شبهات حول المكي والمدني في القران الكريم

15 08 2008

شبهات حول المكي والمدني في القران الكريم

وبالاحري يجب أن يقال :إن شبهات المكي والمدني ترتبط في الحقيقة بالشبهات التي اثيرت حول الوحي ارتباطاً موضوعياً لأنها ترتبط بفكرة انكار الوحي ولذا فسوف نناقش هذه الشبهات بعد التحدث عنها لايضاح بطلانها من ناحية وتقديم التفسير الصحيح للفرق بين المكي والمدني بعد ذلك من ناحية ثانية. الشبهة حول المكي والمدنيللشبهة حول المكيوالمدني جانبان : جانب يرتبط بالاسلوب القرآني فيها وجانب آخر يرتبط بالمادةوالموضوعات التي عرض القرآن لها في هذين القسمين وفي كل من القسمين تصاغ الشبهة عليعدة اشكال نذكر مها صياغتين لكل واحد من القسمين.أ – اسلوب المكي يمتاز بالشدة والعنف والسبابفقد قالوا : إن اسلوب القسم المكي من القرآن يمتاز عن القسم المدني بطابعالشدة والعنف بل السباب أيضاً. وهذا يدل علي تأثر محمد بالبيئة التي كان يعيش فيهالأنها مطبوعة بالغلظة والجهل. ولذا يزول هذا الطابع عن القرآن الكريم عند ما ينتقلمحمد الي مجتمع

{ 51 }المدينة الذي تأثر فيه – بشكل أو بآخر – بحضارة اهل الكتابواساليبهم وتستشهد الشبهة بعد ذلك لهذه الملاحظة بالسور والآيات المكية المطبوعةبطابع الوعيد والتهديد والتعنيف أمثال : سورة (المسد) وسورة (العصر) وسورة (التكاثر) وسورة (الفجر) وغير ذلك.ويمكن أن نناقش هذه الشبهة.اولاً : بعدم اختصاص القسم المكي من القرآن الكريم بطابع الوعيد والانذاردون القسم المدني بل يشترك المكي والمدني بذلك. كما إن القسم المدني لا يختص ايضاًكما قد يفهم من الشبهة بالاسلوب اللين الهادئ الذي يفيض سماحة وعفواً بل نجد ذلك فيالمكي والشواهد القرآنية علي ذلك كثيرة.فمن القسم المدني الذي اتسم بالشدة والعنف قوله تعالي (فان لم تفعلوا ولنتفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين)(1).وقوله تعالي : (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطهالشيطان من المس)(2) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا انكنتم مؤمنين. فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله وان تبتم فلكم رؤوساموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)(3)وقوله تعالي : (إن الذين كفروا لن تغني عنهم اموالهم ولا اولادهم من اللّهشيئاً واولئك هم وقود النار. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهماللّه بذنوبهم واللّه شديد العقاب. قل للذين

_____________________
(1) البقرة : 24.
(2)، (3) البقرة : 275 و278 – 279.

{ 52 }كفروا ستغلبون وتحشرون الي جهنم وبئس المهاد)(1).كما نجد في القسم المكي ليناً وسماحة كما جاء في قوله تعالي (ومن احسن قولاًممن دعا الي اللّه وعمل صالحاً وقال انني من المسلمين. ولا تستوي الحسنة ولا السيئةادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها الا الذينصبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم)(2).وقوله تعالي : (فما اوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند اللّه خيروأبقي للذين آمنوا وعلي ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ماغضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شوري بينهم وممارزقناهم ينفقون. والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمنعفا واصلح فأجره علي اللّه إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ماعليهم من سبيل. إنما السبيل علي الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحقاولئك لهم عذاب اليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور)(3).وقوله تعالي : (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم. لا تمدن عينيكالي ما متعنا به ازواجاً منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين)(4).وقوله تعالي : (قل يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لا تقنطوا

_____________________
(1) آل عمران : 10-12.
(2) فصلت : 33-35.
(3) الشوري : 36-43.
(4) الحجر : 87-88.

{ 53 }من رحمة اللّه ان اللّه يغفر الذنوب جميعاً انه هو الغفورالرحيم)(1).وثانياً : انه ليس في القرآن الكريم سباب وشتم. كيف ؟ وقد نهي القرآن نفسهعن السب والشتم حيث قال تعالي : (ولا تسبوا الذين يدعون من دون اللّه فيسبوا اللّهعدواً بغير علم)(2).وليس في سورة (المسد) أو (التكاثر) سب أو بذاءة – كما يحاول المستشرقون انيقولوا ذلك – وإنما فيهما تحذير ووعيد بالمصير الذي ينتهي اليه أبو لهب والكافرونباللّه.نعم، يوجد في القرآن الكريم تقريع وتأنيب عنيف وهو موجود في المدني كما هوفي المكي وان كان يكثر وجوده في المكي بالنظر لمراعاة ظروف الإضطهاد والقسوة التيكانت تمر بها الدعوة، الامر الذي اقتضي ان يواجه القرآن ذلك بالعنف والتقريع -احياناً – لتقوية معنويات المسلمين من جانب وتحطيم معنويات المقاومة من جانب آخركما سوف نشير اليه قريباً.ومن هذا التقريع في السور المدنية قوله تعالي (ان الذين كفروا سواء عليهمأأنذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون. ختم اللّه علي قلوبهم وعلي سمعهم وعلي ابصارهمغشاوة ولهم عذاب عظيم. ومن الناس من يقول آمنا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين -الي قوله تعالي – صم بكم عمي فهم لا يعقلون)(3).وقوله تعالي (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من اللّه ذلك بانهمكانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون النبيين بغير الحق. وذلك

_____________________
(1) الزمر : 53.
(2) الانعام : 108.
(3) البقرة : 6-18 و61 و90 و171.

{ 54 }بما عصوا وكانوا يعتدون)(1) وقوله (بئسما اشتروا به أنفسهم انيكفروا بما انزل اللّه بغياً أن ينزل اللّه من فضله علي من يشاء من عباده فباؤوابغضب علي غضب وللكافرين عذاب مهين)(2).وقوله تعالي (إن الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدي من بعد ما بيناهللناس في الكتاب اولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون)(3).وقوله تعالي : (اذ قال اللّه يا عيسي اني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذينكفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلي يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فاحكمبينكم فيما كنتم فيه تختلفون. فأما الذين كفروا فاعذبهم عذاباً شديداً في الدنياوالآخرة وما لهم من ناصرين)(4).وقوله تعالي : (قل هل أُنَبِّئُكم بشرّ من ذلك مثوبة عند اللّه من لعنهاللّه وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً واضل عنسواء السبيل)(5).وقوله تعالي : (وقالت اليهود يد اللّه مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوابل يداه مبسوطتان)(6).ب – اسلوب القسم المكي يمتاز بقصر السور والآيات :وقالوا ايضاً إن من الملاحظ قصر السور والآيات في القسم المكي علي عكس القسمالمدني الذي جاء بشيء من التفصيل والاسهاب. فنحن

_____________________
(1)، (2)، (3) البقرة 61 و90 و150.
(4) آل عمران : 55 و56.
(5): (6) المائدة : 60 و64.

{ 55 }نجد أن السور المكية جاءت قصيرة ومعروضة بشكل موجز في الوقت الذينجد في القسم المدني سورة البقرة وآل عمران والنساء وغيرها من السور الطوال.وهذا يدل علي انقطاع الصلة بين القسم المكي والقسم المدني وتأثرهما بالبيئةالتي كان يعيشها محمد (ص) فان مجتمع مكة لما كان مجتمعاً امياً لم يكن بقدرتهالتبسط في شرح المفاهيم وتفصيلها وانما واتته القدرة علي ذلك عند ما اخذ يعيش مجتمعالمثقفين المتحضر في يثرب.وتناقش هذه الشبهة بالامرين التاليين :الاول : ان القصر والايجاز ليسا مختصين بالقسم المكي بل يوجد في القسمالمدني سور قصيرة ايضاً كالنصر والزلزلة والبينة وغيرها. كما ان الطول والتفصيلليسا مختصين بالقسم المدني بل توجد في المكي أيضاً سور طويلة كالأنعام والأعراف. وقد يقصد من اختصاص المكي بالقصر والايجاز ان هذا الشيء هو الغالب الشائع فيه.وقد يكون هذا صحيحاً ولكنه لا يدل بوجه من الوجوه علي انقطاع الصلة بينالقسمين المذكورين من القرآن الكريم لأنه يكفي في تحقيق هذه الصلة ان يأتي القرآنالكريم ببعض السور الطويلة المفصلة في القسم المكي كدليل علي القدرة والتمكن منالارتفاع الي مستوي التفصيل في المفاهيم والموضوعات.بالاضافة الي ان من الملاحظ وجود آيات مكية قد أثبتت في السور المدنيةوبالعكس وفي كل من الحالتين نجد التلاحم والانسجام في السورة وكأنها نزلت مرة واحدةالامر الذي يدل بوضوح علي وجود الصلة التامة بين القسمين.الثاني : ان الدراسات اللغوية التي قام بها العلماء المسلمون وغيرهم

{ 56 }دلت علي ان الايجاز يعتبر مظهراً من مظاهر القدرة الخارقة عليالتعبير وهو بالتالي من مظاهر الاعجاز القرآني. خصوصاً إذا اخذنا بعين الاعتبار انالقرآن قد تحدي العرب بأن يأتوا بسورة من مثله حيث يكون التحدي بالسورة القصيرةأروع وأبلغ منه حين يكون بسورة مفصلة.ج – لم يتناول القسم المكي في مادته التشريع والاحكاموقالوا : إن القسم المكي لم يتناول فيما تناول من موضوعات – جانب التشريع مناحكام وأنظمة بينما تناول القسم المدني هذا الجانب من التفصيل. وهذا يعبر عن جانبآخر من التأثر بالبيئة والظروف الاجتماعية حيث لم يكن مجتمع مكة مجتمعاً متحضراًولم يكن قد انفتح علي معارف اهل الكتاب وتشريعاتهم علي خلاف مجتمع المدينة الذيتأثر إلي حد بعيد بالثقافة والمعرفة للأديان السماوية كاليهودية والنصرانية.وتناقش هذه الشبهة بالأمرين التاليين أيضاً :اولاً : ان القسم المكي لم يهمل جانب التشريع وإنما تناول اصوله العامةوجملة مقاصد الدين كما جاء في قوله تعالي : (قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألاتشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا اولادكم من املاق نحن نرزقكم واياهمولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه الا بالحقذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي احسن حتي يبلغأشده… الآية)(1).بالاضافة الي اننا نجد في القسم المكي وفي سورة الانعام بالخصوص

_____________________
(1) الانعام : 151 – 152.

{ 57 }مناقشة لكثير من تشريعات أهل الكتاب والتزاماتهم وهذا يدل علي معرفةالقرآن الكريم بهذه التشريعات وغيرها مسبقاً.وثانياً : إن هذه الظاهرة يمكن ان تطرح في تفسيرها نظرية اخري تنسجم معالاساس الموضوعي لوجود الظاهرة القرآنية نفسها. وهذه النظرية هو أن يقال : أنالحديث عن التشريع في مكة كان شيئاً سابقاً لأوانه حيث لم يتسلم الاسلام حينذاكزمام الحكم بعد. بينما الامر في المدينة علي العكس. فلم يتناول القسم المكيالتشريعلأن ذلك لا يتفق مع المرحلة التي تمر بها الدعوة. وانما تناول الجوانبالاخري التي تنسجم مع الموقف العام كما سوف نشرح ذلك قريباً.د – لم يتناول القسم المكي في مادته الادلة والبراهين :وقالوا : إن القسم المكي لم يتناول أيضاً الادلة والبراهين علي العقيدةواصولها علي خلاف القسم المدني. وهذا تعبير آخر أيضاً عن تأثر القرآن بالظروفالاجتماعية والبيئة اذ عجزت الظاهرة القرآنية بنظر هؤلاء عن تناول هذا الجانب الذييدل علي عمق النظر في الحقائق الكونية عندما كان يعيش محمد (ص) في مكة مجتمعالاميين بينما ارتفع مستوي القرآن في هذا الجانب عندما اخذ محمد (ص) يعيش الي جانباهل الكتاب في المدينة وذلك نتيجة لتأثره بهم ولتطور الظاهرة القرآنية نفسها.وتناقش هذه الشبهة من وجهين :الاول : ان القسم المكي لم يخل من الادلة والبراهين بل تناولها في كثير منسوره والشواهد القرآنية علي ذلك كثيرة وفي شتي المجالات.

{ 58 }فمن موارد الاستدلال علي التوحيد قوله تعالي : (ما اتخذ اللّه منولد وما كان معه من إله. اذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم علي بعض سبحان اللّهعما يصفون)(1).وقوله تعالي : (لو كان فيهما آلهة الا اللّه لفسدتا فسبحان اللّه رب العرشعما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ام اتخذوا من دونه آلهة. قل هاتوا برهانكم.هذا ذكر من معي وذكر من قبلي، بل اكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون)(2).وبصدد الاستدلال علي نبوة محمد (ص) وارتباط ما جاء به من السماء : (وما كنتتتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذن لارتاب المبطلون. بل هو آيات بينات فيصدور الذين اوتوا العلم وما يجحد بآياتنا الا الظالمون وقالوا لولا انزل عليه آياتمن ربه قل انما الآيات عند اللّه وانما أنا نذير مبين. أوَلم يكفهم انا انزلنا عليكالكتاب يتلي عليهم إن في ذلك لرحمة وذكري لقوم يؤمنون)(3).وبصدد الاستدلال علي البعث والجزاء قوله تعالي : (ونزلنا من السماء ماءمباركاً فانبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعبادواحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج) (أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلقجديد)(4).وقوله تعالي : (افحسبتم انما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لا ترجعون)(5)

_____________________
(1) المؤمنون : 91.
(2) الانبياء : 22 – 24.
(3) العنكبوت : 48 – 51.
(4) ق : 9-11 و15.
(5) المؤمنون : 115.

{ 59 }وقوله تعالي : (أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذينآمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ؟ ساء ما يحكمون. وخلق اللّه السمواتوالارض بالحق لتجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون)(1).وهكذا تتناول الادلة جوانب اخري من العقيدة الاسلامية والمفاهيم العامة :الثاني : انه لو تنازلنا عن ذلك فمن الممكن تفسير هذا الفرق علي اساس مراعاةطبيعة موقف المواجهة من الدعوة حيث كانت تواجه الدعوة في مكة مشركي العرب وعبدةالاصنام. والادلة التي كان يواجه القرآن بها هؤلاء ادلة وجدانية من الممكن انتستوعبها مداركهم ويقتضيها وضوح بطلان العقيدة الوثنية. وحين اختلفت طبيعة الموقفواصبحت الافكار المواجهة تمتاز بكثير من التعقيد والتزييف والانحراف كما هو الحالفي عقائد اهل الكتاب اقتضي الموقف مواجهتها باسلوب آخر من البرهان والدليل اكثرتعقيداً وتفصيلاً(2).

الفروق الحقيقية بين المكي والمدنيولم نجد في الشبهات التي تناولناها ولانجد في غيرها ما يمكنه ان يصمد امام النقد العلمي او الدرس الموضوعي ومن كل ذلكيجدر بنا ان نقدم تفسيراً منطقياً لظاهرة الفرق بين القسم المكي والقسم المدني وانكنا قد المحنا الي جانب من هذا التفسير عندما تناولنا الشبهات

_____________________
(1) الجاثية 21-22.
(2) اعتمدنا بصورة اساسية – في عرض الشبهات ومناقشتها علي ما ذكره الزرقاني في مناهل العرفان : 1/199-232.

{ 60 }بالنقد والمناقشة.ويحسن بنا أن نذكر الفروق الحقيقية التي امتاز بها المكي عن المدني سواء مايتعلق بالاسلوب او بالموضوع الذي تناوله القرآن. ثم نفسر هذه الفروق علي اساسالفكرة التي اشرنا اليها في صدر البحث والتي تقول أن هذه الفروق كانت نتيجة لمراعاةظروف الدعوة والاهداف التي تسعي الي تحقيقها. لان الهدف والغاية يلقيان – في كثيرمن الاحيان – بظلهما علي طريق العرض والمادة المعروضة.وتلخص هذه الفروق والخصائص التي يمتاز بها المكي عن المدني غالباً بالامورالتالية: (1)1 -ان المكي عالج بشكل اساسي مبادئ الشرك والوثنية واسسها النفسية والفكريةومؤداها الاخلاقي والاجتماعي.2 -وقد اكد علي ما في الكون من بدائع الخلقة وعجائب التكوين الامر الذي يشهد بوجود الخالق المدبر لها. كما اكد علي عالم الغيب والبعث والجزاء والوحيوالنبوات وشرح ما يرتبط بذلك من ادلة وبراهين كما خاطب الوجدان الانساني وما اودعهاللّه فيه من عقل وحكمة وشعور.3 -والي جانب ذلك تحدث عن الأخلاق بمفاهيمها العامة مع ملاحظة الجانب التطبيقي منها وحذر من الانحراف فيها كالكفر والعصيان والجهل والعدوان وسفك الدماءووأد البنات واستباحة الاعراض واكل اموال اليتامي.. الي غير ذلك وعرض الي جانب ذلكالوجه الصحيح للاخلاق كالايمان باللّه والطاعة له والعلم والمحبة والرحمة والعفووالصبر

_____________________
(1) سبق ان اشرنا الي هذه الميزات وغيرها عند البحث عن المكي والمدني.

{ 61 }والاخلاص واحترام الآخرين وبر الوالدين واكرام الجار ونظافة اللسانوالصدق في المعاملة والتوكل علي اللّه وغير ذلك.4 -وقد تحدث عن قصص الانبياء والرسل والمواقف المختلفة التي كانوا يواجهونها من قبل اقوامهم واممهم وما يستنبط من ذلك من العبر والمواعظ.5 -انه سلك طريق الايقاع الصوتي والايجاز في الخطاب سواء في الآيات او السور ويكاد ان يكون المدني بخلاف ذلك علي الغالب وان كان قد امتاز بالامرينالتاليين:1 -دعوة اهل الكتاب الي الاسلام مع مناقشتهم وبيان انحرافهم عن العقيدة والمناهج الحقة التي انزلت علي انبيائهم.2 -بيان التفصيلات في التشريع والنظام ومعالجة مشاكل العلاقات المختلفة في المجتمع الانساني.

التفسير الصحيح للفرق بين المكي والمدنيوحين نريد ان ندرس ظاهرة الفرقبين المكي والمدني من خلال هذه الخصائص والميزات نجد :اولاً : ان الدعوة الاسلامية بدأت في مكة وعاشت فيها ثلاث عشرة سنة وهذهالفترة منسوبة الي زمن نزول القرآن تعتبر في الحقيقة فترة إرساء أسس العقيدةالاسلامية بجوانبها المختلفة سواء ما يتعلق بالجانب الالهي او الغيبي او الاخلاقياو الاجتماعي وسواء ما يتعلق بالجانب الايجابي كعرض مفاهيمها عن الكون والحياةوالاخلاق والمجتمع او ما يتعلق بالجانب السلبي كمناقشة الافكار الكافرة التي كانتتسود المجتمع آنذاك.

{ 62 }وهذه الحقيقة تفرض – بطبيعة الحال – أن يكون القسم المكي اكثرشمولاً واتساعاً من جانب وان يكون مرتبطاً بمادته وموضوعاته بالاسس والركائزللرسالة الجديدة من جانب آخر. وهذا هو الذي يفسر لنا غلبة المكي علي المدني منالناحية الكمية مع ان الفترة المدنية تبدو – تاريخياً – وكأنها زاخرة بالأحداثالجسام والمجتمع المدني اكثر تعقيداً ومشاكل. كما أن هذا بنفسه بالاضافة الي الفكرةالتي اشرنا اليها وهي مراعاة الظروف التي تسير بها الدعوة يفسر لنا هذه الخصائصوالميزات التي غلبت علي المكي من جانب والمدني من جانب آخر.فاما بالنسبة الي الخصيصة الاولي : نلاحظ ان المجتمع المكي كان مجتمعاً يتسمبطابع الوثنية في الجانب العقيدي بالاضافة الي أن ايضاح الموقف تجاهها يشكل نقطةاساسية في القاعدة للرسالة الجديدة لأنها تتنبي التوحيد الخالص كأساس لكل جوانبهاوتفصيلاتها الأخري. فكان من الطبيعي التأكيد علي فكرة رفض الشرك والوثنية والدخولفي مناقشة طويلة معها بشتي الاساليب والطرق.وبالنسبة الي الخصيصة الثانية : نلاحظ أن المجتمع المكي لم يكن يؤمن بفكرةالاله الواحد كما لا يؤمن بعوالم الغيب والبعث والجزاء والوحي وغير ذلك وهذهالافكار من القواعد الاساسية للرسالة والعقيدة الاسلامية بالاضافة الي ان مجتمع اهلالكتاب كان يؤمن بهذه الاصول جميعها. فكان من الضروري ان يؤكد القسم المكي علي ذلكانسجاماً مع طبيعة المرحلة المكية التي تعتبر مرحلة متقدمة كما ان بيانها في هذهالمرحلة يجعل المرحلة الثانية في غني عن بيانها مرة اخري.وبالنسبة الي الخصيصة الثالثة : فلعل التأكيد علي الاخلاق في القسم المكيدون المدني كان بسبب العوامل الثلاثة التالية :

{ 63 }أ – ان الأخلاق تعتبر قاعدة النظام الاجتماعي فالتأكيد عليها يعنيفي الحقيقة ارساء لقاعدة النظام الاجتماعي الذي يستهدفه القرآن.ب – كما ان الدعوة كانت بحاجة – من اجل نجاحها – الي استثارة العواطفالانسانية الخيرة ليكون نفوذها في المجتمع وتأثيرها في الأفراد عن طريق مخاطبة هذهالعواطف والأخلاق هي الاساس الحقيقي لكل هذه العواطف وهي الرصيد الذي يمدها بالحياةوالنمو.ج – ان المجتمع المدني كان يمارس الاخلاق من خلال التطبيق الذي كان يباشرهالرسول محمد (ص) بنفسه فلم يكن بحاجة كبيرة الي التأكيد علي المفاهيم الأخلاقية عليالعكس من المجتمع المكي الذي كان يعيش فيه المسلمون حياة الاضطهاد وكان يمارسالتطبيق فيه الأخلاق الجاهلية.وبالنسبة الي الخصيصة الرابعة : نجد القصص تتناول من حيث الموضوع اكثرالنواحي التي عالجها القرآن الكريم من العقيدة بالاله الواحد وعالم الغيب والوحيوالأخلاق والبعث والجزاء بالاضافة الي انها تصور المراحل المتعددة للدعوة والمواقفالمختلفة منها والقوانين الاجتماعية التي تتحكم فيها وفي نتائجها والمصير الذييواجهه اعداؤها والي جانب ذلك تعتبر القصة في القرآن أحد اسباب الاعجاز فيه وأحدالأدلة علي ارتباطه بالسماء.وكل هذه الأمور لها صلة وثيقة بالظروف التي كانت تمر بها الدعوة في مكة ولهاتأثير كبير في تطويرها لصالح الدعوة واهدافها الرئيسية.ومع كل هذا لم يهمل القسم المدني القصة مطلقة بل تناولها بالشكل الذي ينسجممع طبيعة المرحلةالتي تمر بها كما سوف نتعرف علي ذلك

{ 64 }

عند دراستنا للقصة.وبالنسبة الي الخصيصة الخامسة : فقد كان لها ارتباطوثيق بجوانب مرحلية وإعجازية لأن المرحلة كانت تفرض كسر طوق الأفكار الجاهلية الذيكان مضروباً علي المجتمع فكان لهذا الاسلوب الصاعق الحاد تأثير فعال في تذليلالصعوبات وتحطيم معنويات المقاومة العنيفة.وحين يتحدي القرآن الكريم العرب في ان يأتوا بسورة منه يكون الايجاز فيالسورة ابلغ في ايضاح الاعجاز القرآني واعمق تأثيراً وأبعد مدي.وقد كانت المعركة الي ذلك كله في اولها معركة شعارات وتوطيد مفاهيم عامة عنالكون والحياة والايجاز والقصر ينسجم مع واقع المعركة واطارها اكثر من الدخول فيتفصيلات واسعة ولهذا نشاهد السور القصيرة تمثل المرحلة الأولي تقريباً من مراحلالقسم المكي.وهذه الملاحظات لم تكن تتوفر في مجتمع المدينة بعد ان اصبح الاسلام هوالحاكم المسيطر علي المجتمع وبعد أن أصبحت مسألة الوحي والاتصال بالسماء مسألةواضحة وبعد ان جاء دور آخر للمعركة يفرض اسلوباً آخر في العرض والبيان.ومن هذا الدرس لخصائص ومميزات القسم المكي تتضح مبررات خصائص القسم المدنيمن الدخول في تفصيلات الأحكام الشرعية والانظمة الاجتماعية او مناقشة اهل الكتاب فيعقائدهم وانحرافاتهم. حيث فرضت ظروف الحكم في المدينة. والحاجة الي تنظيم العلاقاتبين الناس الي بيان هذه التفصيلات في الأنظمة. كما ان المعركة في المدينة انتقلت منالاصول والاسس العامة للعقيدة الي جوانب تفصيلية منها ترتبط بحدودها واشكالهاوبالعمل علي تقويم الانحراف الذي وضعه

{ 65 }أهل الكتاب فيها.

وبهذا نفسر الفرق بين المكي والمدني بالشكل الذي ينسجم مع فكرتنا عن القرآنوفكرتنا عن مراعاته للظروف من اجل تحقيق اهدافه وغاياته.





المستشرق يوغسلاف يولوسين – سركيوج

15 08 2008

المستشرق يوغسلاف يولوسين – سركيوج

الورد

ولد سركيوج سنة ( 1956 م ) ، في روسيا ، وفي سنة ( 1979 م ) دخل كلية الفلسفة .

وفي سنة ( 1984 م ) أنهى دراسته في مدرسة الروحانيين بموسكو ، حاصلاً على شهادة الدكتوراه ، وكانت رسالته الجامعية : ( كنائس الأرثدوكس والدولة في الاتحاد السوفيتي من ( 1971 – 1991 م ) .

بقي يعمل قسيساً في الكنائس حتى سنة ( 1995 م ) ، وبعد هذا التاريخ ترك عمله في هذا المجال .

في شباط سنة ( 1999 م ) حاز على شهادة الدكتوراه ، وكان عنوان رسالته : ( أسطورة الديالكتيك ) .

وفي حزيران سنة ( 1999 م ) حاورته مجلة المسلمين في عددها الثاني والثالث بعد أن أعلن إسلامه ،

فقال : أنا الآن من أتباع القرآن الكريم ، والنبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وكل – ما عدا – الله الواحد ومحمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فلا اعتبار له .




شبهة أنّ الإسلام انتشر بالسيف

15 08 2008
الرد علي شبهات المستشرقون

 

اهل القران

شبهة أنّ الإسلام انتشر بالسيف

هذا القول يحمل بهتاناً عظيماً ، ذلك أنّه لو كان الإسلام قد انتشر بالسيف لما وجد في الدول التي أعلنت إسلامها غير المسلمين ، ولكن وجد في الدول الإسلامية اليهود والنصارى ، وظلوا على دينهم ، لم يحاول أحد أن يقتلهم أو يدخلهم في دين الإسلام قهراً ، بل تركوا ودينهم ، وما تمتع هؤلاء بحرية العبادة وأمان الحياة – باعترافهم – إلاّ في ظل الدولة الإسلامية .

ولنقرأ التاريخ جيداً ، فإنّه يروي لنا أنّ أقباط مصر الذين كانوا يختفون في المغارات وقت الحكم الروماني ، قد خرجوا إلى الآفاق في أيام الحكم الإسلامي ، وكانوا يؤدّون عبادتهم في حماية الخلافة الإسلامية .

ومن هنا ، فإنّ القول بأنّ الإسلام قد انتشر بالسيف قول كاذب ، والإسلام حين استخدم السيف استخدمه ليدافع عن حرية الكلمة ، وحرية العقيدة للبشرية كلّها ، فقد كان دعاة الإسلام يعرضون الإسلام على الأمم ، فيشرحون الدين الجديد للناس .

وبعد إبلاغهم بالدين الجديد والحجج التي نزل بها القرآن من شاء فليؤمن ، ومن لم يشأ ظل على دينه .

إذن ، كان المسلمون يطالبون بحرية الرأي وحرية العقيدة ، وكانوا يعرضون الإسلام على الناس ، فمن كانت له – حجّة ولله الحجّة البالغة – فليتقدم ، ثمّ بعد ذلك تترك حرية العقيدة لكل إنسان .

فما كان من بعض حكّام هذه الدول إلاّ أن قتلوا دعاة المسلمين ، وبعضهم الآخر منعوا المسلمين من أن يعرضوا دينهم على الناس ، وصادروا حرية الرأي وحرية العقيدة ، محاولين فرض دين الكفر ، وحملوا السيف ليمنعوا الإسلام من أن يصل إلى قلوب وآذان البشر .

فكان لابد أن يحمل المسلمون السيف ، ليضمنوا للبشرية حرية الرأي ، وحرية العقيدة ، ويخلصوها من جبروت فرض الكفر والإلحاد على الناس بالقوّة .

وبعد أن وصلوا إلى الموقف الذي يستطيعون فيه إبلاغ تعاليم الإسلام ، تركوا السيف وألقوا به بعيداً ، وبدءوا في شرح تعاليم الدين ، ثمّ تركوا بعد ذلك كل إنسان حراً في أن يدخل الإسلام أو يبقى على دينه ، فمن دخل الإسلام كان له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم بلا تمييز ، وإن بقي على دينه كانت له حرية العقيدة يحميها المسلمون في ظل خلافة إسلامية ، وقوانين ربانية تحفظ لكل ذي حق حقّه .

ومن باب من فمك أدينك ، أجاب عن هذه الشبهة أيضاً المستشرق توماس كارليل فقال : من الشبهات التي يثيرها بعض المسيحيين هي : أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قام بنشر الدين الإسلامي بقوّة السيف .

وهذا القول بعيد كل البعد عن الصواب ، لأنّ الذين يدّعون ذلك عليهم أن يتدبّروا قليلاً ، فلابد أن يكون هناك سر في هذا السيف الذي خرج في جزيرة العرب ، ووصل بأيدي القادة المسلمين إلى جبال إسبانيا غرباً ، وإلى سمرقند شرقاً .

فما هو هذا السر ؟

بلا شك أنّ السر في ذلك يقود إلى الشريعة الإلهية ، التي جاء بها النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، تلك القوّة العظمى التي دفعت بِعَبَدَة الأصنام والأوثان في جزيرة العرب إلى القبول والإذعان بهذا الدين ، الذي جاء بالقوانين الإلهية ، التي وضعها الحكيم العليم ، والتي تضمن سعادة الإنسان ورقيه .

والمسألة الأخرى التي نلفت الأنظار إليها هي : أنّ الإسلام عندما انتشر شرقاً وغرباً كان قد قضى على جميع العقائد والمذاهب الباطلة ، لأنّه كان حقيقة ثابتة نابعة من صميم الإنسان ، وما غيره من الطرق والمذاهب مزيف لا ينسجم مع الطبيعة الإنسانية ، كما هو زائل أو في طريقه إلى الزوال .





شبهة الأخطاء النحوية في القرآن

15 08 2008
الرد علي شبهات المستشرقون

 

القران الکریم

شبهة الأخطاء النحوية في القرآن

على الرغم من قول المستشرقين بأنّ اللغة التي نزل بها القرآن الكريم هي أصح لغات العرب ؛ لكن تعصّبهم وإصرارهم دفعهم إلى القول بوجود بعض الأخطاء النحوية في القرآن .

الرد على الشبهة :

من الأمور المُسَلّمة هي : إنّ إعراب الكلمات في اللغة العربية قد جاءنا من الذين نطقوا بها ، وبعبارة أخرى : إنّ طريقة التلفّظ جاءت عن طريق النقل ، فنحن نلفظ كما لفظ آباؤنا وأجدادنا ، وهذه المسألة لا تحتاج إلى بحث عقلي .

ولزيادة التوضيح نقول : كان العرب في صدر الإسلام يرفعون الفاعل وينصبون المفعول ، والمتتبعون للأدب العربي دوّنوا هذه الحركات بحسب الاستقراء ، ووضعوها ضمن القواعد النحوية .

ولو كان العرب ينصبون الفاعل ويرفعون المفعول ، لأصبحت القواعد النحوية المعمول بها حالياً مغلوطة وغير صحيحة ، ولهذا سيكون قياس القرآن بالقواعد النحوية المعاصرة عملاً غير صحيح لماذا ؟ لأنّ القواعد النحوية مأخوذة من القرآن ، ولا يصح قياس القرآن بها .

إنّ القواعد النحوية المعمول بها في الوقت الحاضر ، وضعها علماء اللغة بعد انتشار اللهجات للحفاظ على سلامة اللغة ، وتحاشي الوقوع في الأخطاء ، وحتّى كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي اعتبر فيه كل فاعل مرفوع ، وكل مفعول منصوب ، وكل مضاف إليه مجرور ، يُعتبر نقطة تحوّل في مجال تدوين قواعد اللغة العربية ، وصولاً إلى النصوص النحوية السليمة ، ولا يقاس هذا الكلام بالقرآن الكريم ، الذي جمع كل آداب اللغة العربية .

إذن فإنّ ظهور علم النحو ، كان بعد تتبع التراكيب والاستعمالات الموجودة في القرآن الكريم ، ومن ثم تدوينها ، فالقرآن عند النحويين هو الحجّة ، وهو الحاكم ، وليس النحويون هم الحجّة على القرآن ، وهو ما تصوّره بعض المستشرقين والقساوسة .

ولو فرضنا جدلاً بأنّ أحداً من الناس وجد في بعض جمل القرآن ما يخالف قواعد النحو ، فإنّ هذا الشخص سيحكم نفسه بنفسه ؛ لأنّ كلامه لا يتعدّى اثنين ، أمّا أنّه لا يفهم ولا يتدبّر ما يقول ، أو أنّه إنسان مغرِض ، لأنّ كل ما جاء في القرآن من الاستعمالات اللغوية ـ حتّى الشواذ ـ اعتبره العلماء من إعجازات القرآن الكريم ، وقد أشاروا إليه في كتبهم .

بعد هذا البيان نقول : إنّ ما قاله المستشرقون في هذه الشبهة ناتج عن جهلهم ، وعدم إحاطتهم العلمية بآداب اللغة العربية وقواعدها ، فتصبح هذه الشبهة وأمثالها عند أصحاب الإطلاع شيئاً يدعو إلى الضحك والتندر .





شبهة أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يأتِ بمعجزة

15 08 2008

الرد علي شبهات المستشرقون  

القران الکریم

شبهة أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يأتِ بمعجزة

 

طبع أحد المستشرقين كتاباً مختصراً يحتوي على ترجمة لحياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وعلى غلاف الكتاب وضعت صورة خيالية للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كتب تحتها العبارة الآتية : متى يُطلب منه – يقصد بذلك النبي ( صلى الله عليه وآله ) – الإتيان بمعجزة ، كان يقول : ليس لدّي معجزة ، وأن الله لم يمنحنيها .

رد الشبهة :

إنّ هذا المستشرق خلط الحق بالباطل بهذه الشبهة ، فعندما قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : المعجزة ليست بيدي ، هذا الكلام حق ، ويعرفه الناس جميعاً ، والآية الكريمة الآتية تؤيّد ذلك ، قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ ) الرعد : 38 ، غافر : 78 .

وفي معاجز النبي عيسى ( عليه السلام ) يؤكّد القرآن الكريم على هذا المضمون ، قال تعالى : ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ ) آل عمران : 49 .

وخلاصة القول : أنّ الأنبياء ( عليهم السلام ) جميعاً لا يستطيعون عمل شيء إلاّ بإذن الله تعالى ، وهذا الكلام يدعمه الدليل العلمي والفلسفي .

نعود الآن إلى الادِّعاء الثاني من الشبهة ، وهو : أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : بأنّ الله لم يعطني أي معجزة .

وهذا الادِّعاء مرفوض ، لأنّ القرآن الكريم ، والأخبار ، والأحاديث المتواترة ، التي جمعها المحدّثون في كتبهم ، اتفقت جميعها على حدوث كثير من المعجزات على يد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنّها كانت بتسديد من الله عزَّ وجل .

لنصرف النظر الآن عن كتب الحديث والرواية ، ونذهب إلى القرآن الكريم ، ليقضي بيننا في هذا الأمر ، نجد القرآن الكريم قد ذكر كثيراً من المعجزات ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

1 – شق القمر ( سورة القمر ) .

2 – المعراج ( سورة الإسراء ) .

3 – المباهلة ( آل عمران : 61 ) .

وبناءً على ذلك يكون الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد جاء بالمعاجز كباقي الأنبياء ( عليهم السلام ) عندما كان الناس يطالبونه بها لإثبات نبوته ، علماً أنّ معجزات الأنبياء ( عليهم السلام ) كانت خاصّة بزمانهم ومكانهم .

أما معجزات النبي ( صلى الله عليه وآله ) فمنها ما كان مختصّاً بزمان ومكان معين ، ومنها التي لم تتقيّد بحدود المكان والزمان ، وبقت وستبقى شاهدة على نبوته ( صلى الله عليه وآله ) إلى يوم القيامة ، وهي معجزة القرآن الكريم .

القرآن الكريم الذي تحدَّى الناس أجمعين من الأولين والآخرين ، بأن يأتوا ولو بآية من مثله ، لكنهم عجزوا عن ذلك ، لذلك – وأمام هذا التحدي – نجد بعض المغرضين ، أو قاصري النظر ، تصوّروا بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليس لديه معجزة غير القرآن .

في الوقت الذي صرَّحت به كثير من الآيات والروايات بأنّ للنبي ( صلى الله عليه وآله ) معجزات أخرى غير القرآن الكريم ، وقد ذكرنا قسماً منها فيما تقدّم .





شبهة تعدد الزوجات :

15 08 2008

الرد علي شبهات المستشرقون

الزهور

 

 

 

شبهة تعدد الزوجات :

من الشبهات التي طالما ردّدها المستشرقون بشكل خاص ، وعلماء الغرب بشكل عام ، هي مسألة تعدد زوجات النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ونحن بدورنا سنجيب على هذه الشبهة ، بالاعتماد على ما قاله علماء الإسلام ، وبعض ما كتبه المستشرقون المنصفون ، الذين دافعوا بحق عن الإسلام في هذا المجال .

وقبل الردّ على الشبهة ، ولكي يتّضح الغموض في الشبهة ، لابد من القول : أنّ هناك فرق كبير بين الزواج في عمر الشباب ، وبين الزواج في سن الكهولة ، لكفالة النساء الأرامل أو اللاتي لا يلدن .

وبتعبير آخر : إنّ بين الزواج المتعارف وبين اتخاذ عدّة نساء هناك فرق شاسع ، فالزواج المتعارف : هو اجتماع بين شابين متحابّين ضمن عقد زواج وعادات خاصّة ؛ أما الزواج بنساء متعدّدات فهذا أمر آخر .

يقول المستشرق سمث في هذا المجال : ( لم يكن عند محمّد زوجات متعدّدات ، ولكن كان عنده نساء متعدّدات ، لأنّ شروط النكاح والزوجية التي تجسّدت فيها روابط الحب المتبادل بين الزوجين ، انحصرت بخديجة ( عليها السلام ) ؛ أمّا النساء الباقيات ، فإنّه اقترن بهن بهدف التقرّب إلى القبائل الكبيرة ، وشدّها إلى تعاليم الدين الجديد ، أو لكفالة اليتامى ، والأرامل اللاتي فقدن أزواجهن في الحروب أو غيرها .

وخلاصة القول : كان اقترانه بهن لأسباب اقتضاها الزمان والمكان خلال مسيرته في الدعوة إلى الله ، وتبليغ الرسالة الإسلامية .

ثم إنّه ليس من المعقول أن يقدم رجل في أواخر سِنِيّ عمره ـ وهي المرحلة التي تضمحل فيها الشهوة الجنسيّة ـ نحو الزواج لإشباع غريزته الجنسية ، ولهذا لا يمكن الادّعاء بأنّ محمداً لديه زوجات متعدّدات .

وبناء على ما تقدّم ، ستكون الصيغة الصحيحة للتساؤل كما يأتي : لماذا اتخذ النبي ( صلى الله عليه وآله ) نساء متعدّدات ؟

جواب الشبهة :

تكمن الإجابة عن هذه الشبهة بأربعة وجوه :

1ـ تعدّد الزوجات كان قبل الإسلام :

إنّ نظام تعدّد الزوجات كان شائعاً قبل الإسلام بين العرب ، وكذلك بين اليهود والفرس ، والتاريخ يحدّثنا عن الملوك والسلاطين بأنّهم كانوا يبنون بيوتاً كبيرة تسع أحياناً لأكثر من ألف شخص ، لسكن نسائهم من الجواري ، وفي بعض الأحيان يقومون بتقديمهن كهدايا إلى ملوك آخرين ، ويأتون بنساء جديدات ؛ لكن ممّا يثير العجب أنّ بعض العلماء الغربيين لا يقتنعون بتعدّد الزوجات الذي دعا إليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) لغرض نشر الإسلام ، لا للأغراض الأخرى .

2ـ لم يكن التعدد لمتاع الدنيا :

إنّ تعدّد زوجات النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يكن طمعاً بزينة الحياة ومتاعها ، لأنّه كان معروفاً بالزهد ، والتقوى ، وكثرة التعبّد في الليل ، حتّى أنّ الله عز وجل أنزل به قرآناً من شدّة ذلك ، قال تعالى : ( طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) طه : 1 ـ 2 .

أما ما تحمّله الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في بداية الدعوة الإسلامية ، لإعلاء كلمة الله عز وجل ، وما تحمّله من ألوان الجوع ، حتّى أنّه اضطر إلى شدّ حجر المجاعة على بطنه من شدّة ذلك ، والحديث عن معاناته حديث طويل لا يسعه هذا المختصر .

نعود الآن ونقول : هل من المعقول أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو قد ناهز الخمسين من عمره أن يفكّر ـ والعياذ بالله ـ في هذا السن بإشباع شهواته الجنسية من النساء ، والسعي نحو الدنيا وزخارفها ، كلا ، ثمّ كلا ، إنّه لمنزّه عن ذلك .

يقول العالم كارليل في هذا المعنى : ( لم يكن محمّد من الساعين نحو إشباع رغباتهم الشخصية ، لكن الأعداء اتهموه بذلك ظلماً وعناداً ، لقد كان محمّد زاهداً في ملبسه ، ومأكله ، وسكنه ، وفي جميع جوانب حياته ، وكان كثيراً ما يكتفي بالخبز والماء ، ولعل الشهور تمضي وهو لا يضع على النار قدراً ، أليس من الظلم والتعسّف أنّ يقوم البعض باتهامه ، بأنّه كان يسعى نحو إشباع رغباته وملذاته الدنيوية ) .

3ـ مكانة المرأة في المجتمع :

لقد استفادت الأمم الأخرى قبل الإسلام من تعدّد الزوجات ، لأنّه كان يحلّ لهم كثيراً من المشاكل الأخلاقية والاجتماعية ، ويساعد على توثيق الصِلات بين أفراد المجتمع ، ويعطي للمرأة مكانتها اللائقة بها .

والرسول ( صلى الله عليه وآله ) دعا إلى نظام تعدّد الزوجات ، في زمن كان فيه المجتمع الجاهلي ينظر إلى المرأة نظرة احتقار ، وازدراء ، بحيث كان من العار أن يولد للرجل بنت ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في آياته ، حيث كانوا يدفنونهن أحياءً للتخلّص من العار ، وربما كان هذا العمل من أسباب رواج الزنى والفواحش في ذلك المجتمع ، الذي كان يفرض على الأب الذي عنده بنت أن يضع علماً في منزله إشارة لوجود امرأة في هذه الدار ، لدعوة الرجال إلى ممارسة الزنا والفاحشة .

في ظل هكذا مجتمع استطاع النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يدعو إلى نظام تعدّد الزوجات ، الذي دعا إليه الإسلام ، لكفالة الأرامل واليتامى ، وأصبح قانوناً وقف بوجه الفساد الأخلاقي في العصر الجاهلي ، وصان الأسرة من التفكّك ممّا ساعد على إشاعة أجواء الاحترام ، والشعور بالسعادة بشكل لا نظير له في باقي أنحاء العالم .

يقول المستشرق سمث : ( استطاع الإسلام أن يصون المرأة ويحفظها من الوقوع في الزنى ، وذلك من خلال النظام الأخلاقي الذي شرّعه لعلاقة الرجل بالمرأة ، بينما نجد العكس في الدول الأخرى غير الإسلامية ، حيث تعتبر النساء الزانيات طبقة معترف بها من طبقات المجتمع ، لها حقوقها واحترامها ) .

وتقول السيدة آنّي بزانت في دفاعها عن نظام تعدّد الزوجات : ( شرّع الإسلام نظام تعدّد الزوجات ، لحل المشكلات الاجتماعية ، والقضاء على الأمراض المترتبة على الزنى ، ودعوة الإنسان لإشباع رغباته الجنسية ، بشكل يتناسب مع المكانة السامية التي أرادها الله له ) .

4ـ إجابة منفية :

إنّ الزواج من تسع نساء أرملات أو عقيمات ، تعتبرونه عملاً مقتصراً على إشباع الغريزة الجنسية ، وطلب المتاع الدنيوي ؟

فنحن نسألكم : بماذا تفسّرون العلاقات غير المشروعة القائمة بين رؤساء المذاهب ، والقادة السياسيين في الغرب وبين البنات الشابات ؟! وبماذا تفسّرون الفضائح التي امتلأت بها مواقع شبكة الإنترنت ، والتي تتحدّث عن تفاصيل تلك العلاقات اللامشروعة ، والعشق عند الشخصيات العالمية ، والتي يقرأها روّاد الإنترنت صباحاً ومساءً ؟!

وأخيراً : نختتم ردّنا بهذه الجملة القصيرة التي قالتها السيدة آنّي بزانت دفاعاً عن الإسلام ، ونُذكّر بأنّ المقالات التي كتبها المستشرقون في هذا المجال كثيرة جداً ، لا يسعنا المجال أن نتحدّث عنها :

( تتظاهر الدول المسيحية وبشدّة بالزواج من امرأة واحدة ، ولكن هذه الدول تطبّق نظام التعدّد في الواقع العملي ، وبشكل مخفي عن طريق العلاقات غير المشروعة ، بينما يعتبر الإسلام مثل هذه العلاقات محرّمة وغير قانونية ) .





شبهة أنّ الحج بدعة اخترعها الوهم العربي

15 08 2008

الرد علي شبهات المستشرقون

القران الکریم

شبهة أنّ الحج بدعة اخترعها الوهم العربي

لا شك في أنّ الإنسانية بدأت مؤمنة موحدة ، تلتزم منهج الله الذي أتى على لسان آدم أبي البشر ، ثم توالت الرسالات الإلهية توضح الحق وطرائق الخير ، كلّما تباعد الناس وتشاغلوا بِمُتَعِ الحياة الرخيصة .

قال الله تعالى : ( إنَّا أرْسَلْنَاكَ بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا وإنْ مِنْ أُمّةٍ إلاَّ خلاَ فيها نذير ) فاطر : 24 .

ومن المقطوع به أنّ المنطقة العربية ومكَّة – على وجه الخصوص – قد عرفت شريعةَ إبراهيم وشريعة إسماعيل ، وأنّ الحج هو ملّة إبراهيم الذي بنى الكعبة ورفع قواعدها مع ولده إسماعيل ( عليهما السلام ) .

وقال تعالى أيضاً : ( وعهِدْنَا إلَى إبراهيمَ وإسماعيلَ أنْ طهِّرَا بيْتِيَ للطائِفِينَ والعاكفينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ) البقرة : 125 .

ومع تطاول الزمن وتباعد العهد بدأ الناس يبتدِعون في دين الله وأَغوتهم الشياطين فحرفوا وبدّلوا ، فوضع العرب الأصنام في جوف الكعبة ، وطاف البعض منهم وهم عراة ، وحرّموا على أنفسهم مآكل ومطاعم قدموا بها من خارج الحرم ، ومنعوا المحرم أن يدخل داره من بابها المعتاد ، وغير ذلك كثير .

فلمّا جاء الإسلام محا آثار الجاهلية ، فحطّم الأصنام ، وأصبح المبدأ الإسلامي أن لا يطوف أحد بالبيت وهو عريان .

فقال الله تعالى : ( وليسَ البرُّ بأنْ تأتُوا البيوتَ منْ ظهورِها ولكن البرَّ منِ اتَّقَى وأْتُوا البيوتَ منْ أبوابِها واتقوا اللهَ لعلكم تُفلحونَ ) البقرة : 189 .

فالحج تشريعٌ إلهيٌّ على لسانِ رسل الله ، وليس بدعةً اخترعها الوهم العربي في جاهليته .

وللحج حكمةٌ بالغةٌ تعْجَزُ عنها أقلامُ الباحثينَ ، ويكفي فيها على المستوى الفردي التَّجردُ من حُطَامِ الدنيا والإخلاص لله وحده ، وصفاءُ القلب واستشعار الملأ الأعلى ، وعلى المستوى العام التعارف الإسلامي والتقاء كافة المسلمين وأهل الفكر على كلمة سواء ، هي : ( لبيك اللهم لبيك ) .





شبهة أن التعاليم التي جاء بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخذها عن الراهب بحيرى

15 08 2008

الرد علي شبهات المستشرقون

 

مسجد النبي

شبهة أن التعاليم التي جاء بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخذها عن الراهب بحيرى

الشبهة :

إنّ التعاليم التي جاء بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) أخذها عن الراهب المسيحي بحيرى ، وبعد مرور ( 28 ) سنة أعلنها على المجتمع في مكّة .

رَدّ الشبهة :

إنّ هذه الشبهة لا تنسجم أساساً مع تاريخ حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كما أنّ الموازين العقلية تكذِّبها ، وإليكم

الشواهد على ذلك :

أولاً : إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) وباتِّفاق جميع المؤرّخين كان أُمِّياً ، لا يعرف القراءة والكتابة ، فهل يمكن أن يعقل من صبي لم يتجاوز عمره أربعة وعشرين عاماً ، وفي سفرة محدودة أن يفهم حقائق التوراة والإنجيل ، ومن ثم يقوم بصَبِّ هذه الحقائق في سن الأربعين بشكل شريعة سماوية متكاملة ؟

بالطبع إنّ مثل هذا الأمر يعتبر أمراً خارقاً للعادة ، وربما إذا أخذنا بنظر الاعتبار مقدار الاستعداد البشري فيمكننا أن نعتبره من المُحالات .

ثانياً : إنّ سفر النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان سفراً لأغراض تجارية ، ولم يستغرق – ذهاباً وإياباً – أكثر من أربعة أشهر .

والمعروف أن لقريش رحلتان ، رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، وعلى هذا الترتيب لا يمكن أن يعقل حتّى لأكبر عالم في الدنيا أنّ يتعلّم التوراة والإنجيل بهذه المدّة القصيرة ، فكيف لصبي مثل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لا يقرأ ولا يكتب .

ولم يرافقه ( صلى الله عليه وآله ) راهب في السفر بين مكّة والشام سوى بُحيرى الذي صادفه في إحدى منازل الطريق ، ولم يقضِ معه إلاّ بضع ساعات .

ثالثاً : تؤكّد النصوص التاريخية على أنّ عمَّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أبو طالب كان يريد منه مرافقته إلى الشام .

ولم تكن ( بصرى ) هي النقطة النهائية في الطريق ، وإنّما كانت منطقة استراحة تقع في الطريق بين مكّة والشام ، وتتوقّف فيها أحياناً بعض القوافل للاستراحة ، ثم تواصل مسيرها .

فكيف استطاع النبي ( صلى الله عليه وآله ) تعلُّم التوراة والإنجيل في فترة الاستراحة التي لا تتجاوز بضعة ساعات ؟!

ولو فرضنا أنّ أبا طالب أخذ النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى الشام ، أو عاد به إلى مكّة قبل الموعد المقرر ، أو أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) عاد إلى مكّة مع شخص آخر .

فهذه الفرضية لا تصح ، لأنّ هدف الرحلة وهدف أبو طالب لم يكن منطقة بصرى ، لكي تكون منطقة استراحة يستطيع من خلالها النبي ( صلى الله عليه وآله ) تحصيل المعارف .

رابعاً : لو كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد تعلَّم عند الراهب في بصرى ، لكان هذا الأمر شائعاً ، ومن المسلَّمات بين أوساط قريش في مكّة بعد العودة من السفر .

وبالإضافة إلى ذلك أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يستطع أن يدَّعي يوماً ويقول : أيها الناس ، أنا أُمِّي لا أعرف القراءة والكتابة ، بينما رسالته بدأت بعبارة : ( اِقرأ ) العلق : 1 .

علماً أنّه لم نسمع بأحد قال للنبي ( صلى الله عليه وآله ) : يا محمد ، أنت تعلَّمت في سن الثانية عشر من عمرك في بصرى ، عند الراهب بحيرى ، وتعلَّمت كثيراً من الأسرار السماوية من عنده .

وكما نعلم أنّهم ألحقوا بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) كثيراً من التهم ، ودقَّقوا في القرآن كثيراً لكي يجدوا دليلاً يحتجون به على النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

حتّى أنّهم شاهدوه ( صلى الله عليه وآله ) يجلس مع غلام مسيحي في المروة – مكان في مكّة – فانتهزوا الفرصة ، وقالوا بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) يأخذ تعاليمه من هذا الغلام .

وهذه التهمة عبَّر عنها القرآن الكريم قائلاً : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) النحل : 103 .

وخلاصة القول : أنّ قريش لم تدَّعِ ذلك مطلقاً ، وهذا خير دليل على أن هذا الادِّعاء جاء به المستشرقون .

خامساً : إنّ ما جاء به من قصص الأنبياء ( عليهم السلام ) في القرآن ينافي الحقائق التي نقلها التوراة والإنجيل ، بل إنّ ما جاء فيهما لا يتَّفق مع الموازين العقلية والعلمية ، وهذا بحد ذاته دليل على أن ما جاء في القرآن الكريم لا يؤخذ من هذين الكتابين .

وإذا قلنا أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أراد أن يخلط تعاليمه المتعلّقة بأخبار الأمم السابقة المأخوذة من كتب العهدين ، فلابدَّ من أن تكون تعاليمه قد مُزجت بالخُرافات والأساطير .

سادساً : إذا كان راهب بصرى بهذه الدرجة من الاطِّلاع بالعلم والدين ، بحيث أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) استطاع أن يغيِّر بهذه المعلومات التي اكتسبها منه مجتمع الجزيرة العربية ، فذاع صيته في الشرق والغرب ، فلماذا لم يشتهر هذا الراهب مثله ، وهو معلِّمه الأوّل كما يدَّعون ؟! .

ولماذا لم يربِّ هذا الراهب شخصاً آخر غير النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الوقت الذي كانت منطقة بصرى محطّ أنظار الآخرين ؟! .

سابعاً : إنّ الكتَّاب المسيحيين يصفون النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالصادق الأمين ، والآيات القرآنية أشارت في مواضع متعدّدة بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) لا يعرف من أخبار الأنبياء السابقين شيئاً ، وكل ما يعرفه عنهم هو ما أخذه عن طريق الوحي فقط ، وليس هناك شيء آخر .

فقال تعالى : ( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) القصص : 44 .

وفي سورة هود ( عليه السلام ) ، بعد سَرد قصة نوح ( عليه السلام ) يقول

 سبحانه وتعالى : ( تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا ) هود : 49 .

وقال تعالى : ( ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) آل عمران : 44 .

وأخيراً : إن الشواهد السبعة الماضية كافية في الرد على هذه الشبهة التي نسجها المستشرقون ، وكافية في إثبات أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يأخذ تعاليمه فقط عن طريق واحد لا غيره ، ألا وهو : الوحي .