قال له: إن ابن أخيك هذا نبي هذه الأمة، فاحذر عليه من اليهود.

بلغ محمد مبلغ الشباب، فكان مثالاً لكل الصفات الأخلاقية النبيلة، فوجدت فيه قريش، وكذلك أهل مكة، سيداً من ساداتهم، ومرجعاً لهم في الملمات، وكانت له اليد الطولى في عقد حلف الفضول، لمناصرة المظلومين ومحاربة العدوان من أي مصدر كان.

علامات النبوة

سمعت خديجة بنت خويلد، وهي من أشراف قريش، سمعت بما يتمتع به محمد بن عبد الله، من الصدق والأمانة والأخلاق العالية، فأعجبت به، وودّت لو يبادلها محمد هذا الشعور، فدعته إلى الذهاب في تجارتها إلى الشام. لقاء أجر يعادل ضعفي ماكانت تعطيه للآخرين، فقبل محمد واتّجر لها، فنجحت الرحلة نجاحاً باهراً، وانتهى الأمر بعدها بزواج محمد من خديجة.

ورغم أن خديجة بنت خويلد كانت على أبواب الأربعين من عمرها، فيما كان محمد في ريعان الشباب، فإن زواجهما حقّق أروح تلاحم عاطفي أساسه الحب والاحترام المتبادل، وأثمر عدداً من الأولاد، ذكوراً وإناثاً، إذ ولد لهما القاسم، وبه كان محمد يكنى، ثم إبراهيم، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وعبد الله وفاطمة. ولكن مشيئة الله سبحانه قضت أن لايبقى منهم على قيد الحياة سوى فاطمة.

بعد أن تزوج محمد تركزت شخصيته الاجتماعية، وتعززت وتجلّت يوم اختلاف القبائل في وضع الحجر الأسود، بعد إعادة بناء الكعبة المشرفة، إثر السيل الجارف والحريق اللذين تعرضت لهما.. فما أن طلع عليهم محمد حتى قالوا: هذا الأمين رضينا به حكماً بيننا.. وقصوا عليه ماهم فيه من الخلاف، فما كان منه إلا أن وضع الحجر في ثوب، ثم أمرهم أن تأخذ كل قبيلة منهم بطرف، ليرفعوا الحجر ويضعوه في مكانه فيكون الجميع مشتركين في وضعه.

وبدأت علامات النبوة تظهر على محمد. فها هو ينقطع في غار حراء، شهراً كاملاً، من كل عام، يقضيه في التأمل والتفكر، بعيداً عن الصراعات القبلية والفساد. ولما بلغ الأربعين من العمر، أنزل الله سبحانه جبرائيل(ع) ليتلو على محمد(ص) أول بيان من الرسالة الخاتمة: {إقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. إقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الانسان مالم يعلم}.

كان لهذا البيان العظيم أثره في قلب حبيب الله وفيه نفسه، وهو الذي لم يتعلّم القراءة ولا الكتابة، فعاد إلى بيته، وتدثر في فراشه، فأنزل الله عليه البيان الثاني: {ياأيها المدثّر قم فأنذر وربك فكبّر وثيابك فطهر والرجز فاهجر}.

وهكذا كان الأمر الالهي للنبي محمد (ص) واضحاً بحمل الرسالة، والقيام بأعباء الدعوة إلى الله.

النبي يدعو وقريش تراوغ

عرض رسول الله محمد(ص) دعوته على زوجه خديجة (رض) وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب، فآمنا بها، وتابع النبي دعوته، فآمن معه أربعون شخصاً، أغلبهم من الشباب. فاتخذ النبي(ص) دار الأرقم المخزومي، مركزاً يعلّم فيه المؤمنين القرآن.

وبعد ثلاث سنوات أمر الله سبحانه حبيبه محمداً (ص) بأن {أنذر عشيرتك الأقربين} فدعا النبي عشيرته إلى طعام، وما أن أراد محمد (ص) أن يحدثهم، وكانوا قد علموا بأمره، حتى قاطعه عمه أبو لهب، وحذره من الإستمرار في دعوته.

وانفضّ الاجتماع، قبل أن يتم محمد كلامه، فعاد الأمر الالهي: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} فأعاد (ص) الكرة ثانية فدعا عشيرته وأولم لهم، وماكادوا يفرغون من الطعام، حتى بادرهم عليه الصلاة والسلام بقوله: “يابني عبد المطلب، إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة… وأنا أدعوكم الى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون من النار: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله… أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال(ص): فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد… أنقذوا أنفسكم من النار”.

وقاطعة أبو لهب ثانية، وقال له: تباً لك، ألهذا دعوتنا! فأنزل الله سبحانه على حبيبه: {تبّت يدا أبي لهبٍ وتب. ماأغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد}.

دخل جماعة من قريش في الاسلام، واخذت الدعوة المحمدية تشق طريقها في المجتمع، وراح أنصارها يزدادون يوماً بعد يوم، فاعتبر زعماء قريش أنّ ذلك خطر يتهدد مصالحهم الذاتية وزعاماتهم، وجاهروا بعدائهم للنبي وللإسلام، وسلكوا سبيل الحطّ من شأن الرسول وتكذيب دعوته، وراحوا يهزؤون به قائلين: {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وأعناب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء}.

ولم يكن هذا الأسلوب اللئيم في المحاربة، ليثني النبي العظيم عن تبليغ رسالة ربه، وواصل دعوته بإصرار غير مكترث بسخرية زعماء قريش، فعمدوا، كما يعمد أعداء الله اليوم، إلى التضليل الاعلامي، وترويج الاشاعات الكاذبة، ضد النبي وأتباعه، فمرة يصفونه بالكذاب، وأخرى بالشاعر، وثالثة بالساحر، حتى بلغت إشاعاتهم الحبشة وسواها، وهم يهدفون إلى عزل جبيب الله عن المجتمع، وإبعاد القاعدة الشعبية عنه وعن الدين الجديد.

ولم تنفع كل تلك الإشاعات والإفتراءات وأساليب التضليل، وظلَّ الناس يتهافتون على النبي(ص) تهافت الفراش على النور، فلجأ زعماء قريش إلى أسلوب الإغراء والمساومة، فأرسلوا عتبة بن ربيعة ليقول للنبي(ص): يابن أخي، إن كنت تريد بما جئت به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد بما جئت به شرفاً، سودناك علينا، حتى لاينقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملّكناك علينا.

وجاء الردّ من النبي(ص) فقال: “أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. فقال(ص): فاسمع مني: {حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لايسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل فاننا عاملون}.

وتابع النبي(ص) حتى بلغ موضع السجدة فسجد، وعتبة يسمع ويرى، ثم قال عليه الصلاة والسلام: قد سمعت يا أبا الوليد ماسمعت، فأنت وذاك”.

عاد عتبة مرتبكاً، فرآه أصحابه فقالوا: لقد عاد أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فقال لهم: “إني قد سمعت وقولاً، والله ماسمعت مثله قط… والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة”. وراح عتبة يدعوهم إلى التخلي عن مواجهة النبي، وتركه وشأنه، فقالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.

ثم إنّ زعماء قريش أرسلوا إلى النبي(ص) وفداً منهم، ليعرضوا عليه المغريات فما كان قوله إلا أن قال: “ماجئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم”.

قريش تؤذي النبي وأصحابه

لم تؤثر إغراءات زعماء قريش في النبي محمد(ص) وتابع دعوته وتهزئ أوثانهم، فلجأوا إلى أسلوب الضغط والحصار… فجاؤوا إلى عمه أبي طالب وقالوا له: والله لانصبر على تسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنّا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين.

وفاتح أبو طالب ابن أخيه بالأمر فقال النبي(ص): “ياعمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري. على أن أترك هذا الأمر، ماتركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه”.

رأى زعماء قريش صلابة موقف النبي واستعداده للتضحية، حتى بحياته في سبيل الله، فرجموا بيته بالحجارة، ووضعوا الشوك في طريقه، وألقوا التراب على رأسه، وسلطوا صبيانهم ومجانينهم عليه، يلاحقونه، كما عمدوا إلى إيذاء أصحابه(رض) وملاحقتهم، فألقوا القبض على بلال الحبشي، مؤذن النبي، وألقوه على ظهره عارياً فوق رمال الصحراء الحامية، ووضعوا حجراً ثقيلاً على بطنه قائلين له: لاتزال كذلك حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللاّت والعزّى.

كذلك القوا القبض على ياسر وزوجته وانبهما عمار، وراحوا يعذبونه حتى يردوهم عن دينهم، دون جدوى.

واحتمل النبي(ص) كل ذلك بالصبر، واحتسبه عند الله، وكان صلوات الله عليه يقول: “ماأوذي نبي مثل ماأوذيت” ويأمر أصحابه بالصبر والثبات، حتى يأتي الله بأمره ويقول لهم: “قد كان من قبلكم لتمشط بأمشاط الحديد مادون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه… وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما يخاف إلا الله عزوجل”.

الهجرة إلى الحبشة ثانية

ولما زادت مضايقات قريش للنبي وأتباعه، رأى النبي(ص) أن يأذن لبعض أتباعه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وظلوا هناك ثلاثة أشهر، عادوا بعدها إلى مكة، ولكن المشركين كانوا لهم بالمرصاد، فعاودوا ملاحقتهم وآذوهم أشد الإيذاء، فأمرهم بالهجرة مجدداً إلى الحبشة، وكانوا هذه المرة ثمانين رجلاً يتقدمهم جعفر بن أبي طالب، وثماني عشرة امرأة تتقدمهن أسماء زوج جعفر، فلما وصلوا إلى الحبشة، استقبلهم ملكها النجاشي النصراني وأحسن معاملتهم.

وحاول القرشيون استرجاع المهاجرين، إمعاناً في التضييق عليهم فأرسلوا إلى النجاشي مبعوثين هما عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، وحمّلوهما الهدايا، فاستدعى النجاشي المهاجرين فجاؤوا وجاء معهم جعفر بن أبي طالب، فقال للنجاشي: أيها الملك، كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار… فبعث الله فينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله… وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار.. فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا، ليردونا إلى عبادة الأصنام، واستحلال الخبائث.. فلما قهرونا وظلمونا، خرجنا إلى بلادك… ورجونا ألاّ نظلم عندك.

فلما سمع النجاشي قول جعفر هذا، التفت إلى عمرو وعمارة وقال لهما: هذا والذي جاء به عيسى ابن مريم يخرج من مشكاة واحدة..

وشعر عمرو وعمارة بالخيبة والهزيمة، فحاولا إثارة فتنة طائفية بين المسلمين والنجاشي، فقالا: إنّ هؤلاء يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد لإلههم.. فسأل النجاشي المسلمين عن هذا الأمر، فأجابه جعفر بن أبي طالب: “مانقول فيه إلا الذي جاء به نبينا، من أنه عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول”. فما كان من النجاشي إلا أن طرد عمراً وعمارة وأبقى المسلمين في بلاده.

حصار المشركين للنبي وبني هاشم

حين فشلت قريش في التضييق على أتباع حبيب الله محمد(ص) من المسلمين، وبعد طرد النجاشي لمبعوثيها عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، صبّت حقدها على المسلمين في مكة، واتخذ كبار المشركين، فيما بينهم قراراً يقضي بمقاطعة بني هاشم، ومحاصرتهم في شعب أبي طالب، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في الكعبة، ونصّت على عدم مبايعة بني هاشم أو الزواج منهم أو تزويجهم، وطالبوهم بتسليم النبي محمد(ص) يساندهم في ذلك عمه أبو لهب.

ورفض أبو طالب عم النبي وحاميه أن يسلّم لهم ابن أخيه، وأمر بحراسته، فبقي بنو هاشم وحبيب الله محمد معهم في الضيق والعذاب ثلاثة أعوام، شاء الله تعالى أن يمتحنهم بها، حيث أرسل بعدها أرضة أكلت الصحيفة ولم تبق منها غير عبارة: باسمك اللهم.

وأوحى الله سبحانه إلى حبيبه محمد (ص) ينبئه بالأمر، فأخبر النبي عمه أبا طالب، فأخبر أبو طالب قريشاً بأمر الصحيفة، فدبّ النزاع بينهم، ولم ينته إلا بفك الحصار عن بني هاشم.

النبي (ص) في الطائف

توفي أبو طالب (رض) وبعده بأيام توفيت خديجة زوجة الرسول ففقد حبيب الله بفقدهما سندين قويين لرسالته، فسمى ذلك العام عام الحزن، واغتنم المشركون الفرصة فزادوا من إيذائهم للنبي، فذهب النبي ومعه زيد بن حارثة إلى الطائف، لعله يجد فيها مجالاً لنشر الدين الجديد.

وفي الطائف التقى رسول الله(ص) بالزعماء وأصحاب النفوذ فلم يجد منهم إلا كما وجد من زعماء قريش، بل اكثر، فقد سبّوا حبيب الله، وشتموه، وسلطوا عليه الصبيان يرشقونه بالحجارة، حتى أدموا رجليه وشجّوا رأسه الشريف، وكان (ص) يقول: “إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي”.

ورجع النبي(ص) إلى مكة، وراح يلتقي وفود القبائل التي كانت تأتي للحج، ويعرض عليهم الإسلام، ويتلو عليهم من القرآن الكريم، فيسلم بعضهم ويعودون إلى يثرب يدعون إقاربهم وأصحابهم إلى الإسلام، حتى انتشر الدين الجديد في قومهم، فجاؤوا في العام التالي وبايعوا النبي في العقبة.

وأسرى الله بحبيبه محمد(ص) ليلاً من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصا في القدس الشريف، وعاد النبي صباحاً يحدث بما رآه أثناء رحلة الإسراء، واجتمع المشركون عليه يسألونه أن يصف لهم المسجد الأقصا، فيصفه لهم وصفاً دقيقاً. ثم إنه أخبرهم عن قافلة سوف تصل إليهم عند طلوع شمس اليوم التالي.

وتحقق ما أنبأ به الرسول الكريم، ولكن المشركين جحدوا وأصروا على مضايقاتهم للمسلمين، فأمر رسول الله(ص) أصحابه بالهجرة إلى يثرب التي عرفت فيما بعد بمدينة الرسول.

الهجرة إلى يثرب

عرف المشركون بهجرة أصحاب النبي(ص) إلى يثرب، فتآمروا ليقتلوا النبي(ص) ليلاً، وأنبأ الله حبيبه بما يبيّته المشركون، فأمر(ص) الإمام علي بن أبي طالب(ع) بالمبيت في فراشه، لإيهام المشركين بأن النبي باقٍ في مكة، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه خرج ليلاً يرافقه أبو بكر، قاصدين يثرب، وفي الطريق لجأ إلى غارٍ أمر الله سبحانه العنكبوت أن تنسج خيوها على بابه وأرسل حمامة باضت على تلك الخيوط، حتى بدا الغار وكأنه مهجور منذ زمن بعيد.

وعند الصباح، وبعد ما أفشل الله خطة المشركين لقتل حبيبه محمد، وعلموا بخروجه من مكة، لاحقوه إلى خارجها، ولكنهم لم يعثروا له على أثر، حتى وقفوا على باب الغار متحيرين لايعرفون في أي جهة يبحثون، والنبي(ص) وأبو بكر في الغار، وقد تسرب الخوف والحزن إلى قلب أبي بكر، فقال له النبي(ص): {لاتحزن إن الله معنا}.

ووصل رسول الله(ص) إلى قبا بالقرب من يثرب، وانتظر قدوم علي بن أبي طالب مع بعض النسوة، وفيهن الزهراء بضعة الرسول(ص)، ودخل الجميع المدينة (يثرب) وهناك بني النبي مسجده المبارك، وخصّص أمكنة لسكن أصحابه، وآخى بينهم وبين الأنصار، وأشاع مفهوم الأخوة في الله بقوله(ص): “إنَّ الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء… أنتم بنو آدم وآدم من تراب”.

واتخذ النبي(ص) ابن عمه علي بن أبي طالب أخاً له قائلاً: “أنت أخي في الدنيا والآخرة” وراح (ص) يمارس في المسجد العبادة والاجتماع وإدارة شؤون الأمة والفصل في الخصومات، ووضع الخطط العسكرية، والتعليم وغيرها من الأمور.

معارك النبي وغزواته

معركة بدر

كان اليهود يعيشون في المدينة فهادنهم النبي(ص) حتى يتفرع لبناء دولة الاسلام، ونشر الدين الجديد، وفي السنة الثانية للهجرة المباركة، وبعد أن وطّد رسول الله(ص) أركان الدولة، سعى لمحاربة المشركين، فالتقاهم عند بئر بدر حيث دارت بينه وبينهم معركة بدر الكبرى التي استغاث خلالها المسلمون بربهم، فأغاثهم كما حكى ذلك القرآن الكريم: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}.

وخسر المشركون أيما خسارة، ومرّغ المسلمون أنف قريش بوحل الهزيمة.

معركة أُحد

شعر اليهود والمنافقون بأن المسلمين ازدادوا قوة بعد انتصارهم في بدر، فأخذوا يتحرشون بهم في المدينة، وقد خافوا على سلطانهم وزعاماتهم. ولما ازدادت تحرشاتهم، حذرهم النبي(ص) فاستكبروا، مما اضطر الرسول الكريم لمحاربتهم وإخراجهم من المدينة.

أما قريش فلم تتعظ من معركة بدر، فأخذت تعد العدة لمعركة جديدة، فأمر النبي(ص) أصحابه بالخروج إليهم، ودارت بينهم وبين المسلمين معركة في جبل أُحد بالقرب من المدينة، أدّت إلى هزيمة المسلمين وإضعافهم، وتشجيع الأعداء عليهم، وأفسح في المجال لليهود، لحبك مؤامراتهم ودسائسهم.

فقد خرج زعماء اليهود إلى مكة، وحرضوا المشركين على قتال المسلمين، وراحوا يقولون للمشركين: “دينكم خير من دين محمد، وأنتم أولى بالحق” فأنزل الله فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا}.

معركة الأحزاب (الخندق) وصلح الحديبية

واصل اليهود تأليب قبائل العرب على النبي والمسلمين فأقنعوا بني فزارة، وأشجع، ومرة، وبني سعد، وبني أسد وغيرهم، بمحاربة النبي وأصحابه، فاجتمع عشرة آلاف منهم تحت راية أبي سفيان…

علم النبي(ص) بالأمر، فتشاور مع أصحابه، فأشار سلمان الفارسي قائلاً: “إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا” فاستصوب النبي رأي سلمان وبادر مع أصحابه إلى حفر خندق على عجل، حتى أنجزوه في ستة أيام، وعسكروا على مقربة منه، وعسكرت الأحزاب من المشركين واليهود في الجهة المقابلة، دون أن يجرؤوا على اقتحامه.

وطال الحصار، فبدأ السأم والملل يتسربان إلى نفوس المشركين، وأرادوا العودة إلى مكة، فعرف اليهود بذلك، فتوجه زعيمهم حيي بن أخطب إلى يهود بني قريظة في المدينة، وأقنعهم بأن ينقضوا ما كانوا عاهدوا النبي عليه، ويدخلوا الحرب ضده مع المشركين.

عرف الرسول(ص) بالأمر فأرسل وفداً من المسلمين ليتأكد منه، ولكن اليهود أساؤوا الأدب مع الوفد، وراحوا يشتمون النبي ودينه،… واستبدّ الفزع بالمسلمين: {وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} وبدأ هجوم الأحزاب، فعبر عمرو بن عبد ود العامري الخندق مع نفر من المشركين، فتصدى له علي بن أبي طالب(ع) وأرداه قتيلاً، وبعد مقتل عمرو تطور سير المعركة، وامتنع اليهود عن مساعدة المشركين خوفاً وهلعاً، فاستولى الرعب على المشركين وولوا الأدبار هاربين.

إنتصر المسلمون، ولم تعد قريش تفكر بمهاجمتهم، وظلَّ اليهود يتحينون الفرص للغدر وطعن المسلمين من الخلف، فما كان من النبي إلا أن حاصر بني قريظة، وقضى عليهم بعد حصار دام خمسة عشر يوماً، ثم إنه (ص) عقد مع قريش صلح الحديبية لمدة عشر سنوات، ليتفرد بيهود خيبر الذين كانوا يعدون العدة للإنقضاض على المسلمين وهكذا تمّ للنبي (ص) ما أراد من القضاء على اليهود، وضمان حرية المسلمين في الحج إلى بيت الله في مكة.

فتح مكة

إستتبّ الأمر لرسول الله(ص) فبدأ بمكاتبة ملوك الدول المجاورة، فكتب إلى قيصر ملك الروم، وكسرى ملك فارس، وزعيم الأقباط بمصر وإلى النجاشي ملك الحبشة، والحارث الغساني ملك دمشق وإلى ملك صنعاء، وملك عُمان وملك البحرين، وغيرهم، فمنهم مَن استجاب لدعوة الله ورسوله إلى الإسلام كالنجاشي ملك الحبشة، وملك البحرين وملك اليمن، ومنهم من رفضها علواً واستكباراً، كملك الروم وملك الفرس وملك دمشق.

وبعد انتشار الاسلام بين العرب وغيرهم، اعتدت قبيلة محالفة لقريش على قبيلة محالفة للنبي(ص) فقرّر النبي مقاتلة القرشيين فاستولت المخاوف عليهم، وأرسلوا أبا سفيان لتدارك الأمر، وتقوية العهد مع المسلمين، فلم تفلح جهود أبي سفيان، وعاد يجرجر أذيال الخيبة والخسران.

وأرسلت قريش عم النبي(ص) العباس بن عبد المطلب، ليستطلع الأمر، وكان العباس (رض) يبطن الاسلام ويتظاهر بالكفر، فعاد إليهم قائلاً لهم: هذا محمد قد جاءكم بما لاقبل لكم به، فقال أبو سفيان: فما ترى؟ قال: تطلبون الأمان من محمد.

قدم أبو سفيان ثانية ومعه العباس على النبي(ص) يطلبان الأمان لقريش، فعرض عليهما الإقرار بأن: لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلم يكن أمام أبي سفيان إلا الإقرار.

وأعلن رسول الله(ص) أماناً عاماً لأهل مكة: “مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن”، ثم إنه (ص) دخل مكة ووقف على باب الكعبة قائلاً: “لا إله إلا الله وحدة لاشريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده… يامعشر قريش، ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً… أخٌ كريم وابن أخٍ كريم! فقال(ص): أقول كما قال أخي يوسف: {لاتثريب عليكم اليوم يغفر لكم وهو أرحم الراحمين} إذهبوا فأنتم الطلقاء.

وهكذا فتح رسول الله (ص) مكة، وبادر إلى تكسير الأصنام وهو يتلو قوله تعالى: {جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا}.

معركة حنين

بلغت أصداء نصر المسلمين في مكة قبيلة هوازن، وعلموا أن النبي(ص) سيتوجه لفتح الطائف، فنظّم زعيمهم جيشاً كبيراً لصدّ المسلمين واتخذوا مواقع لهم على قمم جبال حنين، وعند مضيق الوادي، وفاجأوا النبي وجيشه بالنبال، فاستولى الرعب على قلوب الكثيرين من المسلمين ففروا راجعين، ولم يبقَ مع النبي إلا عليّ بن أبي طالب(ع)، والعباس بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، ونفر من بني هاشم.

وتحول النبي وأصحابه إلى الهجوم، وقاتلوا ببسالة نادرة، وثقةٍ بنصر الله لاتتزعزع، فانهزم بنو هوازن، ودخل النبي ومن بقي معه الطائف، حيث أعلن زعيم هوازن مالك بن عوف إسلامه وتتابعت جموع هوازن لاعتناق الإسلام، فردّ النبي عليهم أموالهم وأطلق أسراهم، ثم إنه(ص) واصل مسيره إلى مكة حيث قضى فيها عمرته وعاد إلى المدينة المنورة.

وإغتنم الروم فرصة انشغال النبي والمسلمين في المعارك الداخلية، فراحوا يجهزون الجيوش لغزو الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية، فما كان من النبي(ص) إلا أن استنفر المسلمين، وسار بنفسه على رأس جيش لقتال الروم، فما أن وصل إلى تبوك على الحدود الإسلامية الرومانية حتى هربت جموع الروم وولّوا إلى داخل بلادهم.

وعاد رسول الله (ص) إلى مدينته المباركة، فأنزل الله سبحانه عليه سورة التوبة، يفضح فيها المنافقين والمتواطئين معهم، ويكشف خططهم للنيل من الاسلام والمسلمين، فأمر النبي(ص) علي بن أبي طالب (ع) بتبليغها في مكة، ثم إنّه (ص) أمر بإحراق مسجد الضرار الذي كان المنافقون قد بنوه قاعدة للنفاق، وبذلك طويت آخر صفحة للشرك في مكة المكرمة في تلك الأيام.

إلى الرفيق الأعلى

حلَّ موسم الحج من السنة العاشرة للهجرة المباركة، فدعا خاتم الأنبياء (ص) الناس إلى الحج، وسار بهم قاصداً حجَّ بيت الله الحرام، وبعد أن أدوا مناسكهم وتوجهوا إلى عرفة، وقف حبيب الله فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: “أما بعد أيها الناس… لاأدري لعليّ لا ألقاكم بعد عامي هذا… إنّ دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد… أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولايحل لامرئٍ مال أخيه إلا عن طيب خاطر، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنه نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..أيها الناس إن ربكم واحد، وأباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب”.

وفي طريق العودة إلى المدينة نزل الوحي على رسول الله(ص): {يا أيها النبي بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}، فاستوقف النبي الناس عند غدير خم ووقف على أعواد نصبت له، بحيث يراه جميع الحاضرين، وأخذ بيد علي بن أبي طالب(ع)، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، يوشك أن أدعى فأجيب… أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين… فمن كنت مولاه، فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه كيفما دار…”، فقال عمر بن الخطاب: “بخٍ بخٍ لك ياعلي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة”.

وعاد خاتم الانبياء(ص) إلى المدينة، وراح يجهز الجيوش للفتح، ولكن المرض داهمه، واشتدّ عليه، ولم يلبث أن انتقل إلى جوار بارئه، ودفن في الحجرة التي توفي فيها.

وهكذا خسرت الانسانية بوفاة حبيب الله، شخصيَّةً ملأت الدنيا نوراً وعطاءً، فسلام على خاتم الانبياء حبيب الله محمد وعلى آله الطاهرين،

والحمد لله رب العالمين.





النبي عيسى (ع)

14 08 2008

النبي عيسى (ع) روح الله

النبي عيسى (ع)

 

ولادة عيسى :

العذراءُ مريمُ تعتكفُ (أي: تعتزل الناس للعبادة). فهي منصرفةً ألى صلاتها وتنسُّكها وخشوع وجهها لله بابتهال ودعاء! لقد اعتزلت أهلها، واتّخذت من دونهم ستراً، فلا تراها عين.

وفجأة، تضطرب نفسها الصافية، برهبةٍ وخوفٍ لم تجد لهما تفسيراً، ولاتأويلاً!. وإنها كذلك، وإذ بملاكٍ كريمٍ، في هيئة إنسان سويٍّ، يقتحم عليها خلوتها، فيكر عليا صفاء وحدتها، ويقطعها عما هي فيه من عبادة وصلاة!.

فترتاع… وتحاول الفرار بنفسها، وهي البتول الطهور!.

ويومئُ إليها الملاكُ بألاّ تخاف ولاترتاع. ويقترب منها وئيداً، فتستعيذ منه بالرحمن، وقد استطارت نفسها شعاعاً! (أي خافت خوفاً شديداً)

وهدأ روعُها بعد قليل، ولكن الحيرة عصفت بها من جديد، عندما أفصح الملاك عمَّا أرسل إليه: {.. إنّما أنا رسول ربك لأهب لكِ غُلاماً زكياً}.

- غلام؟… ياللفضيحة، والعار!.. وماذا سيقول عنها قومها، وهي الشريفة النفس، الكريمة الأصل، الطيبة الأرومة، الطاهرة أباً وأماً!؟..

ثم، أنّى يكون لها غلام وهي الناسكة المتعبدة، البتول العذراء، لاتعرف من وجوه الرجال إلاّ زوج خالتها النبي زكريَّا، وكان قد كفلها عندما كانت بعدُ صغيرةً، وبعض الأخيار الأبرار، الذين نذروا أنفسهم لله وعبادته وخدمة المؤمنين!..

وتعود إليها رباطةُ جأشها، فهي أمام رسول ربِّها إليها، فلم الارتياع؟

وتسألُ: {.. أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر؟..}

قال الملاكُ: {كذلك قال ربُّك هو عليّ هيِّن. ولنجعله آية للناس، ورحمة منا..}

وتمت كلمةُ ربك! ويختفي الملاك عن الانظار، بعد أن قام بما أمر به، {.. وكان أمراً مقضيا!}.. ويعود القلقُ والاضطرابُ يتأكّلان نفس العذراء البتول، تأكُّلاً!.

وتتصور ألسنة الناس تلوك سمعتها، وعفافها، وطهرها، وهم يقذفون بفاحش القول، وبهتان وافتراء، فينعصر قلبُها، ويغلي دماغها،.. فكيف ستُدافع عن نفسها، وتثبت للناس براءَتها؟..

وتعود إلى منزلها، وقد ضاقت عليها آفاق الدنيا بما رحُبت..

وتقبع العذراء في منزلها، لاتغادره إلاّ لماماً (أي: قليلاً).

وتجد في العبادة سلوى تخفف ماينتابُها من مقلقات الهموم، وعزاءً ينسيها ما ينمو في أحشائِها من “كلمة الله” الذي إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون!.. وهكذا تقبل مريم على عبادة ربها إقبال الغريق على خشبة الخلاص، وتستغرق في عبادتها استغراقاً ينسيها نفسها، والعالمين،.. ولكن، إلى حين!..

فها هي ذي الأيام تمر مرّ السحاب!.. وها هو ذا اليوم الموعود. فمريم تعاني آلام المخاض!.. وتفرُّ العذراء بنفسها من قريتها إلى البريّة، بعيداً عن الناس، وأعين الرقباء، وألسنة السوء.. فلعلّ الله يجعل لها من أمرها فرجاً ومخرجاً!..

ويُلجئها المخاض إلى جذع نخلة يابسة، فتضع غلاماً يتلألأ جبينه نوراً!..

وتعاودُها الوساوس والهواجس، فما العمل؟. وكيف ستُقابل قومها بهذا المولود الجديد؟.

فتتمتم بالتياع وحرقة: {.. ياليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً!} ويدركها مايدرك النفساء من وهن، بعد ان تضع..

إن جسمها الطريَّ ليذوي، كنديِّ النبت الغضِّ في لافح الهجير… فقواها في اضمحلال، ونفسُها في شتات.. وتحاول البكاء، فلا تقطر من مقلتها دمعة واحدة. إن دموعها لم تجف، ولكنها أصيبت بما يشبهُ الاحتراق.. وفجأةً، تعود إليها نفسُها عندما تسمعُ صوتاً يناديها من تحتها، بأنسٍ رقيقٍ، وحنانٍ رفيق:

- {.. ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً. وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً. فكُلي واشربي، وقري عيناً!..}

وتمتد يد البتول الى النخلة، وقد كانت قبل سويعة جرداء يابسة لاتصلح إلا للنار، فإذا هي الآن مونعة مورقة، تحمل يانع الثمر، فتهزّها، فيتساقط أمامها الرطبُ(التمر في أوله)، فتأكلُ منه، وتمدُ يدها الى الماء الذي تفجر من تحتها، سلسبيلاً عذباً فتغترف منه وتشرب، وتحمدُ الله، وتشكره، مسلمةً اليه أمرها، قائلة في نفسها:

أليس هذا دليلاً على عصمتي من كل ريبة، وآية من آيات الله البينات؟..

وتحمل وليدها، ويعاودها التساؤل كالسوط يلسع منها العقل والوجدان، فيهتز خاطرها اهتزازاً عنيفاً،..

- كيف ستقابلين قومك بهذا المولود العجيب الولادة حقاً؟.. وهل هم من البساطة لدرجة تصديق دعواك بالسهولة المتوخاة؟

وهل في الدنيا كلها، من قبل ومن بعد، أمٌ دون زوج، وولد دون أب؟

ولكن الله تعالى كفاها مؤونة الجواب: فما عليها إلا أن تلوذ بالصمت، وفاء بنذر صيام عن الكلام:

- {.. فإما ترين من البشر أحداً فقُولي: إني نذرتُ للرحمن صوماً فلن أُكلِّم اليوم إنسيَّاً!}.

واطمأنت إلى هذا الموقف بعض اطمئنانٍ، وارتاحت إليه راحةً يسيرةً.

المعجزة :

{فأتت به قومها تحمله..} متعثرة الخُطى، مضطربة، وجبينها الطهور يندى عرقاً بارداً، فالخطبُ جلل!.. ورماها قومُها بنظرات استهجانٍ واستغراب، وصاحوا مندهشين:

- ماهذا يامريم؟.. لقد جئت شيئاً فريّاً، وأنت الطاهرة المطهرة أصولاً وفروعاً!..

وكاد لسانها يتحركُ، ليدفع عنها تهمة السوء، وفرية الفحشاء. ولكنها استدركت ذلك، فهي صائمة عن الكلام، لا تلكمُ إنسيّا!

وبالتالي، فهي ليست على استعداد للخوض في نقاش وجدل، لايجلبان لها نفعاً، ولايدفعان عنها ضراً!. فأشارت إلى الوليد في مهده. يلفه قِماط، وكأنها تقول لهم: اسألوه!.

فجحظت عيونهم، وتساؤلوا ساخرين: {.. كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟}

وتقع المعجزة:..

فإذا بالوليد ينطق في مهده، ولكنه لايدفع عن امه تهمة، ولا يثبت لها براءة، ولايرد عليهم سوء مقال، بل يخبرهم بلسان طلق مبين، بأنه من عباد الله المكرمين، وأنبيائه المجتبين، ورسله المباركين، أوصاه الله بالصلاة وبالزكاة، وببر أمه الصديقة الطاهرة.

قال: {إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا. وجعلني مباركاً اين ماكنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا. وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً. والسلام عليّ يوم ولدت، ويوم أموت ويوم أُبعثُ حيَّا!..}

فحق عليهم القولُ، ولزمتهم الحجة البالغة، والبرهان الدامغ، يدحضان (أي: يدفعان ويبطلان) كل بهتان، ويصفعان كل اجتراء!..

ولكن،.. هل آمنوا وصدَّقوا؟..

ويأتي الجواب بالنفي، بطبيعة الحال – فبنوا إسرائيل طبعوا على اللجاج والسفاهة، والمكابرة والعناد. لاتقنعهم الحجة، مهما بلغت من إعجاز لايكون إلاّ سماوياً!..

أولم يلاق موسى، من قبل، كل مكابرة منهم، وتعنت وضلال؟..

فلم يؤمنوا بإعجاز هذا الوليد الذي أنطقهُ الله في المهد، ولما يرتو من لبن أمه، بعد، كما أنهم لم يؤمنوا بطهارة أمه الصديقة البتول، فانطلقت السنتهم ببهتان وافتراء، وسوء قيل وقال!..

النبوّة :

وشبَّ عيسى، كما يشب بقية الفتيان، ولكن مخايل النجابة، وسيماء الكرامة (أي: مظاهرها ودلائلها) بدتا عليه، فظهر مهاباً!..

وكان أثناء لعبه مع أترابه، ومخالطته إيّاهم، يحدثهم بما لا تقوى على فهمه عقولهم، وينبئهم بما يأكلون، ومايدّخرون في بيوتهم.

وعندما كان يجلس أمام استاذه في الكتّاب، كان يلحظ كل شاردة وواردة، ويحفظ كل حاضرة وغائبة. فيجد فيه استاذه فتى خارقاً!..

وعندما بلغ الثانية عشرة من سنيّه، صحبته أمّه الى بيت المقدس، حيث استهوته مجالس العلم والعلماء. فكان يحرص على شهودها حرصاً شديداً، مصغياً، متأملاً، مفكّراً… ثم مناقضاً وكأنه يغترف العلم، من البحر، اغترافاً!.. فكان يرد على أحبار اليهود مسفّهاً ما كانوا يعلّمونه عامّة الناس من زخرف القول وزوره، ومبهرج الكلام وباطله، اللذين يخفيان خلفهما ضلالاً كبيراً، وغيّاً عظيماً.. فيقارعهم، ويحجهم،.. فيصمتون مبهورين، وقد علت وجوههم علائم الانكسار..

ويتطلع الناس إليه،… وإليهم، مستغربين!. فيالهذا الفتى في حكمة أجلاء الشيوخ وعلمائهم الأفذاذ!.. وكثيراً ما كان ينسى عيسى كل ماحوله، حتى نفسه، ينساها، فهو في حجاج، مع هؤلاء الاحبار، مستمر، قلّما يهدأ، أو ينقطع، حتى أنه نغص عليهم مجالسهم، فكادوا أن يعافوها!.. وتمضي عليه، وهو في هذا الحال، أيام كثيرة، وشهور..

وتفتقده أمه في كل مكان فلا تعثر له على أثر. فيجن صوابها!..

وبينما هي كذلك، وإذ بابنها بين زمرة علماء، علت صدورهم لحىً كثّة بيضاءُ بيضاء، وهو يناقشهم، بصوت يشيع فيه صادق البرهان، وساطع الحجة والبيان،.. وقد اصفرت منهم وجه. واحمرت عيون، فتخاف عليه سوء العواقب، وتحذر عليه يداً أثيمة تناله بسوء… فتضمه اليها، وتعود به إلى “الناصرة”، مدارج طفولته، وملاعب صباه، بعيداً عن مكامن الخطر والأذى، والعثرات!..

ولما بلغ عيسى الثلاثين من سنّيه المباركة، صدع بأمر الله عزوجلّ، معلناً نبوّته في بني اسرائيل… مفنّداً (أي: مظهراً باطل..) ماهم عليه من كفرٍ وضلال، داعياً إياهم إلى العودة الى الأصول الأولى، والينابيع الصافية، في مصادرها.. والى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

وأخذ يُبيّن لعامة الشعب ماقام به كبار أحبارهم من تزييف لشريعة موسى السمحاء، وتحريف لها. ابتعاء عرض الحياة الدنيا، وتهافتاً على الذهب يكنزونه في خزائنهم، دون أن يعطوا فقراء خلق الله منه شيئاً، بل يسلبون منهم الدينار والدرهم باسم الدين، وخدمة الهيكل!.

وجنّ جنون أحبار بني اسرائيل!.. فما لهذا المبعوث يرميهم بكل فضيحة ونقيصة تقصمان (أي: تقطعان) الظهور؟.. واجمعوا على تكذيبه، ومناوأته.. وألبوا عليه أوغادهم وجهالهم، فما استطاعوا أن ينالوا منه، ويحطوا من شأنه،.. بل كان الأمر على النقيض من ذلك، فلقد ازداد سموّاً وعلوّاً وتحلّق حوله أشياع وأتباع، وتلامذةٌ ومريدون.

آيات ومعجزات :

ويطالب أحبار بني إسرائيل عيسى بالآيات والمعجزات، فلكل نبي أياته ومعجزاته وبيّناته!.. وينهض عيسى لما يطلبون:

- فكان يخبرهم بما يأكلون، ومايدّخرون..

- وكان يصنع لهم من الطين كهيئة الطير، (تمثال طير من طين)، ثم ينفخ فيه،.. فإذا به طائر، من لحم ودم، يطير، محلقاً في الأجواء!..

- وكانوا يأتونه بالرجل منهم، يكون أعمى منذ ولادته، فيمسح على عينيه، فيرتد بصيراً…

- وبالأبرص قد شوّه البرص وجهه، فيمسح على وجهه، فإذا به وسيمُ الوجه، جميل الصورة…

- وكانوا يأتون به إلى الميت، منذ ساعات، أو أيام،.. فيدعو فوق رأسه، فينهض حيّاً!..

- وكان يمشي، أمام بعضهم، أو بعض تلامذته، على الماء، وكأنه يتجول في بستان، ويعود اليهم دون ان تبتل له قدم!.

يفعل ذلك كله، أمام من حضر، مؤكداً أمام الجميع بأن ذلك بأمر الله، وباسمه،.. داعياً إيّاهم إلى الايمان برب السموات والارض، والإقلاع عن كل غيٍّ وفساد!. فآمنت به طائفة، هم حواريّو المسيح، وأنصاره، وتلامذته، وأتباعه، وسمّوه “المعلم” وأطلقوا عليه لقب “المسيح” إشارة إلى أنه كان يمسح بيده المباركة على الضرير والأبرص، كما مر، فيشفيان. وكفرت به طائفة أخرى، وقد أعمى الله البصائر منهم والأبصار، فأطلقوا عليه نعوتاً كاذباتٍ واختلقوا حوله إشاعاتٍ وافتراءاتٍ، فأثيرت حوله زوبعة من صخبٍ وضجيج.

وقضى الله بنصرة نبيّه عيسى(عليه السلام)، وردِّ كيد كل خائنٍ كفار!…

الحواريون والمائدة :

وكان اسلوب عيسى (عليه السلام) في دعوته، الاّ يستقرّ في مكان.. فأرض الله واسعة،… وفيها من خلقه من لم يسمع باسمه، فلم تصله رسالة السماء.

فكان دائماً في حل وترحال، لايهدأ في مدينة حتى يغادرها الى ثانية،.. وما أن يصلها حتى لايمكث فيها طويلاً، فيغادرها إلى قوم آخرين، وهكذا..

وكان يصحبه حواريون وتلاميذ، ارتدوا خشن الصوف، وخلقوا وراءهم الدنيا ظهرياً (أي: جعلوها وراء ظهورهم) فانطلقاو مع “معلمهم” يتصفحون صحائف الكون، والطبيعة، وخلق الله وآياته الباهرات!..أي: جعلوها وراء ظهورهم) فانطلقوا مع “معلمهم” يتصفحون صحائف الكون، والطبيعة، وخلق الله، وآياته الباهرات!..

وبينما كانوا يخلدون للراحة، بعد وعثاء السفر، في أرض قفر، جدباء، وقد أخذ الاعياء والجوع منهم مأخذاً عظيماً، تساءلوا فيما بينهم عن الطعام، ولاطعام لديهم، فتوجهوا بالسؤال إلى “معلمهم” الأكبر عيسى: فقالوا: {.. ياعيسى ابن مريم، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدةً من السماء؟..}.

وظهرت على محيّا النبي الكريم، علائم استغراب، وخوف، وحذر، فأسرع يجيبهم:

- {.. إتقوا الله ان كنتم مؤمنين!} “ألم تؤمنوا بربكم، بعدما شاهدتم كل هذه المعجزات والبيّنات؟…”

- حاشا لله أن نكون من المكذبين، أو المفترين، أو الشاكّين!.

_ أخاف عليكم الفتنة واللَّجاج المؤديين إلى المكابرة والعناد، وما جزاء ذلك إلاّ خزيُ الدنيا، وعذاب الآخرة المقيم!.

- حنانيك يامعلم!.. ألم تر الينا، وقد انهكنا الجوع، وعضّنا بناب ناهشٍ؟. إننا إذ نطلب اليك ذلك فلكي نطعم منها، فنزداد إيماناً على إيمان، ويقيناً على يقين، وتسليماً على تسليم. وبذلك تشريف لنا، وتخصيص بفضل وكرامة، يفرضان علينا ثابت اليقين والإيمان، بالإضافة إلى مايُتاح لنا من فرصة لنشر الدعوة وتبليغ الرسالة، فلا العنت نبغي ولا اللجاج، ولا المكابرة والعناد، ونحن الذين آمنا، وأشهدنا الله على إيماننا، وكنت انت شهيداً ايضاً، منذ أول ماعرفناك، فعرفنا الحق، وصدقّنا دعوتك، واتّبعناك ولازلنا، وسنبقى إن شاء الله من المهتدين…

فلما تبيّن لعيسى (عليه السلام) صدقُ مقصدهم، وظهر له صحيح ماانطوت عليه دخيلتهم (أي: باطنهم، وسرهم) رفع يديه ووجهَه الى السماء قائلاً بصوت يتفطّر استعطافاً:

- “اللهمّ!.. ربّ السموات والارضين، وما بينهما،… ياباسط اليديد بالرحمة، ياموسع الخلق بالعطاء والرزق، يامن لاتغيض خزائنه، ولاتنقطع مواهبه، يامالك الملك، ياذا الجلال والاكرام: {أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، وآية منك، وارزقنا وانت خير الرازقين}.

فاستجاب الله تعالى لنبيّه دعوته، ومنحه طلبتهُ:

{قال الله إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم فإني أُعذّبُهُ عذاباً لاأُعذبه أحداً من العالمين}.

وما لبث القوم أن سمعوا حفيف أجنحة، ورأوا مائدة تتهادى من عل، لتستقر فيما بينهم، وهي تفيض بالرزق الوفير، والخير العميم!..

وقبل أن تمتد اليها يد، دعا عيسى أن تكون رحمة لهم ونعمة، وأن يزيدهم الله من فضله…

ثم أومأ بيده اليها، وإليهم، فائلاً، كلوا، واشكروا!

فطعموا منها كفايتهم، وقاموا وقلوبهم تطفح بشراً وايماناً، وهدىً نوراً.

وسمع بذلك خلق كثير، توافدوا إلى عيسى مؤمنين، فتكاثروا، وازداد المؤمنون يماناً!.. وانتشرت رسالة عيسى، وعمّت.. فلها في كل بيت مؤيد ونصير.

وكان عيسى يعلن في كل مشهد ومحفل وناد: {يابني إسرائيل إنّي رسول الله اليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة، ومبشراً برسول يأتي من بعدي، اسمُهُ أحمد!..} وهكذا فدعوته تصديق بماضٍ وتبشير بمستقبل آت!..

ويجمعون، أخيراً، كيدهم ومكرهم، مقرّرين القضاء على عيسى. وليكن مايكون!

فرفعوا أمرهم الى حاكم “بيت المقدس” ملصقين بالمسيح كل تهمة شنعاء،..

وترصّدوا عيسى، فأين يكون؟. وأين المفرُّ؟

واجتهدوا في بث عيونهم وأرصادهم، وكان عيسى قد علم بمكرهم، فلم يهتدوا إليه ولم يعثروا له على أثر. وبينما كان رجال الدين يبحثون في بيت المقدس أمر عيسى، وقد استعصى، واستشرى وحيّرهم أمر اختفائه عن العيون، فاهتّموا واغتمّوا،.. وإذ بيهوذا الاسخريوطي يدخل عليهم، ويا للبشرى!.. إنّ مطّلع على كل تحرّك يقوم به هذا النبي الجديد، في ليل وفي نهار. فيصيحون فرحاً، ويهتزون طرباً، فأين الذي يكذّب كهّان الهيكل ويسفّه الأحبار؟ ويتّصلون بوالي المدينة المقدسة، فيرسل معهم جنداً لإلقاء القبض على هذا المبعوث الجديد. فلعل الفتنة تنقطع، ولعل الناس يهدأون!.

الله يرفع عيسى اليه :

وفي ليلة ليلاء، بينما كان عيسى (عليه السلام) وتلامذته مختبئين في بستان، وإذ بالجند يُداهمهم، فيفر الأتباع مولّين الأدبار. وتتحرك مشيئة الله سريعاً، على غير ما ينتظره أعداء الله، فإذا بعيسى لاتراه عين، وقد كان منذ لحظات بين أيديهم. فكأن الارض ابتلعته، أو رفعته إليها السماء!. ويساهدون رجلاً مقبلاً نحوهم، ويتأمّلونه جيّداً، إنه يشبه عيسى كثيراً،

فيتصايحون:

- هذا عيسى، هذا عيسى؟..

فانقضّوا عليه، وأمسكوا بتلابيبه، ساقوه أمامهم مخفوراً.

اما الرجل، فقد أخذته المفاجأة، فما استطاع كلاماً..

وانهالت عليه حشود الجماهير تتقاذفه أمامها صاغراً ذليلاً!.

عند ذلك أخذ الرجل يصرخ بأعلى صوته: أنا لستُ عيسى، بل أنا الذي دلّكم عليه. أنا يهوذا الإسخريوطي!..

فهزئوا منه مقهقهين. ووصلوا به إلى وسط الساحة وهم يجذبونه جذباً عنيفاً، ويجرّونه جراً شديداً، بعد أن ساروا به على درب الجلجلة، زيادة منهم في العذاب الأليم، والنكال المهين.

وفي وسط الساحة، رفعوه بين الصخب والضجيج، وصلبوه، بعد أن جرّعوه كأساً من علقم، وتوّجوا رأسه بالشوك إكليلاً!..

{.. وما قتلوهُ، وماصلبوهُ، ولكنْ شُبّه لهم، وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه، مالهم به من علم إلا اتباع الظنّ، وما قتلوه يقيناً. بل رفعه الله اليه، وكان الله عزيزاً حكيماً!}.

(صدق الله العلي العظيم)





النبي يوسف (ع)

14 08 2008

النبي يوسف (ع) ذوالحسن

النبي يوسف (ع)

 

 

رؤيا يوسف

استفاق يوسف ذات صباحٍ متهلّل الوجه، منبسطَ الأسارير، تطفو على قسمات وجهه المشعِّ غبطةٌ وسعادةٌ..

وشاهد أبوه يعقوبُ في فتاهُ الوسيم، ذلكَ، فسُرَّ بدوره، وطابت نفسُهُ، وانشرح صدرُه فيوسُفُ أحبُّ أبنائهِ إليه، وأقربهم إلى نفسه وقلبه، وآثرهم لديه منزلةً ومكاناً!..

وتناول يوسف يد أبيه وهو يَهمُّ بالجلوس إلى جانب هذا الشيخ الصّالح، كي يُفضي إليه بالسِّرِّ الَّذي أشاعَ في نفسه كلّ هذا الرِّضا والسُّرور، قائلاً لَهُ: {يا أبت إني رأيتُ أحدَ عشَرَ كوكباً والشَّمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين}.

ويلتفتُ يعقوبُ، منتفِضاً، إلى هذا الفتى الأغرِّ، كالأملود الريّان طراوةً، والّذي يسطعُ جبينُهُ بنورٍ سماويٍّ ساحرٍ، أخّاذٍ، وتلتمعُ على وجنتيه إشراقَةُ لألاءٍ، ويشيع منهما ألقُ ضياءٍ.. فيضمُّه إلى صدرِهِ، ويُقبِّلُهُ بعطفٍ وحنانٍ، ويُلقى في روعه بأن الله تعالى أخذَ يُعدُّ هذا الفتى الوسيم، البهيَّ الطَّلعةِ، لجلائل الأمور!..

وبنبرةٍ تنضحُ إشفاقاً يطلبُ الشيخُ الوقورُ من ابنه الفتى ألاّ يقص هذه الرؤيا الصالحة على إخوته الأحد عشر، فقد يؤدي ذلك إلى حسد منهم، وكيد.. خاصة، وأنّ يعقوب يعلم حقّ العلم تبرُّم إخوة يوسف من أبيهم الذي يؤثر عليهم أخاهم يوسف إيثاراً شديداً. فلهُ في نفسه، من دونهم، ماليس لهم جميعاً!..

وينصرف الفتى يوسف، وبنفسه تطوف آمال عذاب، وأحلام رطاب!…

المؤامرة

وذات مساء يحيط بيعقوب أبناؤه. وقد أجمعوا على أمرٍ، وانطوت جوانحهم التي تأكّلها الحسد، على خطبٍ جللٍ!.. فلم إيثارُ الأب يوسف عليهم أجمعين؟..

وتودّدوا إليه: {قالوا: يا أبانا مالكَ لاتأْمَنّا على يوسُفَ وإنّا لهُ لناصحون. أرسِلهُ معَناَ غداً يرتّع ويلعبْ وإنّا لهُ لحافِظونَ}.

ويشعُرُ يعقوبُ بما يشبِهُ الإنتفاضةَ تسري في أوصالِهِ، فترتعدُ فرقاً (أي: خوفاً) فهو، فعلاً، لايأمنهُم على يوسف، فجميعهم له حاسدون!..

ويحاول الشّيخُ ألاّ يستجيبَ لطلبِ أبنائه هؤلاء، متذرّعاً بخوفه على يوسف من ذئب عاد، أو أفعى ناهشة، في هذه البرّيّة الموحشة، حيث يسرح أبناؤه بقطعانهم، من صبحٍ لمساءٍ!.. ويتظاهر إخوة يوسف بالحرص على أخيهم، فهو، بينهم، سويداءُ القلب، وسوادُ العين!.. ومن أين للأذى أن يعتريهُ؟..

وأنّى للذّئب أن يصل إليه، وهم عصبةٌ أشّداءُ؟..

ومازالوا بأبيهم يستميلونه، ويستعطفونه، حتّى أذن لهم.. فأخذوه معهم في صباح اليوم التّالي.

وما أن ابتعدوا عن الحيِّ حتَّى وثبُوا على يوسُفَ: فهذا يَشُدُّه وثاقاً، وذلك يُمسِكُ بيديه، وذاكَ يُجَرِّدُه من قميصِهِ..

وائتمروا به.. ماذا يفعلون؟..

قال أحَدُهم: نَقتُله ونستريحُ..

وقال آخرُ: بل نبيعُه لبعض التُّجَّارِ العابرينَ على أنّه عبدٌ رقيقٌ..

وقال كبيرُهم يهوذا: من الحرام أن نقتُله، إذ لم يجترم جُرماً، ولم يقترف إثماً،.. بل نلقيه في غيابات جبٍّ قريبٍ، وليكُن بعد ذلك مايكون!..

واستحسنوا رأيه!..

فقادوا يوسف إلى جبٍّ قريبٍ، ألقوه فيه، ثمَّ قفلوا، بعد ذلك، راجعين..

لقد انتهَوا من يوسُفَ، دونَ أن تتَلطَّخَ بدمِهِ يدٌ!..

وعادُوا إلى أبيهم، مساءً، وهم يصفُقون كفاً بكفٍّ مُتباكينَ!.. ويَبتدِرُهُم أبوهُم يَعقُوبُ، وقد انخلعَ جِنانُه:

- ويحَكُم!.. ما الأمرُ؟

- {قالوا ياأبانا إنّا ذهبنا نستبقُ، وتركْنا يوسُفَ عند مَتاعِنا، فأكَلَهُ الذِّئبُ، وما أنتَ بِمُؤمِنٍ لَنا، ولَو كُنَّا صادقين}.

ويَصفُقُ يعقوبُ كَفّاً بِكَفٍّ، أيضاً…

- أحقّاً، ماتَدَّعونَ؟..

- إي، وربِّ آبائِكَ الصَّالحينَ!..

ويشعُرُ يعقوبُ، شُعوراً، يكاد يكونُ يقيناً، بتآمر أبنائه، على أخيهم يوسُفَ الوضئ القسمات، الأبلج، كيداً منهم وحسداً..

ويطرح إخوة يوسف قميص أخيهم الممزَّقَ أمام أبيهم، وقد تلطَّخ بدمٍ كذبٍ.

ويُشيحُ يعقوبُ بوجهه عن أولاده الماكرين، وإنّ قسماتهم لتنضح بالكذب المبين، ويتولّى عنهم، وقد اسوَدَّ وجهُه حُزناً على يوسُف، وأسَفاً!..

{ قال: بل سوَّلَت لكُم أنفُسُكم أمراً، فصبرٌ جميلٌ، والله المستعانُ على ماتصفون}.

يوسف في الجُبِّ

ويتطلّع الفتى الوسيمُ تحتَه، فإذا بماءٍ ساكنٍ، رقرَاقٍ… ويتأمّلُ فوقَه، فلايرى إلاّ غتمةً حالكةً..

فتلُفُّهُ وحشةٌ خانقةٌ، وتطوفُ بخياله أفكارٌ سودٌ، فيرتعدُ..

إنّه مظلوم، وقد ألقي به في جوف هذا الجُبِّ الحالك، الموحش دون ذنب، أو جريرةٍ..

أمّا الظّالمون، فهم إخوتُه..

فيا لسُخرية الأقدار!.. ويشعُر بالألم يعتصر قلبه الصغير، اعتصاراً!.. ثم يشعُر وكأنّ نوراً رقيقاً، لطيفاً، ينسابُ إلى دخيلةِ نفسه شيئاً فشيئاً.. فيُبدّدُ ما علق بها من وحشة مكفهِرّةٍ، ومايلُفّه من ظلمات.. وخيّل إليه، كنقرٍ في أذنيه، صوتٌ يهتفُ بهدوءٍ:

- {لتُنَبِّئنَّهُمْ بأمرِهِم هذا، وهُم لايَشعرون}

فيطمئن، كالمستبشر خيراً، وترتاح إلى ذلك نفسه ارتياحاً غريباً.. ويُسلم أمرهُ لله!…

خلاصُ يوسف

وبعد حين، يسمع يوسف، وهو في غيابة الجبِّ، أصواتاً اختلط بعضُها ببعض، فيُصعي إلى الأصوات التي تترامى إلى مسمعه، من بعيد..

وإذا بها أصوات رجال، ووقع حوافر، وجلبة مسافرين.. إنّها قافلة، وقد حطّت عصا تُرحالها، قريباً من الجُبِّ..

ويسمع فوقه صوتاً، فينظر.. وإذا بدلوٍ يتدلّى فوق رأسه، يمتاح (أي: يطلب) به صاحبُه ماءً!.. فيتعلّقُ يوسُفُ بالدَّلوِ المتدلّي.. وماهي إلاّ لحظاتٌ، حتّى كان يوسُفُ خارج الجُبِّ..

وينظُر إليه صاحبُ الدَّلو، دَهشاً، فيصيح: {يابُشرى، هذا غلام!..}

وأخذهُ معه في القافلة المتوجّهة في تجارة إلى مصر، خادماً، مملوكاً!.. وفي مصر، بيع الفتى بالثّمن البخس، والسّعر الزّهيد!..

وكان الّذي اشتراه عزيزُ مصر، ورئيسُ شُرطتها “قوطيفار”.

وتوَسّم عزيزُ مصر في الفتى محتداً شريفاً، وأصلاً كريماً.. إنّ وجهه ليُنبئ عن أرومةٍ طيّبة العناصر، عريقة الأصول!.. وأوصى به زوجه خيراً، فيوسفُ ليس عبداً كبقيّة العبيد!..

وأحسن يوسُفُ الخدمة في بيت سيّدِه، وأخلَصَ في ذلك… فهو بينَ أهليه حقّاً، فشتّان بينهم وبين الّذين خلّفهم وراءه في أرض كنعان!..

يوسف وامرأةُ العزيز:

وشبَّ يوسفُ، الغُلامُ اليافع، في بيت سيّده، على نعمةٍ، وخضيل عيش… واشتدّت فتُوّتُه، وظهرت نجابتَهُ، وتفجّرت وسامتُه، فكأنّه – لحسنِه وجمالِه- لامن طينَةِ البشرِ، بل ملاكٌ كريمٌ ‍‍‍!..

ولاحظت سيّدته فيه الشّباب الغضَّ المتألّق، فلا حقته بنظراتها،.. ثمّ أخذت تتراءى له، وتبتسمُ، وتمُدُّه بالغُنجِ والدَّلالِ!.

ويُطرقُ يوسفُ أمام ذلك كلّه، بخفر العذراءِ الحييَّة.. فليسَ لهُ إلاّ الإخلاصَ العفَّ الأمينَ، في بيت سيّده الجديد، ومولاه!..

ولكنّ سيّدة القصر مازالت تتقرَّبُ إلى يوسُفَ، فيُعرضُ عنها حيياًّ!.. فتزداد به تعلُّقاً، وله تعرُّضاً.. لقد شُغِفت به حُبّاً!..

وتتعرَّضُ له متصابيةً، وقد برّحت بها لواعج الشوق، وعصف بها الغرامُ!..

وتدنو منه، مراودةً أيّاه، فينفر، كالطّائر الفزع!. ويفرُّ أمامها،.. فتُلاحِقُهُ من غُرفةٍ، في القصر، إلى غرفةٍ، حتى الباب،.. وتشُدُّه من قميصِهِ فتشُقُّه!..

وإذ بعزيز مصر، في الباب، وجهاً لوجهٍ، وقد فغرَ فاهُ مدهوشاً!..

وقبلَ أن يستجمع العزيزُ شتات أفكاره، {قالت: ماجزاءُ من أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلاّ أن يُسجَنَ أو عذابٌ أليمٌ}

ولايُطيق يوسفُ، مكراً من سيّدته، وكذباً، {قال: هي راودَتني عن نفسي}

ويظهر على عزيزي مصر الارتباك، فهو محتارٌ في أمره، لايدري مايفعل.. ويصل بعض أهل امرأة العزيز، فيُفاجأ، إذ الموقف فاضحٌ.. ينذرُ بعاصفةٍ وإعصارٍ!.. ويسكتُ الجميعُ، ويُطرقون، فمن يُحصحصُ صدقاً من كذبٍ، وحقاَّ من باطل؟..

ويهديه رُشدُهُ إلى اقتراحٍ، يقودُ إلى الحقيقة النّاصعة:

{ إن كان قميصُه قُدَّ (أي: شُقَّ) من قُبُلٍ، فصدَقَتْ وهُوَ من الكاذبينَ. وإن كان قميصُهُ قُدَّ من دُبُرٍ، فكذَبَت وهُوَ من الصّادقينَ. فلمّا رأى قميصَهُ قُدّ من دُبُرٍ، قال: إنّهُ من كيدِكُنَّ، إنَّ كيدَكُنَّ عظيمٌ}.

وكان عزيزُ مصر حكيماً في موقفه، فلملم الموقف، محاذراً تفجيره،.. فليس للقُصور أن تنبعث منها رائحة فضيحة!.. وليس لهذا الأمر أن يتكرّر أو أن يشيع.. فيلتفت إلى يوسفَ المطرق برأسه، فيواسيه:

-{يوسف، أعرض عن هذا} لاعليك!… وانسَ ما حدث، وكأنّه لم يكُن!.. وينظرُ إلى زوجه، الّتي تكادُ تتهاوى من فرط حياءٍ وندمٍ وخجلٍ،.. فعليها أن تتُوبَ من فعلتها، وتندم على مابدر منها، ولاتعود لمثلها أبداً،..

- أما أنت، فتوبي {واستغفري لذنبِكِ إنّكِ كنتِ منَ الخاطئين}

يوسفُ ونسوةُ المدينة

ولم يكن لحادثٍ كهذا أن يمر ببساطة وسهولةٍ ويُسر،.. فألسُنُ الناس لاترحم!..

ووصل الخبر إلى إحدى سيّدات المدينة، فباحت به إلى إحدى صويحباتها،.. ومن ثم عمّ النبأ وشاع، فتناقلته السن سيدات المجتمع في كلّ محفلٍ ونادٍ!.. وسمعت زليخا بحديثهنَّ، فسُمعتُها أصبحت مضغةً في كلّ فمٍ!..

فأرسلت إليهنّ، وقد هيّأت لهُنَّ مجلساً وثيراً،.. فلما حضرن استقبلتهُن بحفاوةٍ وجميل لقاء، وأكرَمتهُنّ، وقد استقر بهن المجلس وقدمت لهن من الفاكهة صحاف البرُتقال، {وآتت كلّ واحدةٍ منهنَّ سكّيناً}

وكانت قبل ذلك، قد ألبست يوسُف فاخر اللّباس، وزيّنتهُ، فتألّق مشعشعاً!.. فلمّا انتظم عقد مجلسهنّ قالت: {اخرج عليهنّ. فلمّا رأينهُ أكبرنَهُ وقطّعنَ أيديهنَّ، وقُلن: حاشَ لله، ماهذا بشراً، إن هذا إلاّ ملكٌ كريمٌ}.

وتعلّقت أنظار السيدات المجتمعات بهذا الفتى الأغرّ الوسيم، الوضئ المُحيّا، المشعِّ الطّلعة، فشهقن منبهرات.. وتمتمن:

- ليس على الأرض كهذا الجمال اليوسفيِّ السّاحر الأخّاذ!..

بينما كانت تسيلُ أيديهنَّ دماً، إذ قد حززن أسابعهُنَّ، دون أن يشعرن لمّا رأينه، وهنَّ، لدهشتهن، يحسبن أنّهن يحززن ماقدّم لهنَّ من برتقال!..

وتلتفت سيدة القصر إلىالنسوة، وقد طاشت عقولهنّ، فهنّ بما رأين، منبهرات، مأخوذات وتقول لهنّ بلهجة عتاب” {فذلكنَّ الّذي لُمتُنَّني فيه}، فما قولُكُنَّ بعدما رأيتُنَّ؟..

ويُجبنَ: لقد رأينا من الجمال مالا يوصفُ، ومن الحسن مالايُدركُ، ممّا تحارُ به الأفهام وتطيش به الألبابُ، وتنخلعُ له القلوبُ،..

وبالتالي، فلآلوم على سيدة مصر أن يتعلّق قلبُها بهذا الجمال الملائكيِّ المدهش.. وليس السّماع كالمعاينة!..

وتتابع زليخا، بجُرأة السّيِّدة الخطيرة الشأن، تبوح بدخيلة فؤادها، إلى من هُنّ دونها من سيّدات مجتمع مصر، دون حرج. فليس بين امرأتين سرٌ مكتومٌ..:

{وبقد راودتهُ عن نفسه فاستعصمَ، ولئن لم يفعل ما آمُرُهُ ليُسجننَّ وليكوناً من الصّاغرين}.

فأقبلت السَّيِّداتُ على يوسُف لائماتٍ، عاذلاتٍ،..

- يوسفُ، وأنت في ريعان الشّباب، وميعة الفتوّة، هلاّ رقَّ قلبُكَ لسيدتك الهائمة بك، فعطفت عليها بلفتة غرام تطفئُ ماتُعاني من الهوى المُمِضِّ، والوجد الملتهب؟.

وتناولته كلّ واحدةٍ منهنّ بالقول الخلوب، والاستعطاف الرقيق. والدَّلّ المغناج.. فأشاح بوجهه عنهُنَّ، يأبى الخيانة، وسُبُل الغواية والضّلال!..

ودعا ربّه أن يصرف عنه كيدهُن، فالسّجن أحبُّ إليه من دعوات الفُجور، وإلاّ فليس لهُ إلاّ أن يصبو إليهنَّ، وإن على كُرهٍ منه، بعد طويل تمنُّعٍ وإباءٍ!..

{فاستجاب له ربُّهُ فصرفَ عنهُ كيدَهُنَّ إنّهُ هو السّميعُ العليمُ}.

وأدخل يوسُفُ، بعد ذلك، السجن، بوشايةٍ ملفّقةٍ، واتّهامٍ كاذبٍ، حيثُ استقرَّ به المقامُ هناك، بضع سنين، وقد انقطعت أخبارُه عن العالمين!..

يوسف في السجن

ووجد يوسفُ في سجنه بعض متّسع من الوقت ليُبثَّ أفكاره بين هؤلاء السيئي الطّالع الذين تصمُّهم عتمةُ السجن فما من إلهٍ إلاّ الله الواحد القهارُ!..

فلا”رَعْ” -اي الشمسُ- بإلهٍ، ولا”إبيس”- أي العجلُ- بإلهٍ أيضاً،..

ولاهذه الأصنامُ جميعاً بألهةٍ. إنّها حجر منحوتٌ!.. فالله وحدهُ، خالقُ السموات وما فيهن، والأرضين، وما عليهن. وهو ربَّ العالمين!.. بذلك بشّر إبراهيمُ من قبلُ، وإليه دعا من بعده، جدُّ يوسفَ، إسحقُ، وأبوه يعقوبُ!..

{ودخل معه السجن فتيان} فأصغيا إلى دعوته، فوجداها حقاًّ.. إنّهما ساقي الملك، وخازن طعامه، سيقا الى السجن ليُحاكما بعد ذلك..

ووجد الفتيان في يوسف رجاحة عقل وشرف نفسٍ وعلوَّ همّةٍ، لم يجداها في غيره.. فأتياه يوماً ليُنبّئهُما بتأويل حلم رأياه:

قال الأول: لقد رايت فيما يرى النائم إني أقدّم للعزيز خمراً..

وقال الثاني: بينما رأيتُ أنا، أنِّي أحملُ على رأسي خبزاً، فتأتي الطيرُ، وتأكُلُ منه.

ويجد يوسفُ في المناسبة فرصة سانحة ليُبشّر بدينه، ودين آبائه: يعقوب وإسحق وإبراهيم.. فهو الدّين الحقُّ القيم {ولكنّ أكثر الناسِ لايعلمون}

ثم يلتفت إلى الأول منهما، قائلاً: لاأخالك إلاّ ناجياً، عمّا قريب، وستعود إلى بلاط الملك، ساقياًله، ونديماً، تقدّم له كؤوس الخمر. فإن كان ذلك، ولابدَّ من أنّه سيكون، فاذكرني عند سيّدك الملك”.

ثم التفت الى الثاني، أما أنت، فستُصلبُ بعد خروجك من السّجن..

ويبتسم الثاني، وكأنه كان غير صادق في ما زعم من رؤيا، ويحاول الاعتراض فيرفع يوسف كلتا يديه بوجههما، قائلاً لهما: هذا أمرُ الله وقضاؤه فيكما، فقد {قُضي الأمرُ الذي فيه تستفتيان!..}.

ويكون مانبّأهُما به يوسف:

إذ سرعان مايستدعى الرجلان، فيخرجان من السجن، ويمثلان أمام القضاء، فتبرّأُ ساحة الأول، فيعود ساقياً للملك، ونديماً.. وتثبت على الثاني التُّهمة، فيُقتل صلباً..

وتمرُّ، بعد ذلك على يوسف في سجنه بضعُ سنين، وقد عانى فيها ما لايعلمُهُ إلا الله!..

رؤيا عزيز مصر

وخرج العزيزُ، صباح يومٍ، على العلماء المحتشدين في بلاطه، وقد تغيّر وجههُ، وكأنّ غمامةً من كآبةٍ تطوف على جبينه، لاتفارقُهُ.. فماذا تخبِّئُ لهُ الأقدار؟

ويسأله أحدهم، وقد بدا عليه اهتمامٌ:

- ماالأمرُ يامولايَ؟

- رؤيا، رأيتها البارحة، لاتزال ماثلة في وجداني.. ونصب عينيَّ، أبداً!..

- هاتها!.. وفينا كلُّ مفسِّرٍ، عليمٍ!..

_ {إني أرى سبع بقراتٍ سمانٍ، يأكُلهنَّ سبعٌ عجافٌ (ج.عجفاء: أي هزيلة) وسبعَ سُنبلاتٍ خضرٍ، وأُخرَ يابساتٍ، ياأيُّها الملأُ أفتُوني في رؤيايَ إن كنتُم للرُّؤيا تعبُرون}

ويطرق الكهنةُ في المجلس، والعلماءُ.. ولايجدون لرُؤيا الملك تأويلاً.. ويستغرقون في التفكير، ولايهتدون، إنّهم أمام طلّسم مستغلقٍ!.. وظهر عليهمُ العجزُ وبان الارتباكُ..

- {قالوا: أضغاثُ أحلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلامِ بعالمين}

وكان ساقي الملك يستمع إلى ذلك كلّه، فذكر رؤياه عندما كان سجيناً، وصاحبه، وذكر تأويل يوسُف للرُّؤيا. وطلب يوسف إليه أن يذكُرَهُ أمام عزيز مصر.. وها هي ذي المناسبةُ، فيصيحُ:

- سيّدي، سيّدي، في السّجن فتىً اسمُهُ يوسُفُ، عليمُ بتفسي الأحلام، وتأويل الرُّؤى، فلو شئت استدعيته، فتقعُ فيه على الخبير!..

ويأمره الملكُ: هيّا!.. اعرض عليه رؤياي، وهلُمّ إليَّ بما يقول!..

ويسرعُ ساقي الملك إلى السجن، ومعه بضعةُ رجال من الشُّرطة،.. فيدخلون على يوسف ويسلّم عليه ساقي الملك، ويعتذر إليه، فقد أنساه الشيطان أن يذكره أمام الملك وها هو ذا بابُ الفرج ينفتح على يوسف، فبعد اللّيل، فجرٌ وشمسٌ وضياءٌ!..

ثم يستمع يوسف، بعد ذلك، إلى رؤيا الملك، مليّاً ويقولُ للرسول، بلهجة الواثق، المطمئنِّ،: هاك تأويلها!..:

- تستقبلون سبع سنين فيها لين عيشٍ ورخاءٌ، وازدهار وعطاءٌ.. تتلوهنَّ سبعُ سنين – على نقيض سالفاتها- كوالحُ، شدادٌ، فيها ينقُصُ ماءُ النِّيل، وينحسرُ خيرُه، فلا يعودُ إلى سابق عطائه،.. وينقطعُ الغيثُ، فلا تغُلُّ الأرضُ، وتصابون بالدّواهي وعظائم الأمور، فيعُمُّ قحطٌ وجدبٌ، وتبتلون بشظف عيش وقسوة حياة.

وبعد ذلك، تقبل الأيام عليكم بوجهها من جديدٍ، بعد إدبارٍ، فيخصبُ وادي النّيل، ويُمرعُ، ويعُمَّ الخير أرض مصر كلّها..

وتغاثون حنطةً وشعيراً فتأكلون، وسمسماً وزيتوناً، وعنباً، فتعصرون!.. فإن كان ذلك- وهو كائنٌ لامحالة- فذروا ما حصدتم في سنبله، ودعوه في أهرائكم باستثناء ماأنتم بحاجة إلى أكله، حتى يقضي الله أمراً كان مقضياً!..

ويعودُ الرّسول إلى قصر الملك، يهرولُ، مُسرعاً..

إن تفسير الرؤيا أعجبُ من الرؤيا ذاتها، وأغربُ!..

ويُنبِّئُ الملك، أمام العلماء المحتشدين في بلاط القصر، تفسير الرؤيا التي رآها.. فينبهرون جميعاً..

ويقول قائلهم: إن هذا لذو علمٍ عليمٌ.

ويقول آخرُ: بل، إنّ هذا من وحي السّماء!..

ويلتفت الملك إلى ساقيه، مُنتهراً إياه: ماذا تنتظرُ؟.. هيَّا!.. عليّ بيوسف سريعاً!..

ويُسرعُ ساقي الملك إلى يوسف، يزُفُّ إليه بُشرى اطلاق سراحه، داعياً إياه لمقابلة الملك.

ويقابل يوسف ذلك ببرودة أعصاب، فيُبهتُ الرَّسولُ!..

إنّ يوسُفَ يأبى أن يغادر السّجن دون إثبات براءته، ولو بعد حينٍ. فيقول للرّسول: -{ارجع إلى ربّك(بمعنى الملِك) فاسألْه ما بالُ النِّسوة اللاّتي قطّعن أيديهن، إنّ ربي ركيدهنّ عليمٌ}.

ويدعو عزيزُ مصر النّسوة، وفي طليعتهنّ زوجه زليخا، فلا يشهدن ليوسف إلا بكل مكرمة وخلقٍ رفيع..

وتجد السيدة زليخا الفرصة مؤاتية لتزيح عن نفسها همّاً طالما أقلق مضجعها، وأقضّه.. فتصرّح على رؤوس الأشهاد بأنّها هي التي راودته عن نفسه، فاستعصم وأبى!.. والكلُّ يعلم ذلك.. فلم مجانبة الحقيقة والقول الصّواب؟..

فما كان من عزيز مصر بعد ظهور الحقيقة ببراءة يوسف، إلاّ أن دعا يوسف إليه يستخلصهُ لنفسه رجلاً قوياً، بعد ما كان استخلصهُ لنفسه غلاماً فتياًّ!..

ويسلِّمه خزائن مصر، وهو الخبير العليم، يُشرف عليها، متصرّفاً في أمورها كما يرى.. إن يوسف وزير مال واقتصاد من طراز نادر، رفيع!.. وهو الجدير بأن تسلّم إليه مقاليد الأمور، وتُناط به المهمّاتُ، في حوالك الأيام!.. وينهض يوسف بالهمهمة الموكلة إليه، خيرُ نهوض.. فقد قرعت المجاعة أبواب الناس قاطبةً، وهجم عليهم الجوع فعضَّهم بأنيابٍ حِدادٍ!.. وتلاقي خُطَّتُه في خزن القمح والمؤن، وتوزيعها على الناس كلّهم، بالعدل والقسطاس، نجاحاً عظيماً!.. فهي التي خلَّصت شعب مصر من براثن مجاعة، وخطوبٍ عِظامٍ!..

يوسف وإخوته

وكما في مصر جدبٌ وقحطٌ، عامّان، كذلك في أعالي الجليل، حيث اجتاح الجفاف أرض كنعان، وضربها قحط أسود، كالحٌ!..

وتهيّأ إخوة يوسف ليمتاروا (أي: يجلبوا) حنطةً من مصر، حيث يقوم على ذلك ملكٌ حدت باسمه الرُّكبانُ!..

وساروا بقافلتهم متوجهين إلى أرض النيل، حتى وصلوا إلى مصر،.. ودخلوا على العزيز، فعرفهم واحداً واحداً، وهم له منكرون.

وتقرب إليهم عزيزُ مصر، مستفسراً عن أحوالهم، وعن الجهة التي أتوا منها. فعرَّفوه بأنفسهم: فهم أبناءُ نبيِّ الله يعقوب إبن إسحق بن إبراهيم.. كان لهم أخٌ من أبيهم، أكلهُ الذِّئب في الفلاة، وبقي شقيقُهُ الصغير، واسمُهُ بنيامين، في عهدة أبيه..

ورحَّب بهم العزيز، ووعدهم بجزيل الإحسان.. وتظاهر أنه يريد التثبُّت من صحَّة دهواهُم، فطلب إليهم أن يأتوه بأخيهم الصَّغير، هذا..

ووجد إخوةُ يوسف في ذلك صعوبةً..

فليس من السَّهل أن يتنازل عنه أبوه، وذكرى يوسف، لاتزال تفعل في نفسه رغم ماانقضى عليها من دهرٍ طويلٍ..

ولكنّ عزيز مصر أصرَّ على طلبه. فتلبيةُ طلبهم من الحنطة مشروطةٌ بإحضار أخيهم بنيامين، فانصاعوا لأمره، مكرَهين!…

وأمدَّهم يوسف بكيل بعيرٍ من الحنطة، وردَّ إليهم ما دفعوه من مالٍ، جعلَهُ في رحالهم، تشجيعاً لهم على العودة، وإحساناً!..

وقفلوا راجعين!..

وعرضوا على أبيهم ما طلبه عزيزُ مصر، هذا الأريحيُّ الكريمُ، وما اشترطهُ عليهم من إحضار أخيهم بنيامين.

فاستعبر يعقوب باكياً، وتأوَّه كالملدوغ: {وا أسفى على يوسُفَ!..}

وبكى أبناؤه وهم يرون أباهم الشيخ قد ابيضَّت عيناه حُزناً على يوسف، وكمداً، وأسفاظص، وفارقت ثغره الإبتسامةُ، فهو في حزنٍ مقيمٍ!..

وأحاط الإخوة بأبيهم، فلم لايأمنهم على أخيهم بنيامين؟.. انهم عشرة حوله يُفدُّونه بالمهج والأرواح. فقال لهم يعقوب: {هل آمنكُمُ عليه إلاّ كما أمنتكُم على أخيه من قبلُ. فاللهُ خيرٌ حافظاً وهو أرحمُ الرّاحمين}.

فأطرقوا خجلاً، ولم ينبسوا ببنت شفةٍ، إنّ أباهم ليقول حقاً!..

وبعد لأي (أي: جهد) سمح يعقوب لأولاده باصطحاب أخيهم بنيامين إلى عزيز مصر فهبُّوا إلى رحالهم، فرحين..

واستوقفهم أبوهم: – “مهلاً!.. ولكن شرط أن تحافظوا عليه محافظتمك على أنفسكم، أو أشدّ، ولاتفرِّطا به أبداً” وأخذ عليهم بذلك ميثاقاً غليظاً!.

ثم نصحهُم بألاّ يدخلوا المدينة من باب واحد، فهم عشرةُ رهطٍ، يضافُ إليهم أخوهم بنيامين. يؤلّفون قافلة كاملة، فمن الممكن أن يجتاحهم أذىً، أو أن تُصيبهم عينٌ بسوء!..

وسارت القافلةُ على اسم الله، يُحيط بها دعاءُ يعقوبَ، وتكلأُها عين الله!..

يوسف وبنيامين

ها هي ذي القافلة تحطُّ في أرض مصر الرّحال .ويتوجَّهُ أبناء يعقوب العشرة بأخيهم بنيامني إلى عزيز مصر، فما كانوا في حديثهم السّابق، معهُ، الاّ صادقين!..

ويستقبلهم العزيز ببشاشة وجه طلقٍ، وترحابٍ نديٍّ!..

ويحين موعدُ الطّعام، فيجلسُ كلٌّ إلى أخٍ له، يشاطرُهُ الغداء.. ويومئ العزيز إلى بنيامينَ، فيأخذُه من يده، ويتغدّيان معاً.. ويرمُقُ أبناء يعقوب أخاهم بنيامين، وهو يؤاكلُ الملك، بطرفٍ حسودٍ!.

وفي غفلة عن أعيُنهم يهمسُ يوسفُ في أذن بنيامين:

{إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون}

ويوصيه بألاّ يبوح هذا السرِّ أمام إخوتِه، أبداً!..

ولمّا جهّزهم الملكُ بجهازهم، موفياً لهم الكيل، أمر بوضع صواع الملك (الصواع، أو الصاع: مكيال نصف مد) في رحل أخيه بنيامين.

وما أن ابتعدت القافلة قليلاً، حتى استوقفها صارخٌ:

- على رسلكم!.. تريَّثوا قليلاً!..

- ماالأمرُ، أيّها الحرسيُّ؟.

- لقد فقدنا صواعَ الملك، وهو كما تعلمون، من الذّهب الخالص. إنني كفيلٌ لمن يجئُ به، بكيل بعيرٍ من الحنطة، وما هذا الكيلُ بيسير!..

- والله ما كنا لنخون، وماكنّا لنسرقُ، ولالنعيثُ في الأرض فساداً، نحن، ياهذا، أبناءُ نبيٍّ ابن نبيٍّ، فاتّق الله في أمرنا!..

- مادمتم لتقولون ذلك، فهيّا إلى العزيز، ليرى رأيه في ماتقولون!..

ويعود أبناء يعقوب إلى عزيز مصر…

- مالخطبُ أيّها العزيز؟

- إننا نفقد الصُّواع الذهبيَّ الذي نكيلُ به الحنطة للنّاس، فلعلَّ أحدكُم سرقه!.

- سرقه؟.. أترى في وجوهنا سيماء لُصوصٍ، وسُرّاقٍ؟..

- لعلّه يكون في أحد أحمال هذه الحنطة التي على الإبل، فهيّا، وأنزلوا ماعليها من أحمالٍ!..

ويُسرع أبناء يعقوب ينيخون الجمال، وينزلون ما عليها من أحمال حنطةٍ، وهم يقولون: والله ماكنّا سارقين!..

ويقول لهم العزيزُ، وهم يفُكُّون أربطة رحالهم:

- ماجزاءُ من سرقه إن تبيَّن أنه في رحال أحدكُم؟..

فيجيبون: كما يقضي بذلك، عندكُم القانون.

-يتحمَّلُ وحده العقاب دون الآخرين.

- وهو كذلك!..

ويتقدم العزيز فيتحسَّسُ أحمال إخوته العشرة، وهم يبتسمون،.. فلا يجد شيئاً..

ثم يمدُّ يمينه إلى حمل بنيامين فيستخرج الصُّواع منه،.. ويرفعُه في وجوههِم!..

وتعقُلُ الدَّهشة ألسنةَ أبناء يعقوبَ، ويسطع الغضبُ من عيونهم، فتظهرُ وجوههم حمراء دكناء!.. فمتى كان هذا الحمل الوديع لصّاً خطيراً؟..

{قالوا: إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبلُ}

فيرمقهم عزيز مصر بنظرة كالصّاعقة؛ فما زال هؤلاء الرّجالُ على ضلالهم القديم!.. ويجيلُ نظراته في هؤلاء العشرة من الرجال، وقد اعتراهم خزيٌ كاسحٌ،

{ قال: أنتم شرٌّ مكاناً والله أعلمُ بما تصفون}

وأمر عزيزُ مصرَ ببنيامينَ فأوقِفَ جانباً..

ولمّا رأى أخوتُه ذلك، ذكروا أباهم، والمواثيق الّتي أخذها عليهم، والعهود.. إنّه لآمرٌ، جدُّ فظيعٌ!..

ووقفوا أمام عزيز مصر مستعطفين…

{قالوا: ياأيّها العزيزُ إنّ له أباً شيخاً كبيراً، فخُذ أحدنا مكانه إنّا نراك من المحسنين. قال: معاذ الله أن نأخُذ إلاّ من وجدنا متاعنا عنده إنّا إذاً لظالمون}

فأطرقوا!.. إنّ العزيز ليقول حقّاً ويحكمُ عدلاً!..

يهمُّون بالإنصراف، وقد اكتسحهُم همٌّ ثقيلٌ، فبأيِّ وجهٍ سيُلاقون أباهم، وقد أخذ عليهم موثقاً من الله، غليظاً، وعاهدوه، فما قُدِّرَ لهم الوفاء؟

ويضرب كبيرُهُم الأرض بقدمه، قائلاً لإخوته:

- ويحكُم!.. أنسيتُم عهدكُم لأبيكم. بئس ماتعودون به إليه،.. أمّا أنا، {فلن أبرح الأرض حتّى يأذن لي أبي، أو يحكُم الله لي وهو خيرُ الحاكمين}.

وعاد أبناء يعقوب إلى أبيهم، مطرقي الرؤوس، منكّسي الهامات، كأنّهم وراء جنازةٍ يسيرون.. ويخبرنه بالحدث، فيضربُ يعقوبُ رأسه بكلتا يديه!..

بالأمس فرّطوا بيوسف، واليوم ببنيامين،..

وأجهش الشيخ منتحباً.. ورماهم بغليظ القول، أشدّ من السّياط لسعاً، واتَّهمهم بالتَّفريط والتّقصير، سوؤ النيّة، والتّقدير!..

ولكنّ الشّيخ الكبير لايزالُ على عظيم ثقة ببقاء يوسف جيّاً يُرزق، وبأن بنيامين سيعود إليه يوماً!..

ولكن: أين يكونُ الأول؟… ومتى يعودُ الثاني؟..

وغالبهُ حزنٌ وقهرٌ قغلباه. فاستسلم لمشيئة الله، وكأنّ قبله تقطّعهُ المدى!.. وقال لأبنائه: {يابنيَّ اذهبوا فتحسسّوا من يوسفَ وأخيه ولاتيأسوا من روح الله إنّه لاييأسُ من روح الله إلاّ القوم الكافرون}.

خاصةً، وأنّ القحط والجفاف عادا يضربان أرض شماليِّ الجليل، فالسّنواتُ عجافٌ، شدادٌ، مهازيلُ.

المفاجأة

ويذكرُ أبناء يعقوب عزيز مصر، وعدله، وكرم يده، وشمائله الحسان، وأخاهُم لديه.. فيجمعون مابحوزتهم من مالٍ يسيرٍن ويتوجَهون به إلى بلاد العزيز..

ويدخلون عليه قائلين:

ياأيُّها العزيزُ، لقد ابتُلينا بأمورٍ عظامٍ، وخُطوبٍ جسامٍ إذ شحّت السّماءُ، وأجدبت الغبراءُ، فأصابت أهلينا البأساءُ والضّرّاء، وجئناك بما أبقت عليه الأيام النّكداءُ، والخطوب النّكراءُ، وهو مالٌ جدُّ يسيرٌ، وقليلٌ حقيرٌ، {فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا إنّ الله يجري المتصدّقين}

{ قال: هل علمتُم مافعلتُم بيوسُفَ وأخيه إذ أنمت جاهلون}.

ويستعيدون في أذهانهم صورة أخيهم يوسف، كفلقة القمر اشراقاً ولألاءً، إنّه، وربِّ ابراهيمَ- لهو!.. وقد القت النعماء عليه مسحةً من مزيد بهاءٍ وإشراقٍ..

فيا للمُفاجأة الصّاعقة!..

ويصرخُ بعضُ إخوته، وقد داهمتهُم المُفاجأةُ فأخرجتهُم عن طورهم، وتأدُّبهم أمام عزيز مصر، {قالوا: أإنّك لأنت يوسُفُ!}

ويجيبهم بكل هدوءٍ: {قال: أنا يوسفُ وهذا أخي قدْ منَّ الله علينا، إنّه من يتّق ويصبِر فإنَّ الله لايُضيعَ أجرَ المحسنين}.

فاعترفوا بخطيئتهم، وقد تطأطأت منهم الرُّؤوسُ، فلا يستطيعون النّظر إلى وجه إخيهم خجلاً من فعلتهم الشَّنعاء…

واستأذنُوه أن يعودوا إلى أبيهم بالبُشرى، فإذن لهم.. وجهّزهم بما ناءت به العيرُ، وبقميصٍ له، طلب إليهم أن يلقُوه على وجه أبيهم حينَ يصلون!..

وقفلت العيرُ، وئيدةً، بطيئةً، بما عليها من أحمالٍ ثقالٍ، وقد توجّه بها أبناء يعقوب إلى بلادهم في شماليِّ الجليل، وقد علا صوتُ الحادي، فأخذت العيرُ تجدُّ في المسير!..

وأخيراً،.. وصلت العير إلى مواطنها، وأشرف أبناءُ يعقوب على أبيهم، وقد حمل البشيرُ قميص يوسف، وأخذ يعدو نحو أبيه..

فصاح يعقوبُ: {إني لأجِدُ ريحَ يوسُفَ}

وطُرِحً قميصُ يوسفَ على وجه يعقوب المتغضِّن، الّذي لايبين منه إلاّ لحيةٌ كثّةٌ، مرسلةٌ على سجيّتها، تعلوها عينان غائرتان، غاض فيهما النّورُ، .. فارتدَّ بصيراً!… وسجد لله شكراً؟، وقد ردَّ إليه يوسفَ بعد طولِ غيابٍ..

فيا للبُشرى التي لايُحيطُ بها وصفٌ، وكأنّها لغرابتها، من عالم الخيال!..

وبعد عدَّة أيام تهيَّأ يعقوبُ، وأهلُ بيته جميعاً، للتوجُّهِ إلى مصر حيث العزيزُ، العزيزُ!..

وشهدت أرضُ كنعان قافلةً تحملُ خليطاً من رجالٍ ونسوةٍ، وصبيةٍ صغارٍ، وبعض مالٍ، ومتاعٍ،.. وفي مقدّمتها شيخٌ مهيبٌ وقورٌ، يحث راحلته إلى أرض الكنانة!.

رواية

ورد في إحدى الرّوايات، أنّ بعض أملاك السّماء استأذنوا الله أن يشهدوا لحظة لقاء يوسُفَ بأبيه يعقوبَ، فأُذن لهم، إنّها من اللّحظات النّادرة في التاريخ!..

وشاهدت الملائكةُ في هذا اللِّقاءِ عجباً:

الشيخ يفتحُ ذراعيه، صائحاً، ساعة شاهد إبنه، ويعدو نحوه، وكأنّه يطير.. وكذلك فعل يوسُفُ!..

ويصل كلٌّ منهما إلى صاحِبه..

ويرتمي كلٌّ منهما في حِضن الآخر..

ويتعانقان.. حتى يكادَ جسداهما يلتصف الواحدُ منهما بالآخر!.. وقد تحدّرت منهما دموع الفرح بسخاء، فتقطّرت على الأرض، غزاراً..

كما شهد هذا اللّقاء خلقٌ من المصريين، اصطفُّوا مرحّبين، وقد اغرورقت عيونهم بالدّموع..

وآوى يوسف أبويه وإخوته إليه في القصر، وقد أحاطوا به..

وانتظم عقدُ لقاء يوسُف بأبويه وإخوته أجمعين، وقد خرّوا له سُجّداً..

فالتفت يوسفُ إلى أبيه قائلاً: {ياأبت هذا تأويل رؤيايَ من قبلُ قد جعلها ربّي حقاًّ}

ويهزُّ الشيخ برأسه، وقد طفرت من عينه دمعةٌ حرَّى..

ويُردِفُ يوسف، قائلاً، بصوتٍ متهدِّج، وقد رفع كلتا يديه إلى السَّماء:

{ربّ قد آتيتني من المُلك، وعلّمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السّموات والأرض، أنتَ وليِّي في الدُّنيا والآخروة، توفّني مسلماً وألحقني بالصّالحين}.

نهاية المطاف

كان موكبُ يوسُفَ يشقُّ المدينة، وحوله جندٌ وحرسٌ، وحشمٌ وخدمٌ.. وقد تجمهر الناسُ على جانبي الطريق ليحظوا بمشاهدة عزيز مصر، ومليكهم العادل المحبوب…

وكانت عجوزٌ شمطاءُ قد اقتعدت إحدى زوايا الطّريق، والنّاسُ حولها في هرجٍ ومرجٍ ووصخبٍ وضوضاء… فعزيزُ مصر، يشقُّ موكبُه الجماهير المحتشدة بعناءٍ، وقد تدافعت نحوهُ هاتفةً باسمِه، فهو بين مسلِّم عليه، ومسفِّق لهُ، وملوّحٍ من بعيدٍ..

وينعطف الموكبُ الملكيُّ بالقرب من العجوز، فتدعو بصوتٍ عالٍ كالهُتاف:

- سبحان من صيَّرَ العبيدَ ملوكاً بطاعته، والملوك عبيداً بمعصيتِهِ!..

ويصلُ الصَّوتُ إلى مسامع العزيز، فيأمر الموكبَ بالتوقُّفِ، ويسألُ عن صاحبة الهُتاف، .. فيؤتى بالعجوز إليه..

ويسألها عزيزُ مصر عن سبَبِ هُتافها، وعن اسمِها، وعن حاجتها…

ويقشعرُّ بدنُ العزيز، وقد عرف العجوز الّتي ذهبت بنضارتها السُّنون…

إنّها زليخا!.. وقد قلب لها الدَّهر ظهرَ المجنِّ!..

وكم لها في قلبه من ذكريات لاتزولُ، وكأنّها محفورةٌ على صخر أصمَّ… وكم لها في ماضية من تاريخٍ حافلٍ، ومزدحمٍ بالأحداث!…

ويطحبُها معه في الموكب الملكيِّ… ويُدخلُها القصر متوكِّئةً على عصاها، وقد احدودب ظهرها، واضمحلّت قواها..

ويراها يوسف كذلك، فتطفحُ عيناهُ بالدّمع.. فيدعو الله أن يُعيدَ إليها نضارةَ الصِّبا، وريعان الشَّباب، كما كانت أيّام تركُضُ خلفهُ في القصر وتُغلِّقُ الأبوابَ…

تقولُ الرواية: إن الله يستجيبُ لنبيِّه دعوتَه.. فإذا بزليخا تعودُ كما كانت أيّام زمان، تتألّقُ نضارةً، وتتفجَّر عنفُوانَ شبابٍ.

وينظرُ إليها يوسُفُ وقد عادت تميسً تيهاً، ودلالاً… ويطلبُ يدها للزواج فتقبلُ…

ويُسدَلُ السِّتار على زواج يوسف من زليخا، كما شاء الله لهما ذلك.. فهما سعيدان!.. وعلى عودة أهله إليه جميعاً فهم في النّعيم يتقلّبون!…

ويرى الناسُ ذلك، ويسمع به آخرون، فيعجبون عجباً شديداً.. فهم لايكادون يصدِّقون، فالقصَّة تكاد تدخُلُ في باب الأساطير!..

ولكنّها من أنباء الغيب، ووحي السماء..

{وما أكثرُ النّاس -ولو حرصت- بمؤمنين!…}

صدق الله العلي العظيم)





النبي إسماعيل (ع)

14 08 2008

النبي إسماعيل (ع) الذبيح

 

إسماعيل (ع)

 

 

دعوة إبراهيم(ع)

يروي المؤرخون أن نبي الله إبراهيم(ع) كان متزوجاً من سارة أخت نبي الله لوط(ع)، وهي ابنة خالته، وأنه لم يرزق منها بولد طوال أكثر من عشرين عاماً، فدعا إبراهيم ربَّه قائلاً: {ربّ هب لي من الصالحين}.

وكانت سارة تعلم برغبة إبراهيم (ع) في أن يصبح أباً ويكون له ولد يعينه في حياته ويرثه بعد مماته. وكانت لها جارية مصرية قبطية، اسمها هاجر، فوهبتها له، ليتزوجها عسى أن يتحقق له مايريد.

وهكذا حقق الله دعوة خليله إبراهيم(ع)، وحملت هاجر {فبشرناه بغلام حليم}، هو اسماعيل(ع).

ارتفعت نفس هاجر بعد حملها، وراحت تتباهى وتتكبر على سيدتها سارة، فاغتاظت سارة ولحقتها الغيرة، فكانت تدور بينها وبين هاجر خلافات كالتي تحصل بين الزوجتين في البيت الواحد، ولكن إبراهيم(ع) كان يوفق بينهما في كل مرة.

وظلت الحال كذلك حتى ولدت هاجر إسماعيل(ع) وإبراهيم(ع) في السادسة والثمانين من العمر، وسارة قد بلغت سن اليأس من الإنجاب، فتعاظمت غيرة سارة، وبات إبراهيم(ع) في حيرة في أمره، كيف يستطيع التوفيق بينهما وهو في هذا العمر شيخ كبير.

وبدأ إبراهيم(ع) يناجي ربه، ويطلب إليه أن يعينه ويساعدهُ، فبشره الله سبحانه بولدين آخرين تنجبهما سارة: { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. قالت: ياويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشئ عجيب. قالوا أتعجبين من أمر الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد}.

بعد خمس سنوات على ولادة إسماعيل(ع) أنجبت سارة إسحاق(ع) وهكذا صار لإبراهيم ولدان: إسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة… ولحكمة أرادها الله، وتحاشياً لما قد يقع بين الزوجتين وولديهما من الخلاف والمشاحنات أمر الله سبحانه خليله إبراهيم(ع) أن يخرج بإسماعيل وأمه هاجر، ويبتعد بهما عن سارة، التي اغتمت كثيراً وثقل عليها أمر هاجر وودلها إسماعيل، بعد أن صار لها ولد.

بوادٍ غير ذي زرع

أذعن إبراهيم(ع) لأمر ربه، فخرج بهاجر وابنها إسماعيل، وهو لايدري إلى أين يأخذهما، فكان كل ما مرّ بمكانٍ أعجبه فيه شجر ونخل وزرع قال: إلى ههنا ياربّ؟ فيجيبه جبرائيل(ع): امض يا إبراهيم…

وظلَّ خليل الله وهاجر سائرين، ومعهما ولدهما الرضيع إسماعيل حتى وصلوا إلى مكة، حيث لازرع هناك ولاماء، اللهم إلاّ دوحة ألقت عليها هاجر كساءً كان بحوزتها، ليظلهم من حرِّ الشمس اللاهبة.

أراد إبراهيم(ع) أن يترك هاجر وولدها إسماعيل، في ذلك المكان القاحل المقفر، حيث لادار ولانافخ نار، ولاطعام فيه ولاشراب، إلاّ كيس من التمر وقربة صغيرة فيها قليل من الماء كانوا قد حملوهما معهم عند بدء رحلتهم. فخافت هاجر على نفسها الجوع والعطش، وعلى ولدها الهلاك، فتعلقت بإبراهيم(ع) تريد ألا تتركه يذهب، وراحت تساله: إلى أين تذهب ياإبراهيم وتتركني وطفلي في هذا المكان الذي ليس فيه أنيس، ولازرع ولاماء؟!.. أو ما تخاف أن نهلك أنا وهذا الطفل جوعاً وعطشاً؟!

رق قلب إبراهيم(ع) وتحير في أمره، ولكنه تذكر أمر الله له، فماذا يفعل وهو إنما ينفذ ماأمره به ربه؟

وأشاح بوجهه عنها.. ولكن هاجر ألحت في السؤال، وظل إبراهيم(ع) منصرفاً عنها يناجي ربه.. ويأتي الجواب، جازماً حاسماً لاتردد فيه ولاتراجع: إن الله هو الذي أمرني بترككم في هذا المكان، وهو لاشك سيكفيكم..

لاذت أم إسماعيل بالصمت، ورضخت هي الأخرى لما أراده الله ثم قالت: إذن لايضيعُنا..

ورفع إبراهيم(ع) يديه بالدعاء متضرعاً إلى الله وهو يهم بالعودة: { رب إنّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم. وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}. ثم قفل عائداً إلى بلاد الشام حيث سارة، وقلبه يهوي إلى مكة.. إلى ولده وفلذة كبده إسماعيل الرضيع، ولاحيلة له إلاّ الدعاء والتضرع.

نفد التمر والماء من بين يدي هاجر… واشتدت حرارة القيظ فعطش الرضيع وطلب الماء ليشرب.. وراح يتلوى من الجوع والعطش فلم تعد هاجر تطيق رؤية طفلها على هذه الحال، فراحت تنظر إليه وعيناها مغرورقتان بالدمع، لاتدري ماذا تفعل.. أتترك وليدها يقضي جوعاً وعطشاً؟ لا، لا، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا المصير… فلا بد أنها ستجد الماء.. فالله لن يضيعها وطفلها..

وقامت هاجر في الوادي في موضع السعي أيام الحج، ونادت هناك: هل في الوادي من أنيس، فلم يجبها أحدٌ غير الصدى..

بئر زمـــزم

انطلقت هاجر تبحث عن المائ في كل اتجاه. وكان الصفا أقرب جبل إليها، فصعدت عليه وراحت تنظر يمنه ويسرة وفي كل ناحية فلاح لها على المروى سرابٌ طنته ماءً، نزلت عن الصفا وراحت تسعى مهرولة في الوادي باتجاه المروى، وفي ظنها أنها ستجد الماء.. ولكم كانت خيبتها حينما لم تجده شيئاً، فوقفت منهكة تنظر وتتفحص فلاح لها سرابٌ في الجهة الأخرى على الصفا وكأنه الماء فعادت مهرولة إلى الصفا ولكنها لم تجد هنالك شيئاً.

وهكذا في كل مرة، حتى فعلت ذلك سبع مرات وطفلها لم يفارق مخيلتها، ولم تكن تطيق أن يغيب عن ناظريها.. فلما كانت في المرة السابعة، وقد اشتد بها العطش، وأخذ منها التعب، وأنهكها المسير، دون أن تعثر على الماء.. نظرت إلى طفلها والدموع تكاد تطفر من عينيها، فإذا الماء ينبع من تحت قدميه، فأتته مسرعة وراحت تجمع حوله الرمل وهي تقول: زم زم. ثم أخذت تعب من الماء حتى ارتوت وانحنت على إسماعيل ترضعه.. فإذا بها تسمع صوتاً يقول لها: لاتخافي الضيعة، فإن ها هنا سيكون بيت لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، فقري عيناً، إن الله لايضيع أهله.

أفئدة من الناس تهوي إليهم

كانت قبيله جرهم، وهي إحدى أكبر القبائل العربية في ذلك الزمان، مثلها مثل بقية القبائل العربية تجوب الأماكن بحثاً عن الماء والعشب، وكانوا يقيمون في عرفات.. مما أتاح لهم أن يروا الطير تحوم فوق وادي مكة، حيث انبجس الماء من بئر زمزم، فعرفوا أن في ذلك الوادي ماءً، وبعثوا منهم من يتحقق من ذلك، فجاؤوا إلى الوادي فرأوا هاجر وإبنها إسماعيل، وشاهدوا البئر المملوءة ماءً فأعجبهم المكان، فاقتربوا من هاجر وسألوها من تكون؟.

قصت هاجر عليهم قصتها، فطلبوا منها أن تأذن لهم في النزول قريباً منها ومن البئر، فقالت لهم: سوف أستأذن لكم زوجي إبراهيم، فإنه يتفقدنا بين الحين والحين، ولما جاء إبراهيم ليرى إلام صار حال زوجته وابنه البكر إسماعيل(ع)، سألته هاجر إن كان يأذن أن ينزل الجرهميون قريباً منها في وادي مكة، فسرَّ بذلك سروراً عظيماً، وقد علم أن دعوته بدأت تتحقق، فأذن لهم.

وجاءت رسل جرهم ليعرفوا الجواب، فأعلمتهم هاجر أن زوجها أذن لهم بالنزول قريباً منها، شرط ألا يكون لهم على الماء سلطان. فعادوا إلى قومهم يخبرونهم، ففرحوا بذلك ووافقوا.

أقام الجرهميون قرب الماء، فأنست بهم أم إسماعيل، وقد منحوا ابنها كثيراً من المواشي.

وشبّ إسماعيل(ع) بين أبناء قبيلة جرهم، كواحد منهم، فتعلم منهم العربية، وبلغ مبلغ الرجال.

الرؤيا الإمتحان

لما بلغ إسماعيل(ع) الثالثة عشرة من عمره، أراد الله سبحانه وتعالى أن يمتحن صدق إيمان أبيه إبراهيم(ع).. فأرى إبراهيم في المنام أنه يأمره بذبح ولده البكر الشاب إسماعيل وأن عليه إن كان صادق الإيمان أن يمتثل لأمر ربه.

وصدق إبراهيم الرؤيا قولاً وسعى إلى تصديقا عملاً وفعلاً، فجاء إلى ولده إسماعيل وقال له: {يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى}.

ولم يكن إسماعيل(ع) ليكذب رؤيا أباه، ويرفض أمر الله مولاه، فقال لأبيه: {يا أبت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين..}.

وهكذا صدق الإثنان: إبراهيم خليل الله، وولده إسماعيل عليهما السلام، صدقا أمر الله دون أن تراودهما الهواجس والشكوك، ولم يترددا في التنفيذ.. وبدأ التنفيذ العملي لذلك التصديق: قاد إبراهيم(ع) إسماعيل إلى المكان الذي أُمِر أ، يذبحه فيه، فبعث الله سبحانه إليه ملكاً على صورة شيخ جليل رزين، فقال إبراهيم(ع): ياإبراهيم، ماتريد من هذا الغلام؟ قال(ع): أريد أن أذبحه. قال الشيخ: سبحان الله! غلام لم يعص الله، ولم يأتِ مايستحق منك ذلك!

قال إبراهيم(ع) إنّ ربي هو الذي أمرني بذلك. فقال الملك الشيخ: ربك ينهاك عن ذلك وإنما أمرك به الشيطان. قال إبراهيم(ع): ويلك إن الذي بلّغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به.

وظل الشيخ يحاور إبراهيم(ع) ويقول له: ياإبراهيم إنك نبي إمام، فلئن أنت ذبحت إبنك، تبعك الناس من بعدك وصاروا يذبحون أولادهم.

لم يلتفت خليل الرحمن إلى كلام الشيخ، بل أقبل يستشير ولده إسماعيل(ع) في الذبح وكيف يكون، فقال إسماعيل: يا أبتاه، غط وجهي بخمار، واربط يدي ورجلي.. فقال إبراهيم(ع): الوثاق مع الذبح!.. لا والله أجمعهما عليك، وأسلما لأمر الله.. وتلّ إبراهيم إسماعيل، وأضجعه على الأرض وأخذ السكين ووضعها على حلقه..ورفع رأسه إلى السماء وجر السكين.. ولكن الله العزيز العليم، لم يكن ليترك إبراهيم يذبح ولده إسماعيل وهو يعلم صدق الأثنين وتسليمهما لأمره، وقد ظهر هذا التصديق جلياً واضحاً: {فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه: أن ياإبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين}.

وأمر الله سبحانه جبرئيل فقلب السكين على قفاها، فلم تفعل شيئاً. ثم رفع إسماعيل(ع) وأتى بكبش كبير أضجعه موضعه، ونجى إسماعيل من الذبح: {وفديناه بذبح عظيم. وتركنا عليه في الآخرين. سلامٌ على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين}.

إسماعيل(ع) وزوجتاه

وتوفيت هاجر أم إسماعيل رضوان الله عليها، فدفنها إسماعيل(ع) في مكة قرب البيت الحرام، في المكان الذي يعرف اليوم بحجر إسماعيل.

ثم تزوج فتاة من جرهم، عاشت معه بعد وفاة أمه هاجر… وجاء إبراهيم(ع) بعد فترة ليتفقد أحوال ابنه وأهله، ولم يكن إسماعيل موجوداً في البيت، فوقف على امرأته دون أن تعرفه، وراح يسألها عن إسماعيل، فقالت: خرج يبتغي لنا.. وسألها عن أحوالهم وكيف يعيشون، فراحت تشكو الضيق وتعلن أنهم في أسوأ حال.. ولم تستضفه، فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلاموقولي له يغير عتبة بابه.

وتركها إبراهيم(ع) وانصرف راجعاً، فلما جاء إسماعيل(ع) عرف أنّ إباه قد حضر، فسأل زوجته: هل جاءنا أحد اليوم؟ قالت: جاءنا رجل شيخ.. وراحت تصفه له وذكرت له ما سألها عنه، وأخبرته بما قالت هي له، فقال لها إسماعيل(ع) وهل أوصاكِ بشئ؟ قالت: أوصاني أن أقرئك السلام، ويقول لك أن تغيّر عتبة بابك.

فقال إسماعيل(ع): ذلك هو أبي، وقد أمرني أن أطلقك، وطلّقها فلحقت بأهلها، ثم تزوج بأخرى من قبيلة جرهم.

وعاود إبراهيم(ع) زيارته إلى بيت ولده إسماعيل(ع)، وكان إسماعيل خارجاً، فدخل فلم يجده ووجد زوجته، فرحبت به، واستضافته، فنزل وسألها عنه فقالت: خرج يطلب الرزق لنا. قال: كيف أنتم، وكيف تعتاشون؟ قالت: نحن بخير وسعة، والحمد لله، فقال إبراهيم(ع) وما طعامكم وشرابكم؟ قالت: أما طعامنا فاللحم، وأما شرابنا فالماء. فقال(ع): اللهم بارك لهم في اللحم والماء، ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، وقولي له يثبت عتبة بابه ويستوص بها خيراً.

ولما رجع إسماعيل إلى بيته. سأل امرأته: هل زاركم أحد اليوم؟ قالت نعم، رجل شيخ حسن الهيئة، سألني عنك، فأخبرته أنّك خرجت في طلب الرزق، وسألني عن حالنا وكيف عيشنا، فأبلغته أننا بخير وسعة من الله.

وسأل إسماعيل(ع) زوجته: هل أوصاك ذلك الشيخ بشئ؟ قالت: نعم، هو يقرئك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك وتستوصي بها خيراً. قال: إنه أبي، وأنت عتبة الباب، وقد أمرني أن أثبتك في بيتي زوجة لي وأستوصي بك خيراً.

إسماعيل(ع) ينقل الحجارة لبناء البيت الحرام

غاب إبراهيم(ع) مدة لم ير خلالها ابنه إسماعيل(ع)، حتى أمره الله سبحانه تعالى، أن يبني له بيتاً في مكة، يكون مثابة للناس.

ولم يعرف إبراهيم أين يبني البيت، وتحير في الأمر، فبعث الله عزوجل جبرائيل، فأشار إليه بالمكان المناسب، وجاءه بالقواعد من الجنة.

قصد إبراهيم(ع) منزل ولده إسماعيل، وأبلغه الأمر الإلهي، فقال إسماعيل(ع): تبنيه وأساعدك.

وبدأ إسماعيل بنقل الأحجار، من ذي طوى وجبل أبي قبيس، وراح إبراهيم(ع) يبني البيت ويدعو مع إسماعيل: {ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم}.

رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بناء البيت، حتى بلغ يوم بنائه تسعة أذرع، وقد جعلا له بابين: شرقياً وغربياً يسمى المستجار. ثم إنّ جبرائيل (ع) دل إبراهيم على موضع الحجر الذي كان الله تعالى قد أنزله على آدم، والذي يروى أنه كان أشد بياضاً من الثلج، وإنما اسود بعدما لمسته أيادي الكفار، فأخذ إبراهيم(ع) الحجر الأسود ذاك، ووضعه في المكان الذي هو فيه اليوم.

وعند انتهاء إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) من بناء بيت الله الحرام، عهد الله إليهما أن يقوما على خدمته: {… وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود} وجعله مثابة للناس، وأمرهم باتخاذه مصلى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}.

ثم أمر الله سبحانه خليله إبراهيم(ع) أن يعلو ركناً من أركان البيت، وينادي في الناس: ألا هلم إلى الحج: {وأذَّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على مارزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوَّفوا بالبيت العتيق}.

إسماعيل(ع) نبي الله

لما أحس إبراهيم(ع) بقرب وفاته، أوصى ابنه إسماعيل(ع) أن يقوم بخدمة بيت الله الحرام، ويدبر شؤونه، وهكذا كان فبعد وفاة إبراهيم(ع)، قام إسماعيل برعاية البيت والسهر على شؤونه.. ثم إن الله سبحانه وتعالى نبأه وأرسله إلى العماليق وقبائل اليمن. فأخذ ينهاهم عن عبادة الأوثان ودعاهم إلى عبادة الرحمن، الواحد الأحد الفرد الصمد، فآمن بعضهم وكفر آخرون.

وقد ذكر الله سبحانه نبيه إسماعيل(ع) في سبع من سور القرآن المجيد، هي على التوالي: سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة النساء، سورة الانعام، سورة إبراهيم، سورة الأنبياء، وسورة ص.

أما إسماعيل الذي ورد ذكره في سورة مريم في قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيا. وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا}، إسماعيل هذا هو ابن حزقيل، كما أجمع عليه المؤرخون وليس إسماعيل بن إبراهيم(عليهما السلام) وكان إسماعيل بن حزقيل هذا نبياً أيضاً، وسمي “صادق الوعد” لأنه وعد شخصاً أن ينتظره في مكان معين لايبرحه، فانتظره ولم يغادر المكان، فيما نسى ذلك الشخص موعده وجاء بعد سنين ليجد إسماعيل(ع) لايزال في انتظاره، يأكل مما أنبته له الله من الأعشاب.

ويروى في قصة إسماعيل هذا، أنّ عابد بني إسرائيل الذي كان يقضي حوائج الناس عند الملك هو الذي وعده، وأنه نسي وعده وهو عند الملك، وأن الملك خرج ذات يوم للتنزه كعادته وقد اصطحب معه أعوانه ومنهم العابد هذا، وبينا هم يتجولون في البرية وقع نظر العابد على إسماعيل، فتقدم إليه وقال له: إنك لاتزال هاهنا ياإسماعيل؟ قال إسماعيل عليه السلام: ألم تقل لي إنتظرني ها هنا؟ فها أنا منتظرك، فتعجب الملك مما رأى وتساءل كيف يبقى إنسان إلى الحول في مكانٍ واحد. فاخبره إسماعيل(ع) أنّ الله قد أظله بغمام، وأجرى له عين ماءٍ، وأنبت له من بقل الأرض ماكان يقتات به.

وكان مع الملك رجل جبارٌ لم يستطع أن يفهم كيف أنّ إسماعيل قضى سنة كاملة في ذلك المكان، فقال للملك: سيدي الملك إنّ هذا الرجل لكذّاب، فلقد مررت أنا بهذه البرية منذ مدة فلم أرَ أحداً هنا، وإنما كان يروح ثم يعود إلى هذا المكان.

وكانت لإسماعيل هذا(ع) كرامة عند الله تعالى، كما لكل نبي من الأنبياء، فقال للجبار: إن كنت تكذب عليَّ فيما تقول، نزع الله صالح ما أعطاك، فلم يلبث أن تناثرت أسنان ذلك الجبار، واعترف بكذبه، ثم توسّل إلى الملك أن يطلب من إسماعيل، أن يسامحه ويدعو الله أن يرد عليه أسنانه، لأنه شيخ كبير السن ولايمكنه العيش دون أسنان. فطلب الملك إلى إسماعيل أن يدعو ربه أن يعيد للرجل أسنانه، فقال إسماعيل(ع) سأفعل. قال الملك: بل الساعة. قال إسماعيل(ع): إنني أفضّل أن أؤخره لوقت السَّحر، لإن أفضل أوقات الدعاء وقت السحر.

وهكذا، دعا إسماعيل ربه فردّ على الرجل أسنانه.

ويروي أنّ أهل مكة كانوا يفتشون عن إسماعيل لايعرفون له مكاناً، وهو قائم في المكان الذي وعد عابد بني إسرائيل أن يجده فيه، إلى أن عثر عليه رجل منهم. فقال له: يانبي الله، لِمَ تركتنا وتخليت عنا، فلقد ضعفنا بعدك وكدنا نهلك؟ قال إسماعيل(ع): لقد وعدت رجلاً أن ألاقيه في هذا المكان، ولن أغادر من هنا قبل أن يعود ونلتقي.

لما سمع الرجل ذلك من إسماعيل، أسرع إلى قومه يخبرهم بأمره وأمر الوعد، فخرجوا يبحثون عن الرجل حتى وجدوه، فقالوا له، مالك أيها الرجل تعد ولاتفي، لقد وعدت إسماعيل أن تلاقيه في مكانه وأخلفت وعدك، فهرع الرجل إلى مكان إسماعيل(ع) وقال له: يانبي الله، إنني نسيت موعدك، ولم أتذكر لو لم يذكّرني هؤلاء.

ويذكر أنّ إسماعيل(ع) قال للرجل: لو لم تأتِ لبقيت منتظراً، ولو طال ذلك إلى قيام الساعة، فأنزل الله تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد}.

ويروي أن قوم النبي إسماعيل هذا، ضايقوه وآذوه، حتى أنهم، أخذوه فسلخوا جلده، فغضب الله عليهم، وأراد لنبيه أن يقتصّ منهم، فأنزل عليه ملكاً يقول له: قد أُمِرتُ بالسمع والطاعة لك، فمر فيهم بما ترى. فقال إسماعيل(ع): لا، يكون لي بالحسين بن علي(ع) أسوة.

أما إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام)، فهو أبو العرب، وقد عاش مائة وسبعاً وثلاثين سنة على مايذكر الرواة، وقد رزق(ع) من الأولاد اثنا عشر ذكراً هم: فائت، قيدار، إربل، ميم، مسمع، دوما، دوام، ميشا، حداد، حيم، قطورا، وماش.

وإلى إسماعيل(ع) يتصل نسب حبيب الله نبينا محمد(صلى الله عليه وآله) عن طريق ولده قيدار والله أعلم، حيث ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: “أنا ابن الذبيحين” وهو يعني أباه عبد الله وجده إسماعيل بن إبراهيم عليه وعليهما الصلاة والتسليم.

ويذكر المؤرخون نسب النبي محمد(ص) ومنهم المسعودي الذي قال: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن عدنان بن أد بن أود بن ناحور بن يعور بن يعرب بن يشجب بن ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارخ، إلخ….

من هنا يعلم فضل نبي الله إسماعيل(ع)، حيث أنه كان من صلبه شجرة النبوة المباركة، والأشخاص الذين من أجلهم خلق الله سبحانه الأرض ومن وماعليه، وهم أهل البيت حبيب الله محمد وأولاده من ابنته فاطمة(ع) وزوجها ابن عم النبي علي بن أبي طالب(ع). من هنا إذاً كرامة إسماعيل(ع) عند الله حتى افتداه بذبح عظيم كما مرّ معنا، ليحفظ سبحانه شجرة النبوة المباركة والأئمة الميامين.

ويذكر أن نبي الله إسماعيل (ع) لما أحس بدنو أجله، أوصى إلى أخيه إسحاق بتدبير شؤون البيت الحرام، وتوفي سلام الله عليه، ودفن في المسجد الحرام في المكان الذي فيه الحجر الأسود.

فسلام الله على إسماعيل إنه كان نبياً رسولاً

وكان من الأخيار وكان من الصابرين

الحمد لله رب العالمين





النبي داوُد(ع)

14 08 2008

النبي داوُد(ع) صاحب المزامير

 

النبي داوُد(ع)

 

تولّى يوشَعُ بنُ نون قيادة قومه، بعد التحاق موسى(ع) بالملأ الأعلى.

وخرج بهم من أرض التيه، بعد أربعين سنةً تاهوا فيها، حيارى،.. إلى أرض فلسطين، لقتال أعدائهم، وما زال ينتقلُ بهم من نصرٍ إلى نصرٍ، حتّى دانَ لهم الأعداءُ وخضعت لهم الرقابُ، فحكموا بشريعة السماء!.

وكانوا يُقدِّمون أمامَهم، في كلِّ المعارك التي خاضوها، “تابوت العهد”،.. وفيه بقيةٌ ممّا ترك موسى وهرونُ: من عصا موسى، إلى الألواح المقدسة، إلى بعض دروعٍ وسلاحٍ.. وهكذا كانت بيارقُ النصر تُرفرف فوق هذا التابوت المقدس باستمرارٍ،.. الذي كان نعمةً أنعمها الله على بني إسرائيل!..

ولكنَّهم – كعادتهم- مالبثوا أن انحرفوا عن طريق الحقِّ، وجادّة الصواب.. فسلّط الله عليهم “الفلسطينيينَ” حتى ذلُّوا، وهانوا، وباؤوا بغضبٍ من الله وخذلان!..

صموئيل النبي

وأتى بنو إسرائيل نبياً لهم، وعبداً من عباد الله الصالحين، اسمه “صموئيل” وشكوا إليه، متبرِّمين، مايلاقون من مرارة الهوان، وتمزق الشمل والخذلان، وظهور أعدائهم عليهم ( أي: تفوُّقهم).

وهز “صموئيل” رأسه، فهو على وثيق الايمان بأنّ لعصاة الله سوء الدار، وبئس القرار.. وقومُه عصاةٌ فاسقون، مردُوا على الكفر والنِّفاق، فالله مجازيهم بما كسبت أيديهم وبما كانوا أنفُسهم يظلمون. وقال لهم بصوتٍ عميقٍ، وهو يتطلّع إلى آفاق السماء:

- دعوني استخر لكم الله في ماأنتم فاعلون!

وانصرفَ، كلٌ إلى شأنه!..

وأوحى الله إلى نبيه “صموئيل”: إني قد اخترتُ “طالوت” ملكاً على بني إسرائيل، ولعلّ “صموئيل” لم يكن قد سمع بهذا الاسم من قبل.. فمن “طالوت” هذا؟.. وكيف الوصول إليه؟..

فأوحى إليه الله عزّوجلّ: لاعليكَ يا “صموئيل”، فطالوتُ آتٍ إليك عمّا قريب. إنه عبدٌ من عبادي الصالحين، قد آتيتهُ بسطةً من الجسم والعلم.. وبه يتمُّ صلاحُ أمر بني إسرائيل.

“طالوت” و”صموئيل”

“طالوت” في قرية من قرى الوادي، يُشرفُ على أغنامٍ وأُتُنٍ (جمع أتان: أنثى الحمار) يرعاها، فتنمو عدداً – ويتعهّد الأرض: رياً، وفلاحةً، وزراعةً، فيجني منها وافرَ المحاصيل.

وبينما كان يرعى قطيعاً، أخذتهُ سنةٌ من الكرى، فغفا ساعةً أو بعض ساعةٍ، ولما استفاق، طلبَ أُتُنهُ فلم يجدها، فسأل غلامه عنها. وإذا به، مثله، لايعلمُ عنها شيئاً، فنهضا، وتوجّها إلى أرض وعرةٍ ذات عشب وكلأ وشجر، فلعل الأُتن قصدتها.. وتوغَّلا عميقاً في الأرض الوعرة، حتى تورّمت منهما الأقدامُ، دون أن يعثُرا لها على أثر. وأرادا العودة خائبين، بعد أ، لقيا مشقةً وعسراً، على أن يعاودا البحث عنها غداً في المقلب الآخر للوادي. فلعلّها قصدت وعور الشِّعاب!..

ويتوقَّفُ الغلامُ لحظةً، وهو يفرُكُ جبهته، ويتوجَّهُ بالكلام مخاطباً سيِّده “طالوت”:

- “سيدي، لعلَّنا لن نجوس خلال هذه الأرض مرةً أخرى. فنحن الآن في أرض “صوف” موطن النبي “صموئيل” الذي يهبِطُ عليه الوحيُ، وتتنزَّلُ الأملاكُ. فهيَّا بنا إلى هذا النبي الكريم، نستوضحه أمر ما افتقدنا من أُتُن، فلعلّ السماء تُنبئُنا بواسطته عن ضالّتنا.. وإلى ذلك كلّه، فلعلّنا نتبرّك بدعائه، ونُحرز رضاهُ.

وارتاح “طالوتُ” إلى هذا الرأي. فلا ضيرَ منه على أي حال!..

ويتوجّه “طالوت” يصحبه غلامُه إلى حيثُ يقيم النبي “صموئيل”. ويلتقيان، في طريقهما إليه، فتياتٍ، خرجنَ يستقين الماء، فسألاهُنَّ كيف السبيل إلى لقاء “صموئيل”، فأخبرنهما بأنّ الناس يلاقونه خلف ذيَّاك الجبل، ولعلّه موشكٌ على المجئ.

وفيما هُما كذلك، وإذ بصموئيل بطلعُ عليهما، يشعُّ محيّاهُ بنور النبوّة، وتحفُّ به مهابةُ رسولٍ كريم!..

ونظر كلُّ منهما إلى الآخر.. فأوقع الله في قلب “صموئيل” أنه أمام “طالوت” الموعود.

ولم يتردّدْ “طالوت” في الإبانة عن نفسه، والهدف من مجيئه، فقال:

- “لقد أتيتك، يانبيّ الله، مستوضحاً، مسترشداً، لقد ضاعت لنا أُتُنٌ، ومازلتُ أطلبُها، مع غلامي، منذُ ثلاثة أيام، دون جدوى. وقد أتيناك مسترشدين: فهل إلى العثور عليها، من سبيلٍ؟..

فأجابه صموئيل باطمئنان الواثق:

“أمّا الأُتُن التي أنت في طلبها، فهي في طريقها إلى أبيك، فلا تنشغل بها نفساً، ولاتنزعج بها خاطراً..

وإني أدعوك إلى أمرٍ، ندبَكَ الله إليه (أي: كلَّفك به، ودعاك..)، وهو أمرٌ، وايمَ الله (أي: أقسم بالله) جدُّ جسيمٌ، وخطيرٌ!..

ويُحملِق “طالوت” في وجه صموئيل دهشاً، فإلى مَ يدعوه نبي الله “صموئيل”؟..

- ماالأمر يانبيَّ الله؟

- لقد اختارك الله على بني إسرائيل، ملكاً!..

- أنّى يكون لي ذلك، ومن أكون حتى أنهض بهذا الحمل العظيم، والأمر الجلل الخطير؟ إنني من أبناء “بنيامين” أخمل الأسباط ذكراً، وأوضعهم جاهاً، وأدناهم قدراً، وأقلّهم مالاً، وأبعدهم عن مواطن الحكم والسلطان!..

- لاعليك!.. فليس لأغنياء الناس، ووجهائهم، من النبوة، إلاّ الحظُّ الأقلُ، والنصيبُ الأدنى. وإنّ هذه مشيئةُ الله، أنقلُها إليك،.. فاشكُر الله الذي اصطفاك عليهم جميعاً، واجتباك (أي: اختارك)، واحمد نعماءه على تكليفك بما لاينهضُ به إلاّ رجالُ الله الأخيار، فهيَّا، واصدَع بما أُمِرتَ به!..

وأخذ “صموئيل” بيد”طالوت”، وسارا، وتبعهما الغلام الذي، لدهشته، لم ينبس ببنت شفةٍ.

ووصل الثلاثةُ إلى النادي، حيث يجتمع عليّةُ القوم من بني إسرائيل، وأشراف ساداتهم، فوقف عليهم “صموئيل”، وهو ممسكٌ بيد “طالوت”، وأعلنَ فيهم:

- إن الله قد بعثَ “طالوتَ” ملكاً عليكم، فاسمعوا له، وأطيعوا، وأعّدوا العُدّة لجهاد عدوكم، تفلحوا، وتظفروا إن شاء الله!..

فلووا بأعناقهم، منذهلين!..

فمن يكون “طالوتُ” هذا النكرةُ، بينهم، والسيّئ الحال، يؤمّرهُ الله عليهم، وفيهم كلُّ عظيم الشأن، خطير المُقام؟..

فلا ذكر له، وهو الخاملُ بين بني إسرائيل، ولامال له، وبينهم من بيده كنزٌ من الذهب، لايفنى!..

ولاهو من أبناء “لاوي”، فرع دوحةِ النبوّة السامقة في بني إسرائيل…

ولاهو من غصن “يهودا”، معدن الملك والرياسة والسلطان!..

وأدرك “صموئيل” مايدور في خلدِهم، وما تُحدِّثهم به نفوسُهم، فقال لهم:

- على رسلكم، ياقوم!.. فالسيادةُ لاتحتاجُ إلى نسبٍ، وما عساه يجدي النّسبُ إذا كان صاحبُه أخرق أحمق؟. وماذا يفعل المالُ – على كثرته- مع المتخلّف البليد، والجبان الرعديد؟.. وهذا طالوتُ، اختارهُ الله عليكم، وفضّله على من عداه من بني إسرائيل،. {إنّ الله اصطفاه عليكُم وزادهُ بسطةً في العلم والجسم}. وها هوذا، كماترون، أمامكم، سويُّ الخلق، جميلُه.. صلبُ الجسم، متينُه، يبعثُ على المهابةِ والجلال!..

ألا ترونَ، لو كان مهزولاً، ضعيفاً،.. لاقتحمتهُ إذن، عيونُكم، وازدرتهُ انفسكم..؟ وهو، إلى ذلك، محاربٌ عنيدٌ، وعلى الأعداء جسورٌ، شديدٌ، بصيرٌ بعواقب الأمور، وخبيرٌ بأساليب الحروب، وفوق ذلك كله، فليس الأمرُ مني، ولاهو بيدي.. ولكنّهُ أمرُ الله تعالى، ومشيئَتُه، عزوجلَّ، فهو الذي قد ملّكه عليكم،.. فأطيعوا الله، في أمرِه، وسلِّموا إلى مشيئته نفوسكم راضين،.. فإنني، والله، لكم من الناصحين!..

وكأنّه استمال قلوبهم،.. فأظهروا الإذعان!..

ولكنّهم، مالبثوا أن عادوا إليه يطالبونه بآية يعرفون بها صدق قوله، فيكونون بذلك من المصدّقين، المؤمنين،..

فقال لهم: إنني أعرف خبيئة نفوسكم التي جُبلت على اللّجاج، والعناد، والمكابرة، ونبذ الحق،.. واتّباع سبيل الهوى، وطريق الغيِّ، وسوء الظنِّ بالله، وتكذيب رسله،

{إنّ آية مُلكه أن يأتيكم التّابوتُ فيه سكينةٌ من ربّكم وبقيّةٌ ممّا ترك آل موسى وآل هرون تحمِلُهُ الملائكةُ أنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين}.

فخرجوا إلى ظاهر المدينة، كما واعدهم “صموئيلُ”، فشاهدوا التابوتَ يتهادى إليهم في الفضاءِ، محمولاً على أكفِ الملائكة، فآمنوا، وبايعوا “طالوت”، وأقرُّوا له بالملك!..

وأظهر “طالوتُ” في ملكه، حزماً وعزماً. فأسرع إلى تجهيز جيشٍ لاتشغلُ أفرادهُ عن الحرب شواغلُ الدنيا، والتهالُكُ على حُطامها، وسار بهم لقتال الأعداء. وبينما هم، في طريقهم إلى الحرب، مرّوا على نهرٍ، وقد تلظّت أكبادُهُم عطشاً، فقال لهم طالوتُ:

- {إنّ الله مُبتليكُم بنهرٍ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمهُ فإنّهُ منّي إلا من اغترف غُرفةً بيده}

وشدّد عليهم بألاّ ينهلنَّ منه أحدٌ إلاّ بمقدار رشفات يبرّد بها كبدهُ الحرّى.

ولكنّ معظمهم لم يلتفتوا إلى طلب “طالوت” فأسلموا أنفسهم إلى هواها، فعبُّوا من ماء النهر الجاري حتى الارتواء، بينما ترشّف القليلُ منهم من الماء رشفاتٍ نزيرةٍ (أي:قليلة) برّد بها غليله.

ولمّا أشرفوا على أعدائهم، وجدوا فيهم قوّة عدةٍ وكثرة عدد، وقائدهم “جالوت” يجول بينهم ويصولُ، وقد غطّاهُ الحديد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، على فرسٍ أدهم كأنّه قطعةٌ من ليلٍ حالكٍ، فانقسمَ أصحابُ “طالوت” عندما شاهدوا ذلك إلى فرقتين:

واحدةٍ: أصابها الوهنُ، ودبَّ فيها الضعفُ، فقالوا: {لاطاقة لنا اليومَ بجالوتَ وجُنودِهِ}.

وثانيةٍ: ثبتت على الإيمان، واستحبَّت الجهاد على النُّكول عن الحرب(أي: الانصراف عنها)، موقنةً بأن النصرَ من عند الله، فحثُّوا إخوانهم على الصدق في القتال، والله يفعلُ – بعد ذلك- مايشاءُ، هاتفين بهم {كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله؛ والله مع الصَّابرين!..}.

وانطلقت شرارةُ المعركة بالمبارزة!.. فبرز “جالوتُ” بين الصَّفين، فما بارزَهُ فارسٌ، إلاّ وجندلَه صريعاً، حتى تحامتهُ الفرسانُ، وأجحمت عن مبارزته الأقرانُ. وهو على جواده المحمحم صائلٌ جائلُ، وسيفُه يرعُفُ دماً، والقومُ واجمون، مطرقون.

داود يبارز جالوت

كان في “بيت لحم” رجلٌ من بني إسرائيل قد أحنت السنونُ صُلبَه، فغدا عودُهُ كالقوس انحناءً.. ولما دقَّ نفيرُ الجاد في بني إسرائيلَ، انتخبَ ثلاثةً من نبيه، قائلاً لهم:

- “هيَّا لمعاضدة إخوانكم، ونُصرة بني قومكم في القتال، وأخذ نصيبكم من الحرب”.

والتفت إلى صغير أولاده، داود، الأبلج الغُرّة، الوضَّاء الجبين، المتوقِّد الخاطر، وقال لهُ:

- “أمّا أنتَ، فمُهمَّتُك إيصالُ الماء والطعام إلى إخوتك، وموافاتي بأخبارهم مساء كلِّ يومٍ، وإياك والحرب!.. فلست من رجالها، ولا ممَّن يخوضون لظاها!..”

وودَّع داودُ وإخوتُه أباهم الشيخ الكبير، الّذي دعا لهم بالنصر، والتَّأييد..

ولمّا وصلوا إلى ساح المعركة، راعَ داود فارسٌ طاغيةٌ، عملاقٌ، يخطُر على جواده بين الصَّفين مُتغطرساً، متجبِّراً، والقومُ عن مبارزتِه مُحجمونَ، بعد أن قتل من صناديدهم عدداً كبيراً!.. وسمع الفتى داودُ طالوت، يبعثُ النخوة في نفوس جنده، ويثيرُ فيهم الحماس:

- من لهذا الطاغية يقيناً شرَّه، ويكفينا أمره، على أن يكون ملِكاً من بعدي، وزوجاً لابنتي؟..

ثارت الحميةُ في نفس داود، فاقترب من طالوت مستأذناً بمبارزة هذا الطاغية الجبّار. فنظر إليه “طالوتُ” كالمستصغر شأنه،.. إنه فتىً غرٌ، لايزالُ في ميعةِ الصِّبا، وطراوته، لم تحنِّكهُ الأحداثُ ولاوقائعُ الحروب، فأعرضَ عنهُ.

ولكنَّ الفتى ألحَّ على طلبه، وأصرَّ، فقال لطالوت:

- ” لايخدعنّك مني ياسيدي، صغرُ الجسم، وحداثَةُ العُمر، وقماءةُ المظهر (أي: حقارته) فالشَّجاعة في جراءة النفس والجنان، لافي ضخامة الأجسام والأبدان.

بالأمس القريب عدا على إبل أبي أسدٌ ضارٍ، فما زلت أنازلُه حتى ضرعتُه. وبعد ذلك بأيامٍ اعترضَني دبٌّ هائلٌ، فما زلتُ به حتى أرديتُه.

ورأى “طالوتُ” في بيان الفتى صدقاً، وفي لهجته ماينمُّ عن تصميمٍ واندفاعٍ!.. فأذِنَ له،.. وأدناه منه، وألبَسهُ لأمةَ حربه، ودرعَه، وقلَّده سيفَه. ولكنَّ جسم الفتى النحيل، ناء بما أسبغ عليه من الحديد الثقيل. فخلع ذلك كلّه، وألقاهُ أرضاً وحمل عصاه ومقلاعهُ، واصطحب أحجاراً مُلساً، وتهيَّأ للخروج.

فقال له “طالوتُ”: كيف القتالُ بالعصا والمقلاع، وهذا مقامُ السيف والنِّبال؟.

فأجابهُ داودُ: إنّ الله الذي نصرني على الأسدِ والدُّبِّ، كفيلٌ بنصري على هذا الطّاغية الكفّار!..

ومضى، لايلوي على شئٍ..، ولاحقتهُ عيونُ القوم، لهفى، بحذرٍ!.. فليس داودُ من أنداد جالوت الأكفاء!.. ومتى كان للحمل الوديع أن يبارز الضِّرغامَ الهصور؟.. (أي: الأسد الفتَّاك).

ونظر جالوتُ إلى هذا المتقدِّم نحوه،.. إنه فتىً غريرٌ، كالأملود الطريِّ، لم تتفتَّح منهُ البراعِمُ، بعدُ، وحدجهُ بنظراتٍ حدادٍ،.. فأين السِّلاحُ يحملُه؟..

وهزئ من هذه العصا، يحملها، وذلك المقلاع، أتُراهُ يرعى ضأناً في واد؟.. أم تُراه يروم لعباً؟.. والحرب جدٌّ، وموتٌ، لامجال فيها لعبث الصبيان ولهو الصِّغار!.. وصرخ جالوت بداود ينصحهُ، بالعودة، يلعبُ مع الصِّبية، من أترابه، ويَلهو،.. فللحرب رجالُها، قبل أن تُخطف منه قصارُ الأنفاس!..

فلم يُجبه داود بكلمةٍ. بل مدَّ يدهُ إلى كيسٍ، على جانبه، تدلّى،.. فتناول منه حجراً أملس، أصمَّ ،داكناً، ووضعه في مقلاعه الصُّوفيَّ، وأرسلَه على “جالوت”، فسُمِعَ له أزيزٌ في الهواء،.. وأصاب جالوت، فشجَّ جبينه، وخضَّب وجهه بالدَّم.. فاستشاط “جالوتُ” غضباً، وقد سال دمُهُ دافقاً، حاراً، وغلى دماغُه،.. وهجم على هذا الصبيَّ اللّعوب يريد اختطاف أنفاسه، فرماهُ داودُ بحجر ثانٍ صكَّ وجهه، وثالثٍ، أصابَ به أم رأسه، فخر جالوت، عن جواده، يتخبَّطُ بدمِه، كالثَّور المذبوح، وهو يخورُ!..

فلما رأى جندُ “جالوت” ماحلَّ بقائدهم، زاغت منهم القلوبُ والأبصارُ، فأركنوا للفرار، وتبعهُم جندُ “طالوتَ” يُعملون في قفاهم سيوفاً ورماحاً، وقد ولّى أعداؤهُم الأدبار!..

وأصبح داوُد محطَّ أنظار القوم، وموضع إعجابهم، فإليه تشيرُ كلُّ بنانٍ (أي: إصبع).

* داود وطالوت

وفي طالوت بعهده، وصدق بوعده، فزوّج داود ابنته (مكيالَ).

وشدَّت طالوتَ إلى صهرهِ الفتى المؤيَّد، المسدَّد، أواصرُ نسبٍ وقربى، وروابطُ مواطنِ صدقٍ وجهاد!..

ولكن طالوتَ، ضاقَ، بعد زمنٍ، بداود، ذَرْعاً!. وقد أصبح هذا الفتى مسموعَ الكلمةِ في قومه، نافذ الرأي، مُهاب الجانب، فهو بالنِّسبةِ لهم موئلُ أملٍ، ومعقد رجاءِ!.. إنه ينتقِلُ بهم في المعارك التي يخوضونها، من نصرٍ إلى نصرٍ، تحوطُه عنايةُ الله، وترعاهُ، فكأنَّ الأقدارَ طوعُ يمينِه يتصرَّفُ بها كيفَ يشاءُ!.

ويشعر داودُ بتغيُّر طالوتَ عليه.. فطالوتُ لايلقاه إلاّ عابس الوجهِ، مُقطِّبَ الجبين، مكفهرَّ المُحيَّا، فما الّذي دهاه؟.. وأين بسمته الأنوسُ، وحديثُه الودود، وطبعُه الصَّافي، كالماء الزُّلالِ؟..

ويُفضي داودُ إلى زوجه “مكيالَ”، بما يلاحِظهُ على أبيها من تجهم، وانقلاب وإعراضٍ،.. فتبوحُ له بالسرِّ: لقد داخَلَ أباها حقدٌ على داودَ وضغيتةٌ، فالحسدُ ينهشُ قلبّه، وقد أصبحَ صِهرُهُ قبلةَ الأنظار. وتنصحُه بأخذِ الحيطةِ، واتِّخاذ الحذرِ. فليس كمثلهِما واقٍ لمن أرادَ على نفسه الإبقاء.

استدعى طالوتُ داودَ إليه يوماً، فمثلَ بين يديهِ.

وبلهجةٍ لاتخلو من حقدٍ ينضحُ، قال طالوتُ لداوودَ:- إن كنعانَ قد قويَت شوكتَهُم، وعظُمَ خطرهُم، وتمادى اذاهم، وشرُّهم، ألّبوا جموعهم يريدون النَّيل من “شعب الله المختار”!… فسِر إليهم، على بركة الله، مع مَن تراهُ من قادةٍ وجندٍ لاستئصال شوكتِهم، وإيّاك أن تعودَ إلاّ وسيفُك يشخُبُ من دمائهم، أو محمولاً على أعناق الرجال!.

وأذعَنَ داودُ لأمرِ طالوتَ، سيِّدِهِ، ومولاه. وما كان له إلاّ أن يُذعنَ ويطيع!.. وظنَّ طالوتُ أنه كُفي أمرَ داود، فهو قد أرسله إلى المقبرة لا إلى المجزرة!..

وتقدَّم داودُ بجيشه زاحفاً على الكنعانيين في عُقر دارهم، فشتَّت جموعهم، ودمَّر مُلكَهم، وكان يرمي نفسَه في كلِّ مهلُكةٍ، لايبالي أوقع على الموت، ام وقع الموتُ عليه!.. ولكنّ الله كان له حفيظاً، وناصراً، ومسدِّداً، ومؤيِّداً- فعاد، منتصراً، ظافراًن ترفرفُ فوقه بيارق الفوز المبين.

ورأى طالوتُ ذلك، فَغُمَّ، واهتمَّ، وتكدَّر خاطرهُ، وثارت وساوسهُ وهواجسُه،.. لقد شاء أمراً، وشاءَ الله أمراً آخر. ولله مايشاء!..

ويزدحمُ رأسُه بأفكارٍ سود… فيقرِّر التخلُّص نهائياً من داود، ولايكون ذلك إلاّ بقتله. فأضمر له كُلَّ سوءِ، وانطوت جوانحه المضطربة على قرارٍ أسود، خطيرٍ، ينتظر، لتنفيذه، الفرَصَ السَّانحات!.. فيخلو له الجوُّ عندئذٍ، وقد أصبح في بني إسرائيل فرداً أوحد، دون منافس، أو منازع، أو شريكٍ!..

وعلمت (مكيالُ) بما يُبيِّتُ أبوها، وما عزم عليه من فادح الشرِّ والبلاء.. فأطلعت زوجها على الأمر، فهتفَ بها:

- أإلى هذا الحدِّ، وصل الأمر بأبيك، ياابنةَ الكرام؟..

وفرَّ داودُ هارباً تحت جُنح الظّلام!.. ولحق بداود أنصارٌ وأعوانٌ. وافتُضح أمرُ طالوت، وانفضَّ عنه أتباعٌ وجندٌ. فلجأ إلى السيف، فلَه، وحدَه، فصلُ الخطاب!.. وثار عليه عُلماءٌ، وناصبه العداء قُرّاءُ، فأعمل في رقابهم السيف البتّار. وألقى الرُّعب في قلوب من حوله، وبدا لهم بطّاشاً، جبّاراً، دمويَّاً!..

والدّمُ يستتبعُ الدمَ!.. فليس لمعارضيه ومناوئيه إلاّ حدُّ الحُسام!.

فعلت الصّرخةُ،.. وباتت القلوبُ ترعدُ حقداً على هذا الطّاغية السفّاح، الّذي انقلب على من حوله من الرِّجال الأخيار!.

وخرج داودُ في ليلةٍ دكناءَ يتحسَّسُ أمر طالوت، فوجدهُ يغُطُّ في سباتٍ عميقٍ، وحوله ثُلَّةٌ من الجند يرقُدون.

فدنا منه على حذرٍ وترقُّبٍ، وئيدَ الخطو، رشيقَهُ، كالنَّملةِ في دبيبها على صفاةٍ. (أي: حجر أملس) فوجد الرمح إلى جانب طالوت، فاستلّه بخِفَّةٍ، وعاد!.

وأفاق طالوتُ بعد ساعةٍ، وتلمَّس رمحه فلم يجده، وتفقَّد جُنده فإذا هم نيام!.. فصاح بهم، فهبُّوا، وهم يفرُكون أعيُنهم، مذعورين.

وسألهم بصوتٍ هدّار: من المتجرِّئ على سلطان بني إسرائيل، فانتزع رمحه الذي كان إلى جانبه؟ فمطُّوا شفاههم، مستغربين، مُستنكرين، ونظر بعضُهم إلى بعضٍ، متسائلينَ، وقد قلقوا سيُوفهم في أغمادها،:

- الويل للمتجرِّئ الوقاح!..

وأرسلَ داودُ إلى “طالوت” رسولاً: إن رمحك معي. وقد أمكنني الله من نفسك ولكنَّني لم أبسُط إليك يداً بأذىً مخافة الله ربِّ العالمين. فلعلَّ في ذلك عبرةً لك واتعاظاً، لتُقلعَ عمّا أنت سادرٌ فيه من عماوةٍ وجهالةٍ، وغيٍّ وضلال!.. وكان لهذه الكلمات أثرُها الفعَّالُ في نفسٍ طالوت، فأصبح كمن بدأ يعودُ إليهِ رشدُه تدريجيَّاً، متلمِّساً سبيل هداه!.. وتحرَّكتْ نوازعُ الخير في نفسه، فأعلن أسفهُ على مافرَّطَ في جنب الله، وعضَّ أصابع النّدم على مااجترم من موبقاتٍ، وما أهدر من دماء الصالحين، وعلى مافتك بعلماءَ وقراءَ أخيارٍ!.. فهام على وجههِ فسي الصحراء، ينشُد (أي: يطلب) غفرانَ ربِّ الأرضِ والسَّماء، حتَّى وافاهُ الحِمام (أي: أدركه الموت).

وعلم بنو إسرائيل بهلاك الطّاغية، فهُرِعوا إلى داود مؤيدين، وتهافتوا عليه مُبايعين وشدَّ الله ملكه، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب!.. وآتاه الله أيداً (أي قوةً وسلطاناً) من لدُنه، وسُلطاناً مبيناً، وسخَّر له الجبال مسبِّحاتٍ معه صبحاً وعشياً. وحشد الطيرَ له، فهي طوعُ أمره بما يُريدُ ويشاء!..

وتحكي الرواياتُ قصة المزامير، فتنسُبُ إلى النبيِّ داودَ مجموعةً من مئة وخمسين نشيداً، تُعرفُ بمزامير داود، وتؤلِّفُ سفراً من التوراة.

داود والفتنــة

كان “أوريا بن حنان” من خيرة فتيان بني إسرائيل الصالحين.

فلما تاقت نفسُه للزواج، وجد في “سابغ بنت شائع” ضالّته المنشودة.

إنها على اوفر قسطٍ من الجمال والكمال والملاحة والصَّباحة، في فتيات بني إسرائيل. فطار إلى أهلها يخطُبها إليهم، فأجابوه مرحِّبين. وتوثَّقت بينهم وبين الفتى الوسيمِ وشائجُ (أي: روابط) قربى، وأواصرُ نسب.

ودعا داعي الجهاد. فهبَّ “أوريا” منخرطاً في صفوف الجند. وتقاذفتهُ المعاركُ من أرضٍ إلى إرضٍ. ومن ميدانٍ إلى ميدان. ومرَّت عليه، وهو يتنقَّل مقاتلاً، مجاهداً، بضعُ سنين. وقد أبلى في سبيل الله أحسن البلاء!..

وكان يمنِّي نفسه أن يمنَّ الله عليه بالعودة إلى أهله سالماً فيقضي حياته مع شريكةِ عمره، بسعادةٍ ونعيم!.

وفي إحدى المناسبات، وقع نظرُ داود على “سابغ”، فوقعت في نفسِه، وهامَ بها حبّاً!. لقد خلبَ لبَّه جمالُها الآسرُ الطاغي. وليس بين أزواجِه، وهن عشرات، يمتلئُ بهنَّ قصرهُ الرحيب، كسابغٍ جمالاً وحسناً، ووضاءة وجهٍ، ولألاء ابتسامةٍ!..

فتقدّم من أهلها يطلبها إليهم زوجاً له، تنزل في قصره على بحبوحةِ نعماء، وثراء.. فأسرعوا إلى تحقيق رغبة ما يبتغيهِ نبي الله، ومليكهم العظيم.

وأصبحت “سابغ” زوجَ داود الأثيرةَ عنده. وذاتَ الحُظوةِ، والَّدلِّ، والدَّالَّة، والشأن الرفيع. فقَّرِّ داودُ بها عيناً.

وكان داودُ، الملك – النبيُّ، يقسمُ وقتَه أرباعاً:

- فربعٌ لنفسه: يأخذ حظَّه من نعيم الدنيا، ومما آتاه الله من واسع الفضل، وعريض السلطان،…

- وربع لعبادة ربه: يتهجَّد، ويتعبَّد، فهو أمام مولاه جبّار السموات والأرضين، عبدٌ مسكينٌ مستكينٌ.

- وربعٌ للفصل بين الناس، والقضاء في ماهم فيه يختصمون، وللعدل أن يأخذ مجراه.

- وربع أخيرٌ لبني قومه، يعظهُم، ويُرشدهم إلى سواءِ الصِّراط!.

وكان على بابه جندٌ وحرسٌ. فداود قد أخذ نفسَهُ بنظامٍ، تعارف عليه، أيّامذاك، كلُّ الناس. فلكلِّ شئٍ إبّان! (أي: لكلٍ وقته).

وبينما كان نبي الله داود منصرفاً في قصره، إلى بعض شؤونه، وإذ برجلين قد انتصبا أمامه وكأنّهما هبط عليه من السماء. وسألهما داود عما يبغيان. فصرَّحا بأنّهما أتيا، مختصمين، إليه، فيحكُم بينهما بالعدل، دون شططٍ، ولا إسرافٍ!..

وتلفَّت داود حوله، فمن أين دخل الرجلان؟ وكيف غفلت عنهما أعينُ الحُرّاس؟.. فاحتكام الخصوم ليس هذا وقتُه. وابتلع ريقه بعد أن لم يجد بداً من الفصل في ماهما فيه مختلفان!..

قال أحدُهما: {إن هذا أخي له تسعٌ وتسعونَ نعجةً، ولي نعجة واحدة}- والعرب تكني عن المرأة بالنّعجة، فكأنه يقول، كما يراه بعض المفسِّرين، إن لأخي تسعاً وتسعين امرأة ولي أمرأةٌ واحدة- فما زال يغالبني في حجته وبيانه، ومنطقه وبرهانه، حتى غلبني، فأخذها مني.

فالتفت داود، نافراً مما يسمع، إلى الرجل الآخر، مستوضحاً

- أحقاً مايقول خصمُك؟

ويجيبُ الرجل: أجل، ياسيدي!..

- ولم؟.. يصيح داود مستغرباً.

فيجيبه: ليكمل عدد ماعندي إلى المائة!.

فاستشاط داود غيظاً، وانتفخت أوداجه حنقاً، أمام الظُّلم الصُّراح. فصرخَ متهدداً:

- والله، لايكون ذلك. فهذا ما لاحقَّ لك فيه، وإن وإن رمتَه، وأصررتَ عليه، ضربنا منك الجبهَة، والخيشومَ (أي: الأنف).

يشيرُ الرجل بسبّابتِه إلى داود، قائلاً: من فمِك أدينُك يانبيَّ الله!..

فما بالك، وأنت الّذي يغصُّ قصرُه بتسعٍ وتسعين من النساء الحِسان، تنفَسُ (من المنافسة) على (أرويا) زوجتَه الوحيدة، ولاتحفظُ له، وهو يجاهد في سبيل الله، عهداً في أهله، ولاترعى له ذمام حرمة؟..

وشعر داودُ، وكأنَّ السيفَ صدَعَ رأسه، فأُصيب بالذهول، ولم يُحِر جواباً!.

وأطرق إلى الأرضِ لحظةً، ثم رفعَ رأسه ليردَّ على الرجل، فهو لايعلم من أمر خطبةِ “سابغ” على “أوريا” شيئاً.

ولكن الرَّجلين اختفيا، وكأن الارض ابتلعتهما!.. وحملق داود في أرجاء البهو، فلم يجد أحداً،.

وخانتهُ قواه، فلم تعد قدماه تحتملان النهوض بجسمه،.. فخرَّ إلى الأرضِ ساجداً، منيباً، مستغفراً، تائباً، ودموعه تنحدر على وجنيه كلاذع الجمر، فتبتلُّ بها كريمتُه (بمعنى لحيته) التي وخطها المشيبُ. وألقى في روعه أنه كان بحضرة ملكين كريمين، أتياه مؤدِّبين، فعلِّماه مالم يكن يعلم، تلميحاً منهما، ورمزاً!.. وغفر الله لداودَ زلَّته!..

ولنستمع إليه تعالى في هذه الحادثة الفريدة:

{وهل آتاك نبأُ الخصمِ إذ تسوَّرُوا المحرابَ. إذ دخلُوا على داود ففزع منهُم، قالوا: لاتخف. خصمان، بغى بعضُنا على بعضٍ، فاحكُم بيننا بالحقِّ ولاتشطُط، واهدِنا إلى سواء الصِّراط. إن هذا أخي لهُ تسعٌ وتسعونَ نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ، فقال: أكفلنيها. وعزَّني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإنّ كثيراً من الخُلطاء ليبغي بعضُهُم على بعضٍ، إلاَّ الّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات، وقليلٌ ماهُم. وظنَّ داودُ أنّما فتنّاهُ فاستغفرَ ربَّهُ، وخرَّ راكعاً وأناب} (صدق الله العلي العظيم).

عدوانُ أصحاب السبت

أقرَّ الله لبني إسرائيل، على أن يكون السبتُ يوماً ينقطعون فيه للصلاة، ويعتكفون للعبادة!.. واستمروا على هذا الحال، ردحاً من الزمن، طويلاً.

وكان نبيُّ الله داودُ يحُضًّهم على ماهم عليه من تقديس يوم السّبت،.. ويحثُّهم على الانقطاع فيه لعبادة الله، وأعمال البرِّ، والتقرُّب إليه تعالى بالدُّعاء والصلاة. فلا تجارة في هذا اليوم، ولاصيد، ولا صناعة.

وكان في “أيلة” – القرية الواقعة على شاطئ البحر الأحمر- جماعةٌ من بني إسرائيل، يعبدون الله تعالى، ويُسبتون (أي: ينقطعون لله في يوم السبت)، كبقيّة بني إسرائيل. وكان البحرُ مورد رزقهم الوحيد، فهم يعيشون على صيده..

وشاء الله امتحانَهُم: فكانت {تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهِمُ شرَّعاً، ويوم لايُسبتونَ لاتأتيهم!}. وكانوا يرون ذلك، فيتنغصون..

الأسماكُ السِّمانُ، الكِبار، في مُتَناول أيديهم في كل سبتٍ، وفي ماعداه من أيام الأسبوع، فلا صيدَ، ولا أسماك!..

وحدثتهم أنفسُهم بالصَّيد، يوم السبت، وخرق العادة التي انتهجوها سنين طوالاً. واحتالوا على الأسماك، فاصطادوها في يوم سبتهم، الحرامِ!..

فذُعرَ من ذلك مؤمنو بني إسرائيل، وصُلحاؤهم الأبرار. ووجدوا في ماأقدم عليه قومهم، مروقاً (أي:خروجاً) من الدِّين، ومجاهرةً بالفسق والعصيان. فوعظوهم، وزجروهم، فلم يُغْنِ وعظٌ، ولم يُجدِ ازدِجارٌ!.. وأصرُّوا على الصَّيد في اليومٍ الحرام!..

ونهاهم نبي الله داودُ، وخوَّفهم عذابَ الله، وأليمَ عِقابِه، فلم يَرعووا..

واعتزلهم مؤمنو بني إسرائيل، فليس الكافرُ، المبارزُ الله بالمعصية، للمؤمن جاراً!.. وأقاموا بينهم وبين هؤلاء الفسقةِ جداراً: فهذا حيُّ المؤمنين الأطهار، وتلك ديار الكافرين الأشرار. وازداد الفسقة على ماهم عليه إصراراً، واستكباراً!..

ورفع نبي الله (ع) يديه الكريمتين إلى السماء داعياً عليهم بعذاب الله. فزلزل الله الأرض بالكافرين، فدُمِّروا تدميراً.

وقال لمن تبقى منهم على وجه الأرض، حياً: {كونوا قِردةً خاسئين!}.. فكانوا مسوخاص ولاأحقر!..

ومُسخ من كان في البحر، فكانوا “سمك الجري” الأملس، الذي لازعانف له ولاحراشف،.. بل جلدٌ أملسُ ناعمٌ، كجلد الحية الملساء!..

وهكذا حقَّت كلمة العذاب على القوم الكافرين!..

سليمان خليفة أبيه من بعده

بعد حادثة الغنم التي نفشت في حرثِ القوم (وقد وردت مفصلة في قصة النبي سليمان (ع)، ظهر أمرُ سليمان، وكان صبيّاً يافعاً، بعد أن أجرى الله على لسانه حكمةً، وفصلَ خِطابٍ.

و أخذ داودُ يتعهَّد ابنَه سليمان، وقد أوحى الله إليه، أنَّه الخليفةُ من بعدك، ونبيٌّ، ومن الصّالحين!.

ولكن، ها هوذا “أبشالوم” ابنُ داود، القويُّ العتيدُ، والجبّارُ العنيدُ، المقصيُّ عن حظيرةِ قدس النبوَّة، وسُدّةِ الحكم والسُّلطان،.. وقد أضمر لكلٍّ من أبيه داود وأخيه سليمان، شرّاً مستطيراً!..

فكيف تؤولُ (أي: تنتهي) الخلافةُ والنبوَّةُ من أبيه إلى سليمان، وهو الأقوى، والأشدُّ، والأمنعُ، والأعزُّ؟.. فتقرَّب “أبشالوم” إلى بني قومه، وأغدق عليهم كلّ عطفٍ وعطاء، حتى استرقَّ (أي: استعبد) قلوبَهم، وتمكَّن من نفوسِهم. فكثُرَت جماعتُه وأعوانُه فلما أطمأنَّ إلى ذلك، نادى فيهم بالثورة على أبيه وأخيه، فثاروا، واشتدّت الفتنةُ بينهم فكانت كالريح العاصف، واضطرب أمرهم. ونظر داودُ حواليه فلم يجد لنفسه إلاّ أن يفرَّ هارباً، فصعد جبل الزيتون بمن معه حافيا باكياً، وهنالك، تضرَّع إلى الله تعالى أن ينجِّيه مما حاق به من بلاء..

والتحق بداود قادةُ جيشه، وأنصارهُ، فطلب إليهم العودة، مشدّداً على أن يعالجوا الأمور مع ابنه “أبشالوم” بالحكمة، والحسنى، وأن يحافظوا على حقن الدّماء، ماوسعهم الأمرُ، لايدّخرون في سبيل ذلك جهداً.

وانتهى الأمر بقتل “أبشالوم” ووُئدَت (أي: دفنت حيّةً) الفتنةُ، وعادت الأمورُ إلى ماكانت عليه.

النهايـــة

وانصرفَ نبي الله داودُ إلى ابنه سليمان، فهو وريثُه، والنبيُّ من بعده، في بني إسرائيل، كما شاء الله وأراد.

وقرَّت عينا نبي الله وهو يرى ابنه يتدرَّج في مراتب النُّبُوَّةِ، ومقاليد الملك، ومعارج السلطان!.. كيف لا!.. وقد آتاه الله من لدنه، حكمةً، وفصل خطابٍ، وسيؤتيه من الملك والسلطانِ على طوائف الإنس، والجنِّ، وطير السماء، ووحش الأرض، وقد علّمه الله لُغاتها، ومنطقها، جميعاً فهو يأمرها بما يريد، وينهاها عمّا يشاء!..

وأخيراً،.. فقد آن للجنديَّ المحارب أن يأخذ حظَّهُ من الراحةِ، وقسطه من الهدوء.. وما ذلك إلاّ بانطلاق روحه الشريفة في رحاب الله اللامتناهي، وملكوته الأعلى اللاّمحدود.

فقضى،.. وقد شاعت على ثغره الوضئ إبتسامةُ سعادةٍ ورضى!..





النبي أيوب (ع)

14 08 2008

النبي أيوب (ع) ذوالبلاء

 

النبي أيوب (ع)

 

 

حديث أملاك

كان هذا حديث ملائكة في ملئهم الأعلى:

- لله هذا العبدُ الصَّالحُ، أيوبُ..

لقد أنعمَ الله عليه بالأموال الكثيرة، من قطعان إبل، وخيلٍ، وشياهٍ، وأُتُنٍ، تسرحُ في الفلاة ترعى، فتغطّ]،/ لكثرتها، الفلاة..

وتموج باعدادها الوهاد والهضابُ..

وعبيدٌ كثيرون يقومون برعايتها، والعناية بها.. وخدمٌ عديدون، يروحون، ويجيئون!..

ومع ذلك، فلم تُبطر النّعمةُ أيوب، ولم يبخل بما آتاه الله..

فبابه مفتوحٌ للرائح ولاغادين ويده مبسوطةٌ تعطي بلاكدرٍ (أي: منٍّ) ولاحسابٍ!.. لم يطرقه سائل إلاّ أغناه،.. ولم يقصده محتاجٌ إلاّ كفاه!..

شعاره: مال الله لعبيد الله.. وما جعلني الله على هذا المال إلاّ قيّما، لامالكاً له، ولاخازناً!.. إنّه أمانة عندي أؤديها إلى خلقه.. وليس لي في ذلك كلِّه حولٌ ولاطول، بل، بحولِ الله وقوّته، يتمُّ ذلك، ويكون!..

فتبارك الله: ماأطيبَ نفسَه، وأجملَ خُلُقَه، وأسمحَ يده!..

ويُردِفُ ملاكٌ آخرُ:

- وكان من تمام النّعمة عليه، أن رزقه الله أ,لاداً.. فكانوا سبع بناتٍ، ومثلهم من البنين!. فهم له قُرّةُ عينٍ، وعونٌ على المعروف يسديه، والإحسان يؤدّيه..

يراهم، بين يديه، كراماً بررةً، فيحمد الله ويشكرهُ على ماحباه من ولد صالحٍ!.. ويخاف عليهم الزّيغ، والعُجب، والتّكبُّر.. فيدهوهم إلى مراقبة الله في كل خطوةٍ، ومقالٍ، ويذكّرهم بأنّ عين الله ترى، وبأنه يعلم السرَّ وأخفى!.. ويطيبُ بهم خاطراً، وقد انتهجوا سبيل الهدى والرّشاد.. فيسجد لله شاكراً له وافرَ النّعماء، والحُسنى!..

ويتابع ملاك ثالث:

- وكان أن زاده الله من فضله، بأن رزقه صحّةً وفتُوَّةً.. فشبابه يتفجّرُ بالعزم والعافية..

وشكرَ الله أيوبُ، بأن اتّخذ من شبابه وسيلةً لمرضاة الله، وسبيلاً لطاعته، صارفاً ماعمر الله جسده من طاقةٍ، في سبيل الخير والإحسان،.. وإعانة الضعيف، وإغاثة المحتاج، آخذاً بيد هذا، مسدّداً خطو ذاك، فلم يعرف الكبرُ إلى نفسه سبيلاً، ولم تأخذه العزّة بما حباهُ الله من قوّةٍ. فقوّته من الله، وإليه..

ويتّفقون فيما بينهم:

ليس على وجه الأرض، عبدٌ، كأيوبَ، صالحٌ..

إنه نعمُ العبد،.. إنه أوّاب!..

وكان إبليسُ -يحيط به بعضُ أتباعهِ وجنده- قريباً من السّماء، يسترقُ السَّمع، فيسمع تحادث الأملاك، فيعجب من أيوب غاية العجب، ويقول في نفسه:

- يظهرُ أن زينة الدنيا، وبهرجها، وزُخرفها، لم تطغ أيوب، ولم تستطع إغواءه، فهلاَّ ابتلاه الله؟..

فمِمّا لاشكّ فيه أنّ زوال النِّعمة عن الإنسان، داعيةٌ للكفران بعد الإيمان!..

ابتلاء أيوب في ماله

ويرفعُ إبليس رأسه هاتفاً:

- إي ربَّ!.. لقد أعطيت أيّوبَ مالاً لاتغيبُ عنه الشّمسُ.. فلو قضى عمره في سجدةٍ واحدةٍ لك، لم يوفّك حقّك في ماحبوته إياه..

فهلاّ ابتليته في ماله؟.. وأصبته في ثروته؟.. إذاً، وحقّك، لتغيّر، وفترت عبادتُه، وقلّت طاعتُه، وانقطع إحسانُه..

ويأتيه الجوابُ من علِ:

- عبدي أيوب لم تُبطرهُ النّعمةُ حتى يجزع من النّقمة،..

فاصنع، وجندَك، مابدا لك في أمواله،.. قد أبَحنا لك ذلك، وسترى، بعد ذلك، صدق عبادة عبدي الصَّالح أيوب!..

وينطلق إبليس وجندُه إلى مال أيوب، وقد انتشر في البراري والفلوات إبلاً، وخيلاً، وشياهاً، وأتُناً، حتى غطّى وجه الأرض،.. وينقضُّون عليها، فإذا هي مجندلةٌ، على وجه الأرض، صرعى!.

وارتاع الرُّعاة لما رأوا..

وأخذهم العجبُ من هذا الوباء الوبيل الذي فتك بالقُطعان هذا الفتك الذّريع!..

وانطلقوا إلى سيّدهم أيوب، مهرولين، صائحين.. وأخبروه بمآل أمواله..

فأجابهم- وقد افترَّ ثغرُه عن ابتسامةٍ-: لاعليكم!.. مالُ الله، يفعلُ الله به مايشاء!..

وقعد أيوبُ في بيته، وكأنَّ شيئاً لم يكن!..

فلم تَفُتَّ في عزمه المصيبةُ، وقد تحوّل بين عشيّة وضُحاها من ثريٍّ كبيرٍ إلى مسكينٍ فقيرٍ،..

بل حمد الله على ماأصابه، كما كان يحمدُه على ما أعطاه!..

وظهر إبليسُ لأيوب، في هيئة شيخٍ حكيم، قد عجمت عودة الأيام (كناية عن تجاربه الكثيرة) وحنّكته التّحاريب.. فسلّم على أيُّوب بوفارٍ، وقال له:

- مافعل الله بك ياعبد الله؟..

فأجابه:- إنه الله الفعّالُ لما يريدُ!.

- أرأيت لو كان الله أثابك على ما دأبت عليه من الصّلاة وأعمال البرّ لما أصابك في مالك ما أصابك!.

- صه!.. أيها الشيخُ.. إنما تنطق بلسان الشَّيطان..

وخرَّ إبليس إليه، وهو كذلك، فقال في نفسه:

- واحسرتاه، سجدَ فرَشد، وأبيتُ فغويتُ!..

ثم تولّى على عقبيه، ندمان، حسران، خزيان!..

وهكذا لم يهن أيوبُ أمام مصيبته في ماله، بل تماسك، وتجلّد، صابراً محتسباً، ولم يفتُر لسانه عن تسبيح الله، وشكره على آلائه (أي: نعمة)، أبداً..

ابتلاء أيوب في أولاده وخدمه

واتّجه إبليسُ بنظره إلى السّماء، هاتفاً من جديد:

- إي ربِّ!.. لقد أصبتَ أيوبَ في ماله، فما انفكَّ عن ذكرك وما انقطع عن شكرك، وما ذلك، إلاّ لأن بين يديه أولاداً كثُراً، من بنين وبناتٍ، يفعلون بأمره، ويقومون بما يريد.. بالإضافة إلى خدم كثيرين، طوع إشارته.. فهم عُدّته إذا اشتدَّ الزمان، وعضّته المصيبة.. فهلاً ابتليته في من حوله من خدمٍ وأولاد؟.

ويأتيه النداء من فجاج الغيب:

- أنا الله السميع البصير، الخبيرُ بعبدي الصّالحِ أيوب، الذي لايعرفُ الجزعُ إلى قلبه سبيلاظً..

فأجلب على من عنده من أولادٍ وخدمٍ، بخيلك ورجلك، باستثناء زوجه “ليا”.. واصنع ما بدا لك!..

وهبَّ إبليس، وبعضُ جنده من المردةِ العُتاة، والشياطين العصاة، يتربصون بأبناء أيوب، وخدمه، الدّوائر..

وماهي إلاّ سويعات، حتى أخذ أولادُ أيوب، والخدمُ، يتوافدون إلى القصر، للاجتماع فيه، وتمضيه جزء من النّهار، وتناول طعام الغداء، معاً..

وانتظر إبليسُ، ومن معه، حتى تكامل عقد المتوافدين، وتمَّ عددهم،..

وبينما هم كذلك..

وإذ بإبليس وجنده ينقضُّون على أسس القطر، وركائز أعمدته، فيزلزلونها زلزالاً شديداً،.. وماهي إلاّ لحظات، حتى تهاوى القصر على من فيه وتحوّل إلى ركامٍ وأنقاضٍ!..

وعلت الصّرخةُ..

وسُحبت الجثثُ من تحت الأنقاض أشلاءً، أشلاء..

وأتى الصّارخُ أيوب -وكان عنهم بعيداً-:

-:هلُمَّ ياأيوبُ.. لقد تداعى القصرُ على أبنائك وخدمك المجتمعين فيه.. فهم جميعاً، صرعى!..

عظَّم الله أجرك فيهم، جميعاً!..

ولم يصرخ أيوب.. ولم يجزع، ولكنه أطرق إلى الأرض قليلاً، وقد سالت على خدَّيه دمعة حرّى، أخذ يكفكفها بطرف كمِّهن وهو يقول:

إنّا لله، وإنّا إليه راجعون!.

وصخت زوجَه ليا بنت يعقوب النبي، وولولت، وانتحبت.. فدعاها أيوبُ إلى التَّصبُّر،.. فما لبنات أنبياء نبي إسرائيل، والجزع؟..

وعاد أيوبُ إلى منزله، بعد ساعةٍ،.. بعد أن شيَّع أولاده وخدمه جميعاً إلى مثواهم الأخير.. وهو مايزال يذكرُ الله ذكراً كثيراً..

ولم يبق له من الدّنيا إلاّ هذه المرأةُ الصالحةُ، التي طفح وجهُها بالحزن والأسى..

وأتاه إبليس في زي شيخ وقورٍ، معزِّياً،… فالكلُّ إلى زوالٍ!..

والتفت الشيخ إلى إيوب، وكأنه يتساءل، موسوساً:

- تُرى، …أما كان لصلاتك، وشدة تعبُّدك لله، أن يدفعا عنك هذا المُصابَ الجلل، والرُّزء الفادح؟..

أعانك الله على ماأنت فيه من الأمور العظام، والخطوب الجسام!.. ثم،.. أإلى هذا الحدِّ يتخلَّى الله عند عبده المؤمن الذي لايفتُرُ عن ذكره، في قيامٍ وفي قعودٍ، وفي جيئةٍ وفي ذهاب!..

ورمقهُ أيوب بنظرةٍ شزْرٍ، كملتهب الشّرر:

- إليك عني أيها الشيخ.. هلاَّ ذكرت الله في قولِك؟

وهل كان مالي إلاّ وديعةً استودعنيها الله؟

وهل كان أولادي إلاّ عاريةً (أي: وديعة) مستردَّة؟

فمن حقِّ الله المعطي، أن يستردَّ ماشاء متى شاء!..

ويخرُّ أيوبُ ساجداً لله، وهو يتمتم: -ربِّ.. لك الحمدُ والشكرُ، في الضرّاء، كما في السرّاء!..

فتولى عنه إبليس مغيظاً، محنقاً، وهو يكاد يتميَّزُ غيظاً!..

وأخذ إبليس يقلِّب كفيهِ..

فمن أين يأتي أيوب؟..

ابتلاء أيوب في بدنِه

وانتبه إلى صحة أيوب وما لهُ من نشاطٍ جمٍّ..

فأيوب ممتلئ الجسم صحةً وعافيةً.. له جسمُ الرِّجال الرِّجال، وعزمُهم الشديد!..

فتوجَّه إلى السماء قائلاً: – إي ربِّ.. لقد سلبتَ أيوبَ أمواله كلّها، فما لانت له قناةٌ، ولاوهنت له عزيمةٌ.. وحرمته أولاده وخدمه أجمعين، فما كان ذلك ليؤثر عليه من قريبٍ أو من بعيدٍ..

وإني أراه معتمداً على قوَّته، معتداً بفتوته.. فهو فارع الطُّولٍ، متينُه، عريضُ المنكبين، شديدُهما؛ مفتولُ السّاعدين، قويُّهما..

فهلاّ ابتليته في جسده وصحته، وأصبتَه في قوته وهمَّتِه؟..

ويأتيه الجوابُ من علٍ: إنَّ عبدي أيوبَ نِعم العبدُ الصَّابرُ على مايصيبُه..

لقد سلطتك على جسده، وأبحتك بدنه، فأجمع له ما استطعت من أمرك، وكد لهُ ماشئت من كيدك، فما أمرُك إلاّ في ثباتٍ!..

ويكرُّ إبليس وجندُه، على أيوب الفرد، الصِّفرِ اليدين، ويأتونه من كل جانبٍ، وينفخون في جسده من خبيثِ أنفاسِهم، فيقعُ عليلاً، منهوك القوى.. وتنتشر في بدنه العِللُ والأمراض، فيمتلئ قروحاً وجروحاً ملتهبات!.

ويبقى على هذا الحال سنين.. وتُبرِّحُ به الأوجاعُ والآلام، والعِللُ والأسقامُ.. ولا من طبيب، ولامن دواءٍ؟.. وهكذا أصبح بدنهُ مرتعاً لكلِّ علَّةٍ، ومسرحاً لكلِّ داءٍ خبيثٍ!..

ويعودُه بعضُ النَّاس..

- ماتشكو ياأيوب؟.

- إلى الله أبثُّ شكواي ونجواي، وهو وحدّه الخبيرُ بما أنا فيه..

وسرعانَ ماينفض عنه الناس، ويتحامونه.. فريحُهُ كريهٌ، لايُحتمّل،.. ومنظرُ جسده يبعث على الغثيانِ!..

ويودِّعونه، ويودعون زوجَهُ ليا بنت النبي يعقوب، التي كانت تتعهَّدُهُ، بعطفٍ وحنانٍ، وتقومُ على خدمتِه خيرَ قيامٍ!..

وأخيراً انقطع عنه الناسُ، وتحاشَوا لقاءه، وتجنَّبوا عيادته.. إذ قد امتدّت به المحنةُ، وأصابهُ الجهدُ، وأوغل في عروقه ومفاصله الدّاءُ العُضالُ..

وكان أيوب يعاني ذلك كلّه معاناة الصّابرين المحتسبين.

وظلّ، كعادته، منشغلاً بالله عمّن سواه من العالمين.. شاكراً إياه على كلِّ حال!..

أما إبليسُ فكان يرى ذلك كلَّه، فيشتدُّ غيظاً، ويستعِرُ حنَقاً،.. ويدمدم: لم أرَ في حياتي رجلاً مبتلىً كلَّ بلاءٍ، يصبُر، كأيوب!..

ويجمع حوله رهطاً من جنوده،..

- مالعملُ، بعدما رأيتم من أمر أيوب؟.

- لقد أُسقط في أيدينا (كنايةً عن العجز) بعدما رأينا أيوب يصبر هذا الصبر الذي لاحدود له..

- حقاً إن صبرَ إيوب لعجيبٌ.. لقد ابتُليَ البلاءَ تلو البلاء، لو أصاب بعضُها الجبال لدكَّها..

- إنه ليحزنني أن نفشلً كلُّنا في هذا الأمر، وقد نجحنا في ماهو أشدَّ منه، وأدهى..

- ولكن، قال لي، سيدنا،.. كيف أخرجت آدم من الجنَّة؟.

- بواسطة زوجه حوَّاءَ..

- إذاً، فلنحاول جُهدَنا، أن نأتيَ أيوبَ من قِبَلِ زوجِه ليا..

- وهو ماتقولُ..

وينصرفون..

إبليس وزوج أيوب

وفي الصباح الباكر، يظهر إبليسُ لزوج أيُّوبَ، ليا، بصورة طبيب..

ويسألها عن زوجِها..

فتجيب: لاهو حيٌّ فيُرجَى، ولاميِّتٌ فيُعزَّى به..

وتدعوه لمداواة أيوب..

فيجيبها: أداويه، ضامناً شفاءه ممَّا يكابدُ من داءٍ وسقمٍ، ولكن بشرط، لاأريد جزاءً سواه..

قالت: وماهو؟

قال: أداويه.. على أنه إذا برئ، يقول لي: أنتَ شَفيتَني!..

قالت: نعم!..

وأسرعت ليا إلى أيوب، قائلةً له، وكأنها تستَرحِمُه:

- ياأيوب.. لقد طال مرضُك، وامتدَّت معاناتك،.. وهذا طبيب يزعم أنه يشفيك من كلِّ ماتعاني منه، من أوصابٍ وأسقام!..

- عليَّ به، ياليا..

- ولكنه أخذ عليَّ عهداً، واشترطَ شرطاً..

- مايقول؟..

- يقول: إنه يداويك، فإذا برئت تقول له: أنتَ شفيتني.. لايريد جزاءً سواه..

ويحتقن وجهُ أيوب، فبدا رهيباً،.. ويصرخ بوجهها كالملسوعِ:

- أغربي عن وجهي.. قبَّحَ الله ماترين..

أولم تسمعي قول جدِّك إبراهيم خليل الرَّحمن:

{الّذي خلقني فهو يهدين. والّذي هو يُطعمني ويسقين. وإذا مرضتُ فهو يشفين. والّذي يُميتني ثمَّ يُحيينِ.}..

ويتابع قوله لها بصوتٍ هدَّار، وهو يتوعدها بأليم العِقاب:

- والله، إن منَّ الله عليَّ بالسّلامة ممّا ابتلاني به، لأجلدنَّك مائة جلدةٍ جزاء ما نفث الشيطانُ على لسانك، وما وسوس لك به إبليسُ، مزيِّناً لك الكفرَ بالله، والشِّرك بعبادته..

وتنصرف ليا من أمام وجه زوجها الذي اشتعل غضباً..

وترى الطبيب، وكأنه كان يسمعُ تحاوُرَهما،.. فما أن رآها عائدة، مكسوفةً، حتى نكَصَ على عقبيهِ، وتولَّى عنها، مدمدماً، غضِباً..

وماهي إلاّ ساعة، حتى تعود ليا لما فُطِرَت عليه من إيمان، فتستغفر الله، وتعتذرُ إلى زوجِها، وقد رقَّ قلبُها له، فهي لاتبغي من وراء ذلك كلِّه إلا شفاءه..

وتتودَّد إليه، وتتلطَّف، وتتعطَّف، فيُقبل عليها بوجهه،..

وتنظر إليه باهتمام عطوف، وحدبٍ حانٍ، وقد ترقرقت في عينيها جمعة، وتقول له، برقَّةٍ، وكأنَّها تهمسُ في أذنه:

- ماعهدتُك، ياأيوبُ، إلاّ صبوراً على الشَّدائدِ، جلداً على الأحداث والمِحَن.. وقد اصطفاك الله، من بين قومِك، نبياً،..

فهلاَّ سألتَ الله أن يمسَحَ ضُرَّكَ، ويكشفَ عنك هذا البلاءَ، ويُنقِذكَ من لُجَج هذه الأسقام؟

إني لأراه، إن فعلتَ، استجابَ!..

- وكم مضى عليَّ في مرضي ياليا؟..

- سبعُ سنين..

- وكم مضى عليَّ، قبلَ ذلك، من عمري الذي عشته معكِ، في نعمة عيشٍ وارفٍ، ودعةِ بحبوحةٍ، ورغد..؟..

- ثمانون..

- إني لأستحيي من الله، أن أسألَه كشفَ مابي من البأساء، ولم أصبر، بعدُ، على معشارَ ما حباني به من النَّعماء..

وتنصرف ليا شاردة النظرات..

وينطل أيوب سمجِّد الله، ويسبِّحه، ويقدِّسه، ويشكره، كثيراً..

بُرْءُ أيوب

وتجرُّ أيوبَ قدماه بجهدٍ، وإعياءٍ، شديدين، إلى ظاهر بيته، في البريَّةِ، يُسَرِّح نظره في الآفاق، وقد اكتست الطبيعة حلةً خضراء خضراء.. مرصَّعةً بالزهر من كلِّ لونٍ.. ويأخذ مجلسه على التراب النديِّ، فتباركَ الله أحسن الخالقين..

هناك: {نادى ربَّه أني مسّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ}

وألقى في روعِ الملتلى الصابر: أن اضرب بقدمِكَ الأرض.. ففعل.. فانفجرت منها عين ماءٍ دافقة، وقيل: بل نبعت عينان:

فاغتسل في إحداهما، وشرب من الأخرى..

وتمطَّى قليلاً، وتثاءب.. وكأنّه فُكَّ من عِقال..

ونظر إلى جسده، فإذا به قد عوفي من كلِّ داءٍ وسقم..

وإلى فتوته.. فإذا هو بعزيمةِ إيّام الشباب!..أيتم

فأسرع إلى منزله، وهو يكبِّر الله، ويحمده، وارتدى ثياباً كان قد خلعها منذ سنوات..

ولما عادت زوجه إلى البيت، ارتاعت.. ففي البيت رجلٌ غريب..

وحدَّقت النَّظر فيه مليَّاً، فناداها، .. فعرفته من صوته.. إنه زوجها أيوب..

فصرخت فرحاً، وقد ملأت عليها المفاجأة المذهلةُ كلَّ وجدانها.. وأسرعت إلى زوجها تعانق خدَّيه الملتمعين بالعزم، ورواء العافية.. إنها لتكاد تطير فرحاً.. فسبحان من يحيي العظام وهي رميم!..

وغفر الله لها زلَّة لسانها، في موقف ضعفٍ، جزاءَ حسنِ تعهُّدها أمور زوجها في الشَّدائد المهلكات..

وأوحى الله تعالى إلى أيوب: أن أجمع حزمةً من شماريخ العشب، وقضبانه الهشَّةِ، تبلغ مئةً، واضرب بها زوجك ليا، ضربةً ليِّنةً واحدةً، تبرَّ يمينُكَ.. ففعل!..

وشاء الله تعالى إلاّ أن سكاف~ أيوب بمزيد من الحسنى، ويجزيه الجزاء الأوفى.. فأحيا له جميعَ من هلَك من ولده وخدمه، ومثلَهم معهم، ممن كانوا قبل البليَّة وخلالها وأعاد له جميع ما فقد من مالٍ، مضاعفاً، مباركاً.. تكرماً منه وتحنُّناً.. وتذكرةً وموعظةً لأولي الألباب!..

ويذكر الله الصابرين الذين يزيدهم من فضله، ويوفيهم أجورهم بأحسن ماعملوا، بأن لهم عقبى الدار..