الفصل الخامس من هويّة التشيُّع العقائديّة

12 08 2008

الفصل الخامس
مِن عقائدنا ـ المهدي

ما رأيت كتاباً كتب عن الشيعة إلا واتخذ من عقيدتهم بالمهدي وسيلة للسخرية والتهريج ووضع للفكرة حواشي ورتب عليها لوازم وأشرع سلاحه وتفيهق بكلامه وصال وجال كأنّه اكتشف كشفاً ضخماً وأنّه وحده العبقري وأنّ الآخرين بلهاء، ولنر من أين جاءت فكرة المهدي وهل أخذها الشيعة من مصدر ديني سليم أم لا؟ وهكذا نمشي مع الفكرة، إنّ الذين كتبوا عن المهدي ربطوا مصدر هذه الفكرة بأمرين أحدهما الفكر الوضعي والآخر العقيدة الدينية، والذين ربطوا العقيدة بالفكر الوضعي انقسموا أيضاً. وسنذكر أقوالهم حسب الشق الذي مالوا إليه ورجحوا أنّه المصدر لهذه الفكرة:

 

1 ـ القسم الأول:

الذين ربطوا الفكرة الإِمام المهدي بالفكرة الوضعي في بعده النفسي يرون أنّ عقيدة المهدوية ليست وقفاً على الفكر الشيعي ولا على المسلمين فقط بل ولا على الديانات السماوية كلها إنما هي على مستوى الشعوب ذلك أنّ العامل المشترك بين كل هذه الفئات هو عامل نفسي موحد: وهو الشعور بوضعية غير عادلة من حكم قائم بالفعل وخزين متراكم من حكام سابقين عاشوا مع شعوبهم على شكل قاهر ومقهور، ومتسلط ومسحوق، ورزحوا تحت نير الظلم والطغيان. ولذا كانت هذه العقيدة عند الشعوب الشرقية ونظائرها ممن يشترك


 

مع الشعوب الشرقية بأنّه مسحوق، وحيث أنّ بعض هذه الشعوب عنده عقيدة دينية تبشر بالمهدي أيضاً: فإنّ هذا العقيدة مهمتها تدعيم هذا العامل النفسي وخلق لون من المشروعية لهذه النزعة في نفوس الناس وهذا هو المعنى الذي عبر عنه برتراند رسل بقوله:

 

ليس السبب في تصديق كثير من المعتقدات الدينية الإِستناد إلى دليل قائم على صحة واقع كما هو الحال في العلم، ولكنّه الشعور بالراحة المستمد من التصديق فإذا كان الإِيمان بقضية معينة يحقق رغباتي فأنا أتمنى أن تكون هذه القضية صحيحة وبالتالي فأعتقد بصحتها(1).

إذاً فالقدر الجامع بناءً على هذا هو الأمل بظهور مخلّص من واقع سيّئ تعيشه الجماعة، وفي ذلك يقول الدكتور أحمد محمود:

إنّ الإِعتقاد بظهور مسيح أو انتظار رجعة مخلص وليد العقل الجمعي في مجتمعات تفكر تفكيراً ثيوقراطياً في شؤونها السياسية، وبين شعوب قاست الظلم ورزحت تحت نير الطغيان، سواء من حكامهم أم من غزاة أجانب، فإزاء استبداد الحاكم وفي ظل التفكير الديني تتعلق الآمال بقيام مخلّص أو محرر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(2).

فهذه العقيدة بالرغم من وجود مصادر دينية لها عند المسلمين واليهود والمسيحيين إلا أنّ هذه المصادر ليست هي العامل الأساسي في نظر هؤلاء بالإِعتقاد بها، وإنّما تعلب دوراً مبرراً ثانوياً، ويرى الدكتور أحمد محمود أنّ عقيدة السنة بالصبر على الظالم وعدم الخروج عليه عمقت نزعة المهدي وتركت الوسط الديني السني الذي الذي يعتقد بموضوع المهدي يعيش بين عامل الألم من الواقع الفاسد الذي عاشه أيام الأمويين وما تلاها من عصور، وبين ضرورة الخلاص، فمال إلى الخلاص في المدى الأبعد الذي وجده في عقيدة المهدي وقد حاول إشراك

____________

(1) نظرية الإِمامة ص420.


 

(2) نفس المصدر السابق ص399.

 

الشيعة في ذلك باعتبارهم صابرين على الظلم حيث قال:

 

إنّ هذه العقيدة لا يؤمن بها إلا اولئك الذين يعانون صراعاً نفسياً نتيجة السخط على تصرفات الحكام وعدم استحقاقهم لقب الخلافة لفسقهم، ونتيجة خضوعهم من ناحية ثانية للأمر الواقع أما خشية الفتنة كما هو عند السنة، الذين لا يرون الخروج على أئمة الجور استناداً إلى أدلة عندهم، أو نتيجة للتخاذل بسبب فشل كثير من الحركات الثورية كما هو عند الشيعة الذين يرون الصبر على الخلفاء تقية فعقيدة المهدي مخرج لهذا الصراع، أما الفرق التي تجعل من اُصول مبادئها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف كالخوارج والزيدية: فإنّ هذه العقيدة عندهم غير ذات موضوع، إلى أن قال: ولذا لا تبلغ أهمية المهدي عند فرقة من الفرق كما تبلغ عند الشيعة الإثني عشرية الذين يتطرف حكمهم على الخلفاء من ناحية كما يتطرف تحريمهم الخروج على الخلفاء من ناحية اُخرى(1). هذا ملخص ما قاله الدكتور أحمد محمود ولنا على مضامين هذا الفصل الملاحضات التالية:

 

1 ـ الملاحظة الأولى:

أنّ هذا الخلط بين السبب وبعض نتائجه ذلك لأنّ الشعوب المرتبطة بدين معيّن تُربط مظاهرها العقائدية بدينها في الجملة، فإذا لم يوجد مصدر ديني لذلك المظهر يبحث عندئذ عن سببه الآخر، ولا شك أنّ الأديان الثلاثة بشرت بفكرة المخلص وهو إما واحد للجميع يوحد به الله تعالى الأديان في الخلاص من الظلم، أو متعدد لكل اُمة من الاُمم مهديها، والهدف منه ومن التبشير به أن يوضع أمام كل اُمة مثل أعلى يجسد فكرة العدل ولتكون الشعوب على تماس مباشر مع فكرة الخيّرة والمثل الأعلى كما هو متصور فالأصل في فكرة المهدي النصوص الدينية، وساعد على ترسيخها في النفوس ارتياح النفوس إليها، خصوصاً إذا لم تقو على تجسيد العدل لسبب ما. ولكنّها إذ تتخذ من فكرة المهدي وسيلة تعويضية

____________

(1) نظرية الإِمامة ص127.


 

 

تمسخ الغرض الأصلي من فكرة المهدي وهو أن تكون حافزاً يدفع الناس إلى السعي إلى دفع الظلم وفكرة قيام الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر خصوصاً إذا كانت النصوص الدينية قائمة في تحميل الإِنسان مسؤولية الدفاع عن نفسه وعن مقدساته بغض النظر عن قيام المهدي وعدمه كما هو واقع التعاليم الدينية، فلا ينبغي أن تتحول فكرة الإِمام المهدي من نصب مثل أعلى لاستشعار سبل ومناهج الحياة الكريمة إلى مخدر يميت في النفوس نزعات التطلع ووثبات الرجولة، أو من محفز إلى منوم.

 

 

2 ـ الملاحظة الثانية:

إنّ إشراك الشيعة مع السنة بأنّهم لا ينهضون ضد الظالم تقية مغالطة صريحة، وذلك لأنّ عامل صبر السنة على الظلم عامل اختياري نتيجة تمسك بأحاديث يرون صحتها في حين أنّ صبر الشيعة على الظلم نتيجة عامل قهري لعدم وجود قدرة ووسيلة للنهضة، وهذا عامل عام عند كل الناس، أما لو وجدت عوامل النهضة فلا ينتظر الشيعة خروج المهدي ليصلح لهم الأمر بدليل أنّ حكم الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بشروطهما قائم عندهم فعلاً، وكذلك الجهاد بكل أقسامه بوجود نائب الإِمام الخاص أو العام في رأي بعضهم قائم بالفعل، أما دفاع الظالم عن النفس والمقدسات فلا يشترط فيه وجود إمام أو نائبه على رأي جمهور فقهاء الشيعة لأنّه دفاع عن النفس ويتعين القيام به في كل وقت من الأوقات(1).

إنّ الرجوع إلى تاريخ الشيعة يشكل أدلة قائمة على ما ذكرناه لكثرة ثوراتهم على الباطل في مختلف العصور والجهاد مع باقي فرق المسلمين في ساحات الجهاد ضد الكفر والظلم ولست بحاجة للإِطالة بذلك لوضوحه.

 

3 ـ الملاحظة الثالثة:

لا ينهض اشتراك الشعوب في عقيدة المهدي دليلاً على وحدة العامل، لأننا

____________

(1) شرح اللمعة للشهيد الثاني 2/381، وكنز العرفان للمقداد 1/342.


 

 

نرى كثيراً من المظاهر السلوكية سواء كانت مظاهر دينية أم لا تشترك بها شعوب دون أن تصدر عن علة واحدة. خذ مثلاً ظاهرة تقديم القرابين فهي عند معتنقي الأديان السماوية شعيرة أمر بها الدين بهدف التوسعة على الفقراء والمعوزين في حين نجدها عند بعض الشعوب بهدف اتقاء سخط الآلهة، وعند البعض الآخر لطرد الأرواح الشريرة وعند البعض الآخر تقدم الضحايا من البشر بهدف استدرار الخير كما هو عند قدماء المصريين، فلم تكن العلة واحدة عند الشعوب كما ترى، إذاً فمن الممكن أن تكون فكرة الإِمام المهدي ليست عملية تعويض أو تنفيس وإنما هي فكرة تستهدف وضع نصب يظل شاخصاً دائماً يذكر الناس بأنّ الظالم قد يمهل ولكنّه لا يهمل لأنّ الناس إذا تقاعسوا عن طلب حقوقهم فإنّ السماء لا تسكت بل لا بد من الإِنتقام على يد مخلص، مع ملاحضة أنّ الأصل في مثل هذه الحالات أن يتصدى الناس لتقويم الإِعوجاج ولذلك يقول الله تعالى: (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم) الرعد/12 فإذا غلب عليهم التخاذل فإنّ الله تعالى لا يهمل أمر عباده ولذلك تشير الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) يوسف/110 وقد حام المفسرون حول هذا المعنى الذي ذكرناه عند تفسيرها للآية المذكورة(1) وذكروا أنّ السماء تتدخل عندما يطول البلاء وتشتد الحالة ويهلع الناس إلى حد اليأس.

 

 

2 ـ الشق الثاني:

الذين ربطوا فكرة الإِمام المهدي عليه السلام بالأخذ التقليدي وقالوا إنّها عبارة عن اقتباس أخذه المسلمون عن بعض الشعوب من دون أن يكون هناك عامل شعوري مشترك وسواء اُخذت هذه العقيدة من هذا الشعب أو ذاك فإنّ جولد تسيهر، وفان فلوتن: المستشرقان قالا إنّها مقتبسة من اليهود بشكل وبآخر، ويؤكد فان فلوتن أنّها جاءت من تنبؤات كعب الأحبار ووهب بن منبه فهي من

____________

(1) صفوة البيان لمخلوق 1/397، ومجمع البيان للطبرسي 3/271.


 

 

الأفكار الإِسرائيلية التي نشرت بين المسلمين(1). في حين يذهب أحمد الكسروي إلى أنّها مقتبسة من الفرس حيث يقول:

 

لا يخفى أنّ قدماء الفرس كانوا يعتقدون بإله خير يسمى يزدن، وإله شرّ يسمى أهريمن، ويزعمون أنّهما لا يزالان يحكمان الأرض حتى يقوم ساوشيانت ابن زرادشت النبي، فيغلب أهريمن ويصير العالم مهداً للخير وقد تأصل عندهم هذا المعتقد فلما ظهر الإِسلام وفتح المسلمون العراق وإيران واختلطوا بالإِيرانيين سرى ذلك المعتقد منهم إلى المسلمين ونشأ بينهم بسرعة غربية ولسنا على بينة من أمر كلمة المهدي من وضعها ومتى وضعت. إنتهى بتلخيص(2). إنّ هذا الرأي لا يستحق المناقشة في الواقع لأسباب كثيرة منها: افتراضه تساهل المسلمين بحيث يعتقدون باُمور لا يعرفون مصدرها ومنها عدم وجود صلة بين فكرة إلهي خير وشر وفكرة مخلّص، ومنها أنّ حجم مسألة المهدوية ليس بهذه البساطة فالفكرة من الفكر الكبيرة الحجم بالعقيدة الدينية.

 

3 ـ الشق الثالث:

ربط فكرة المهدي بالفكر الوضعي في بعده السياسي ويقول أصحاب هذه الفكرة أنّ فكرة المهدي اخترعها بعض الحكام الذين حكموا ولم تتوفر فيهم صفات يفترضها المسلمون في الحاكم، فافترضوا أنّ هناك إماماً غائباً محرّراً سيظهر بعد ذلك وقد عهد إليهم بالقيام بالحكم إلى أن يظهر وقالوا إنّ المختار الثقفي ممن سلك هذا الطريق وادعى أنّه منصوب من قبل المهدي من آل محمد، وممن أكد هذا الرأي المستشرق وات(3) وهذا الرأي يضع الأثر مكان المؤثر فإنّ الذين اتخذوا من فكرة المهدي سناداً لهم على فرض وجودهم بهذه الكثرة: لابد أن تكون فكرة المهدي شائعة عند الناس قبل مجيئهم فاستفادوا منها وركبوا ظهر العقيدة، على أنّ نسبة هذا الرأي للمختار باعتباره جزءاً من العقيدة الكيسانية

____________

(1) نظرية الإِمامة ص399.


 

(2) التشيع والشيعة ص35.

(3) تاريخ الإِمامية وأسلافهم ص165.

 

فنّده كثير من المحققين، وحتى مع فرض صحته يبقى متأخراً عن وجود عقيدة المهدي كما ذكرنا. وليس للمختار تلك المكانة الكبيرة عند فرق المسلمين حتى يأخذوا عنه ويتأثروا بآرائه مع التفات المسلمين لهدفه.

 

 

عقيدة المسلمين بالمهدي

إنّ فكرة الإِمام المهدي في نطاق العقيدة الدينية بغض النظر عن تفاصيلها موضع اتفاق جمهور المسلمين فإنّ روايات المهدي وانتظار الفرج على يديه وظهوره ليملأ الأرض عدلاً وردت عند كل من الشيعة والسنة، وممن رواها من أئمة السنة:

الإِمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، وأبو داوود في سننه، وابن ماجة في سننه، الحاكم في مستدركه، والكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان وابن حجر العسقلاني في القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، ويوسف بن يحيى الدمشقي في عقد الدرر في أخبار الإِمام المنتظر، وأحمد بن عبدالله أبو نعيم صاحب الحلية في نعت المهدي، ومحمد بن ابراهيم الحموي في مشكاة المصابيح، والسمهودي في جواهر العقدين وعشرات من أعلام السنة وغيرهم(1) لا اُريد الإِطالة بذكرهم.

وقد أخرج أئمة السنة أحاديث المهدي عن طريق الإِمام عليٍّ عليه السلام وابن عباس، وعبدالله بن عمر، وطلحة، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، واُم سلمة، وغيرهم.

ومن تلك الأحاديث ما رواه ابن عمر بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ذلك هو المهدي، وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: المهدي من عترتي من ولد فاطمة، وقد صحح هذه الأحاديث وغيرها مما ورد في الإِمام المهدي: ابن تيمية

____________

(1) راجع أعيان الشيعة 4/348.


 

 

مستنداً إلى مسند الإِمام أحمد بن حنبل وصحيح الترمذي، وسنن أبي داوود(1).

 

وقد ذهب ابن حجر تبعاً للنصوص إلى تكفير منكر المهدي فقد أجاب في الفتاوى الحديثية حين سئل عمن ينكرون خروج المهدي المنتظر فقال: فهؤلاء المنكرون للمهدي الموعود به آخر الزمان وقد ورد في حديث عن أبي بكر الأسكافي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال: من كذب بالدجال فقد كفر، ومن كذب بالمهدي فقد كفر، إلى أن قال: ونملي عليك من الأحاديث المصرحة بتكذيب هؤلاء وتضليلهم وتفسيقهم مافيه مقنع وكفاية لمن تدبره: أخرج أبو نعيم أنّه صلى الله عليه وآله وسلّم قال: يخرج المهدي وعلى رأسه عمامة ومعه مناد ينادي هذا خليفة الله فاتبعوه، ثم أخذ يورد الأحاديث الواردة في المهدي(2). هذا بعض المأثورات السنية في الإِمام المهدي، أما الشيعة فرواياتهم في موضوع الإِمام المهدي بكل جوانبه كثيرة واردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته، وقد ألفوا في ذلك كتباً كثيرة استوفت وغطت كل التساؤلات حول موضوع الإِمام المهدي: مثل كتاب الغيبة لمحمد بن إبراهيم النعماني، وكمال الدين وتمام النعمة لمحمد عليِّ بن بابويه القمي، وكتاب الغيبة لمحمد ابن الحسن الطوسي(3) وغيرهم كثير وقد تناولها فكتب بالمهدي كل من الصدوق في علل الشرائع، والمرتضى في تنزيه الأنبياء والمجلسي في البحار والمفيد في الفصول، وفي الإرشاد ومن المتأخرين كتب عشرات المؤلفين بالمهدي وأشبعوا الموضوع. وقد استعرضوا الأدلة في موضوع المهدي وأذكر من أدلتهم دليلين فقط:

1 ـ فمن الأدلة العقلية التي أوردها دليل اللطف ومفاد هذا الدليل: أنّ العقل يحكم بوجوب اللطف على الله تعالى وهو فعل ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية ويوجب إزاحة العلة وقطع العذر بما لا يصل حد الإِلجاء لئلا يكون للناس على الله حجة فكما أنّ العقل حاكم بوجوب إرسال الرسل وبعثة

____________

(1) نظرية الإِمامة ص405.


 

(2) الإِمام الصادق 6/146.

(3) أعيان الشيعة 4/388.

 

الأنبياء ليبينوا للناس ما أراد الله منهم وللحكم بينهم بالعدل: كذلك يحب نصب الإِمام ليقوم مقامهم تحقيقاً لنفس العلة، فإنّ الله لا يخلي الأرض من حجة، وليس زمان بأولى من زمان في ذلك، إلى آخر ما أوردوه.

 

2 ـ أما من الأدلة النقلية فذكروا ما يلي: قال الله تعالى (وعد الله الذين آمنو منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم) فقد فسرت هذه الآية كما عن الإِمام الصادق عليه السلام بخروج المهدي وتحقيق هذه الأشياء على يديه(1) وقد قيل إنّ لسان هذه الآية عام يشير إلى تحقيق هذه الأمور على أيدي المسلمين فأجابوا أنّ القرائن تفيد أنّ هذه الاُمور لم تتحقق على النحو الذي ذكرته هذه الآية من مجيء الإِسلام حتى يومنا هذا، ووعدالله لا بد تحقيقه، وتلك قرينة على تحققه في الستقبل، يضاف لذلك أنّ من أساليب القرآن الكريم أن يعبر عن الخاص بصيغة العام وعن المفرد بالجمع في كثير من الموارد، ولذلك قال الفخر الرازي عند تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا بخافون لومة لائم) الخ المائدة: /57.

قال: إنّها نزلت في أبي بكر بقرينه أنّه هو الذي قاتل المرتدين مع أنّ لسان الآية عام(2)، ومن الأحاديث التي استدل بها الشيعة في موضوع المهدي ما رواه الطوسي في الغيبة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: لا تذهب الدنيا حتى يلي اُمتي رجل من أهل بيتي يقال له المهدي(3)، هذه فكرة موجزة أردت بها الإِشارة إلى إجماع المسلمين على موضوع المهدي. وحينئذ لا يبقى قيمة لأقوال المهرجين الذين يريدون إبعاد الفكر عن الإِسلام غير عابئين بما ورد فيها من آثار ونصوص، وإذا كان البعض قد استغل الفكرة عبر التاريخ فما ذلك بموجب لنكرانها ورمي من يعتقد بها

____________

(1) أعيان الشيعة 4/389.


 

(2) تفسير الرازي 3/416.

(3) أعيان الشيعة 4/390.

 

بالتخريف، وما أسهل نفي فكرة إذا كانت لا تلتقي مع مصلحة شخص أو كان يجهلها. على أنّني لا اُصحح جميع ما أحاط بها من ذيول بل لا بد من الإِقتصار على ما تثبت صحته بالطرق المعتبرة ويجدر بالبعض أن يبتعد عن التهريج الذي يصل إلى القول:

 

 

ما آن للسّرداب أن يلد الذي * صيّرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولكم العفاء لأنّكم * ثلّثتموا العنقاء والغيلانا

 

إنّ هؤلاء تسرعوا فقالوا بما لا يعرفون واننا نقول لأمثال هؤلاء سلاماً كما أمر القرآن الكريم.

 

المردود الإِيجابي في عقيدة المهدي

بقي أن يعرف ما هي حصيلة عقيدتنا بوجود المهدي فإنّ تقييم مثل هذه الاُمور يصحح كثيراً من التصورات الخاطئة من أمثال هذه العقائد خصوصاً إذا عرفنا أنّ العقائد فواعل بالنفوس.

 

1 ـ المردود الأول:

فأول المردودات الإِيجابية بهذه العقيدة حصول الإِمثال لأمر الله تعالى بهذه العقيدة ككل العقائد، فإنّ المفروض أنّ النصوص تحتم الإِيمان بها كما ذكرنا آراء العلماء بذلك.

 

2 ـ المردود الثاني:

الشعور بقيام الحجة على العباد لله تعالى بوجود الإِمام إذ لو حصلت الكفاية بغيره لما حصل الخلاف بي المسلمين، فإن قيل إنّ الخلاف حاصل بالفعل قيل: إنّ ذلك ناتج من عدم الإِلتزام بإمامته، بالإِضافة إلى الشعور بالتسديد في آراء العلماء بوجود الإِمام بين أظهرهم وإن لم يعرفوه.


 

3 ـ المردود الثالث:

في وجود المهدي لطف يقرب العباد إلى الله تعالى لشعورهم بأنّ الله تعالى يهيّئ لإِقامة العدل ورفع الظلم، فإن قيل إنّ رفع الظلم يجب أن يحدث بالأسباب الطبيعية من قبل الناس: قيل إنّ ذلك صحيح ولكن إذا تهاونوا بذلك فلا بد أن يدافع الله تعالى عن الذين آمنوا، فإن قيل إنّ ذلك يحصل بالآخرة، قيل إنّ مثل ذلك كمثل إقامة الحدود في الدنيا مع أنّ المجرم لا يترك بالآخرة. هذه بعض الفوائد في موضوع الإِمام المهدي وليست هي علة تامة بل حكمة ونحن نتعبد بما ورد في النصوص، وهناك فوائد اُخرى ذكرتها المطولات وغطت أبعاد المسألة يمكن الرجوع إليها.

مطبقات في كل واحد لون من الطيب وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير، والخ(1).

المردود السلبي في عقيدة المهدي

 

1 ـ المردود الأول:

إنّ أول المردودات السلبية أنّ هذه الفكرة تشل الإِنسان وتمنعه عن القيام بواجباته وتخدر الإِنسان وتتركه خائفاً ذليلاً بانتظار ظهور الإِمام ليأخذ له بحقه، وقد صوّر بعضهم شدة لهفة الشيعة لانتظار ظهور الإِمام بأنّ قسماً من الشيعة لا يصلّون مخافة أن يخرج الإِمام وهم مشغولون بالصلاة فلا يستطيعون اللحاق به(1) وهذ التصور مردود جملة وتفصيلاً فلا أحتاج إلى إكثار القول فيه بل اُلفت النظر إلى كتب فقه الإِمامية فإنّ الجهاد والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ووجوب الدفاع عن النفس قائم بالفعل ولا يرتبط بالمهدي من قريب أو بعيد ومن ادعى خلاف ذلك فليدلنا على المصدر، وأما الدعاوى الفارغة والقول البذيء فمردود على القائل وهو به أولى، ومن قفا مؤمناً بما ليس فيه حسبه الله تعالى في ردغة الخبال، كما يقول الحديث النبوي الشريف(2).

 

____________

(1) منهاج السنة لابن تيمية 1/29.


 

(2) تفسير الفخر الرازي عند قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) الخ.

 

2 ـ المردود الثاني:

أنّ اللإِيمان بفكرة المهدي يؤدي إلى الإِزدراء بالعقل لما في ذلك من مفارقات مثل طول العمر غير المعتاد، وغيبته عن الأبصار، وعدم وجود فائدة في إمام كهذا وغير ذلك. والجواب على ذلك بالإِختصار: أنّ الشيعة لا يجعلون بقاءه هذه المدة أمراً طبيعياً وإنما هو معجزة لأنّهم يقولون لما ثبت بالأدلة وجوده وغيبته والوعد بظهوره فلا بد والحالة هذه من الإِيمان بذلك بالإِضافة لعدم خلو الزمان من إمام مفترض الطاعة، وبناءاً على أنّ وجوده معجزة ينقل حينئذ الكلام إلى المعجزات ككل فأما أن تصدق أو تكذب وإذا كذبناها كذبنا الثابت في الإِسلام أما أنّه لا يرى فليس بمعلوم بل يجوز أن يرى ولا يعرف ويستفاد بآرائه لأنّه يشترك مع الناس بالآراء ويلقي بالرأي الصحيح، يبقى الكلام على عدم تعليل اختفائه، وما أكثر العقائد والأحكام التي لا نجد لها علة ونقول بمضمونها مثل رمي الجمرات في الحج، والهرولة، ومعاقلة المرأة الرجل إلى ثلث الدية وأعداد ركعات الصلاة وهكذا. فإنّها كلها أحكام غير معللة بل معظم الأحكام هكذا، وكذلك كثير من العقائد.

 

3 ـ المردود الثالث:

الإزدواجية التي تحصل من وجود إمام تجب طاعته ولا يحكم وآخر يحكم ولا تجب طاعته، والجواب أنّ فقهاء الإِمامية بالجملة في حال غيبة الإِمام يقرون حكومة الحاكم العادل الذي يرعى مصالح المسلمين ويحمي ثغورهم ويجاهد عدوّهم ويرتبون المشروعية على تصرفاته بالجملة.

أما بعد فهذه إلمامة موجزة بفكرة الإِمام المهدي أردت أن اُذكّر من يكتبون عنها فيصوّرون الشيعة كأنّهم اقتبسوا أحكامهم من كسرى وقيصر مع وفرة ما أوردناه من أحاديث حول فكرة المهدي فهل يسع مسلماً يؤمن بالله نكرانها أورميها بعيداً عن الإِسلام، اللهم إلا أن يقال إنّ أحاديث اللمهدي دسها الشيعة في كتب السنة كما يقل ذلك موارد اُخر فإنّ بعضهم إذا لزمته الحجة بحديث قال ذلك،


 

وعليه يجب أن نرمي كل كتب التراث بالبحر إذا كانت قابلة لهذا التصوّر ولا يبقى بها ثقة إرضاء لسواد عيون بعض من لا يروق له الإِذعان للحق ويطربه أن يتأصل الخلافة بين المسلمين إنّنا مدعوون الى حمل شعار القرآن: (إنّ هذه اُمتكم اُمةً واحدة وأنا ربّكم فاعبدون) الأنبياء/92 وما أروع إيماءة القرآن بالأمر للامة بعبادة الله عقب ذكر وحدة الاُمة ففي الآية إشارة إلى أنّ كثيراً من الناس يعز عليهم وحدة الاُمة لأنّ مصلحتهم المادية في فرقتها ولأنّ أصناماً من العصبية في رؤوسهم يعبدونها وقد أمرهم الله تعالى بنبذها وعبادته وحده لأنّه وحّد الأمة وصهرها بكلمة التوحيد.

 

 

التقية وأحكامها

ومما اُلصق بالشيعة وأصبح لا يتخلف عنهم عندما يخطرون في الذهن وكأنّه عضو منهم خاصة دون باقي المسلمين: التقية، والذي ساعد على ذلك أنّ التشيع انفرد على مدى تاريخه بالتعرض إلى ضغط يفوق الوصف لأنّه يشكل جبهة المعارضة في وقت لا معنى للمعارضة إلا العداء وليس كما تعطيه لفظة المعارضة من مدلول في الوقت الحاضر، وكان اعتيادياً أن يتعرضوا إلى مطاردة وتنكيل، وكان لا بد من المحافظة على أنفسهم من الإِبادة التامة فلجئوا إلى التقية باعتبارها وسيلة يقرها الدِّين للإِحتماء بها عند الضرورة ورووا لها سندها من الكتاب والسنة وكان من الأولى أن يمدحوا على ذلك لأنّهم استعملوا ما أمر به الشارع لحفظ النفس عند الخطر، ولئلا يعرضوا إلى أحد أمرين اما الإِبادة، أو الإِنهيار، والإِرتماء في أحضان الظالمين كما فعل غيرهم ممن آوى إلى فراش الحكم والحكام يرتع في موائدهم ويعيش في حمايتهم ويتكلف الأدلة لتصبح آراؤهم منسجمة مع الشرع، كما قال ابن خلكان في ترجمة أبي يوسف القاضي: قال: إنّ زبيدة زوجة الرشيد كتبت إلى أبي يوسف القاضي ما ترى في كذا، وأحب الأشياء إلي أن يكون الحق فيه كذا فأفتاها بما أحبت فبعثت إليه بحُقٍّ فضّة فيه حقاق فضة

 

وقد كان للشيعة مندوحة عن كل ما عانوه من الجور والظلم بشيءٍ من مجاراة الحكام ولكنّهم أبوا ذلك وتصلبوا من أجل مبادئهم إلا في حالات شاذة.

على أنّ هناك ظاهرة اُلفت النظر إليها: وهي أنّ الشيعة منذ تعرضوا للضغط عاشت عندهم التقية على مستوى الفتاوى ولم تعش على المستوى العملي بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف الشيعة مع معاوية وغيره من حكام الاُمويين وحكام العباسيين كحجر بن عدي وميثم التمّار ورشيد الهجري وكميل بن زياد ومئات غيرهم وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية.

وبعد هذا فإنّ القول بالتقية لم ينفرد به الشيعة بل هم في ذلك كسائر المسلمين وذلك واضح من آراء المسلمين عند شرحهم للآيات الكريمة والأحاديث الواردة في هذا الخصوص. فمن الآيات الكريمة التي وردت في هذا الموضوع قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاة وحيذركم الله نفسه وإلى الله المصير) آل عمران/28 وقوله تعالى: (الا من اُكره وقلبه مطمئنّ بالإِيمان) النحل/106.

أما الأحاديث فمنها ما ذكره البخاري في صحيحه كتاب الأدب باب المداراة مع الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم انا لنكشر في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم(2).

وكقوله: رفع عن اُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه(3) ذكر ذلك ابن عربي عند تفسيره للآية 106 من سورة النحل، وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم:

 

____________

(1) وفيات الأعيان 2/465.


 

لمحمد بن مسلمة ومن معه لما أرسلهم لقتل كعب بن الأشرف فقالوا: يا رسول الله أتأذن لنا أن ننال منك؟ فأذن لهم(1) وقد انقسم المسلمون في مفاد هذه النصوص ودلالتها على التقية إلى أقسام قال بعضهم بجوازها بالقول دون الفعل، وعممها بعضهم إلى الفعل، واختلفوا في وجوبها مطلقاً، أو جوازها مطلقاً أو التفصيل فتجب في بعض الموارد وتجوز في اُخرى وسأذكر لك في الفصل القادم آراء بعض فقهاء المسلمين لأخذ صورة عن الموضوع وذك بعد مدخل بسيط لصلب الموضوع:

(2) البخاري 4/43.

(3) أحكام القرآن لابن العربي ص1166 تسلسل عام.

 

 

تعريف التقية:

عرّف المفسرون التقية بأنّها: «إخفاء المعتقد خوفاً من ضرر هالك، ومعاشرة ظاهرة مع العدوّ المخالف والقلب مطمئنّ بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من شق العصا» (2). وعرّفها الشيخ المفيد في كتابه أوائل المقالات بأنّها: «كتمان الحق وستر الإِعتقاد به ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدنيا والدين»(3) والمؤدى واحد في كل من التعريفين.

وبعد تعريف التقية أعود إلى آراء فقهاء المذاهب الإِسلامية في أحكام التقية المختلفة.

أقوال فرق المسلمين فيها

 

1 ـ المعتزلة:

أجاز المعتزلة التقية عند الخطر المهلك وعند الخوف تلف النفس وفي ذلك يقول أبو الهذيل العلاف: إنّ المكره إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما اُكره عليه فله أن يكذب ويكون وزر الكذب موضوعاً عنه(4).

 

____________

(1) المصدر السابق 2/1257.


 

(2) دراسات في الفرق والعقائد ص45.

(3) أوائل المقالات ص66.

(4) الإِنتصار للخياط 8/128.

 

2 ـ الخوارج:

إنقسم الخوارج حول التقية إلى ثلاثة أقسام: فقسم وهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق منعوا التقية ونددوا بمن يعمل بها بشدة وكفروا القاهدين عن الثورة بوجه الظلم والظالمين، وفي ذلك يقول نافع بن الأزرق: التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر واضح لقوله تعالى: (إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله) الخ النساء/77. ولقوله تعالى: (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) المائدة/55. والقسم الثاني وهم النجدات أتباع نجدة بن عويمر فقد أجازوا التقية في القول والعمل ولو أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرّم الله.

والقسم الثالث وهم الصفرية أتباع زياد بن الأصفر فكانوا وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء فأجازوها في القول دون الفعل، كما نص على ذلك عنهم الشهرستاني(1) وأدلتهم قابلة للمناقشة ولست بصدد ذلك.

 

3 ـ أهل السنة:

التقية عند السنة بالإِجماع جائزة في القول دون العمل، ويذهب بعضهم إلى الوجوب فيقول بوجوبها في بعض الحالات ومنهم الغزالي حيث يقول في ذلك: إنّ عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان القصد سفك دم مسلم فالكذب فيه واجب(2) وقد اقتصر بعضهم على الرخصة بالتقية إذا كان المسلم بين كفار يخافهم على نفسه أو ماله ومن هؤلاء القائلين بالرخصة الرازي المفسر والطبري كذلك في تفسيريهما عند قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة(3)) بينما ذهب قسم آخر من العلماء إلى أنّ التقية متعينة ليست بين الكفار فقط بل حتى إذا كان المسلم بين مسلمين شابهت حالهم الحال مع الكافرين أي في حال عدم قدرة المسلم على

____________

(1) الملل والنحل هامش الفصل 4/68.


 

إظهار عقيدته المذهبية بين مسلمين من فرق اُخرى وممن ذهب لهذا الرأي الإِمام الشافعي وابن حزم الظاهري(1).

(2) إحياء العلوم 3/119.

(3) تفسير الطبري 3/229، وتفسير الرازي عند تفسير الآية المذكورة.

 

وحكم التقية كباقي الأحكام باق إلى يوم القيامة خلافاً لمن قصره على أيام ضعف الإِسلام وفي ذلك يقول الفقهاء:

إنّها جائزة للمسلم إلى يوم القيامة، مستندين إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لعمار بن ياسر لما قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم ما تركوني حتى نلت منك فقال له: إن عادوا فعد لهم بما قلت، ذكر ذلك البيضاوي في تفسيره للآية 106 من سورة النحل فراجعه.

 

4 ـ رأي الشيعة بالتقية:

لا يختلف الشيعة عن السنة في القول بالتقية فإنّها عندهم وسيلة أرشد إليها الشرع لحفظ النفوس الواجب حفظها، وحفظ باقي الاُمور التي أمر الشرع بحفظها هذا كل هدف التقية عندهم لا غير، وليس كما يقول البعض إنّ الشيعة اتخذوا من التقية أداة للختل والمراوغة والإِزدواجية ولأجل المؤسسات السرية الهدامة(2).

والتقية عند الشيعة تختلف باختلاف المقام فقد تكون واجبة وقد تكون مباحة وقد تكون محرمة، ولذلك تجد عبارات فقهاء الشيعة قد ذكرت الحالات الثلاث يقول ابن بابويه القمي: إعتقادنا في التقية: أنّها واجبة وأنّ من تركها فكأنّما ترك فرضاً لازماً كالصلاة، ومن تركها قبل ظهور المهدي فقد خرج عن دين الله ودين نبيه والأئمة، بينما يقول الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان:

التقية جائزة عند الخوف على النفس وقد تجوز في حال دونه عند الخوف على المال ولضروب من الإِستصلاح، وأقول إنّها قد تجب أحياناً من غير وجوب وأقول إنّها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة وليس تجوز في الأفعال في قتل المؤمنين وما

____________

(1) المحلى لابن حزم 8/335، والمسألة 1408.


 

يغلب أنّه استفساد في الدين(1).

(2) ضحى الإِسلام 3/246.

 

بينما يقول فقيه شيعي معاصر: وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر وليس هي بواجبة على كل حال بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للإِسلام وجهاد في سبيله فإنّه عند ذلك يستهان بالأموال ولا تعز النفوس، وقد تحرم التقية في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة، أو رواجاً للباطل، أو فساداً في الدين، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور فيهم، إلى أن قال: إنّ عقيدتنا في التقية قد استغلها من أراد التشنيع على الإِمامية فجعلوها من جملة المطاعن فيهم وكأنّهم لا يشفى غليلهم إلا أن تقدم رقابهم ـ أي رقاب الشيعة ـ إلى السيوف لا ستئصالهم(2).

ومن هذه المقتطفات التي ذكرتها يتضح أنّ التقية تتبع الحالات والظروف وتكون محلاً للأحكام المذكورة تبعاً لاختلاف العناوين، وقد سبق أن ذكرنا استدلالات الشيعة للتقية من الكتاب والسنة، ولذلك كان الإِمام الصادق عليه السلام يقول: «التقية ديني ودين آبائي» وخصوصاً في عصره حيث كانت السيوف هي اللغة الوحيدة، وقد حاول بعضهم أن يفلسف من موقف الإِمام الصادق ومواقف الشيعة في التقية بأنّ التقية علاج لأمرين:

أ ـ هو أنّ سكوت أئمة أهل البيت عن المطالبة بحقهم والتصدي للظالمين من ناحية، ومن ناحية اُخرى إنّ المفروض أنّهم الأئمة المفترضة طاعتهم، إنّ ذلك يشكل تناقضاً لا مخرج منه إلا التقية، قال بذلك كل من الرازي في كتابه محصل آراء المتقدمين والمتأخرين والملطي في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع(3).

 

____________

(1) أوائل المقالات 97.


 

ب ـ والأمر الثاني هو ما يظهر من اختلاف في أقوال الأئمة بعضهم مع بعض وفي أقوال الإِمام الواحد في مقامات مختلفة مما يشكل علامة استفهام ودفعاً لذلك قالوا بالتقية حتى لا يبقى إشكال في ذلك، محصل قولهم ذكره صاحب كتاب دراسات في الفرق والعقائد (1).

(2) عقائد الإِمامية للمظفر ص87.

(3) التنبيه والرد بحث التقية.

 

إنّ هذا الباحث يظهر من تصويره لمسألة التقية عند الأئمة أنّه اختلط عليه المقسم بالقسم، وذلك أنّ الموردين الذين ذكرهما إنما هما من موارد تطبيق مبدإ التقية لا أنّ التقية اُنشئت من أجلهما، هذا مع أنّ هذا الباحث هو الدكتور عرفان من أكثر الناس إنصافاً للشيعة فيها كتب عنهم بالقياس إلى غيره فانظر لما كتبه حولهم(2). وقد اعتبر كثير من الكتّاب أنّ موقف الإِمام الصادق عليه السلام من التشديد على التقية فيه ضعف وتخاذل بينما الواقع أنّ الإِمام بموقفه هذا حفظ أصحابه من هجمات شرسه فقدت صوابها ولم يعد لها من منطق غير المخلب والناب وفي مثل هذا الحالات لا بد من الحكمة، وسأذكر لك صوراً مصغرة عما كان عليه الحال:

يقول الخطيب البغدادي بسنده عن أبي معاوية قال: دخلت على هارون الرشيد فقال لي: لقد هممت أنّ من يثبت الخلافة لعليٍّ أن أفعل به وأفعل قال أبو معاوية: فسكت، فقال لي: تكلم، قلت: إن أذنت لي؟ قال: تكلم، قلت: يا أمير المؤمنين قالت تيم منا خليفة رسول الله، وقال عدي منا خليفة رسول الله، وقالت بنو اُمية: منا خليفة الخلفاء، فأين حظكم يا بني هاشم، والله ما حظكم إلا ابن أبي طالب فسكت(3) لقد أحسن الرجل الدخول وعرف من أين يأتيه، وهنا نقول إذا كان من يذكر حق عليٍّ بالخلافة يصنع به ما يصنع فما رأي هؤلاء المتفيهقين في أيام الرخاء الذين لم تلفح وجوههم النار ولم يعضهم الحديد.

 

____________

(1) دراسات في الفرق والعقائد ص53.


 

على أنّ هناك شيئاً آخر وهو أنّ أئمة المسلمين الآخرين اضطروا إلى استعمال التقية فيما تعرضوا له من مواقف، ومن ذلك ما ذكره أحمد بن أبي يعقوب المعروف باليعقوبي عند استعراضه لموقف الإِمام أحمد بن حنبل أيام المحنة والقول بخلق القرآن قال: لما امتنع أحمد بن حنبل من القول بخلق القرآن وضرب عدة سياط قال إسحق بن إبراهيم للمعتصم ولني يا أمير المؤمنين مناظرته فقال: شأنك به، فقال إسحق للإِمام أحمد ما تقول في خلق القرآن؟ فقال الإِمام أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا، فقال: هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أم علمته من الرجال، فقال أحمد: بل علمته من الرجال، فقال إسحق علمته شيئاً بعد شيءٍ قال نعم، قال إسحق: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟ فقال: نعم، قال: فهذا مما لم تعلم وعلمكه أمير المؤمنين، فقال أحمد: فإنّي أقول بقول أمير المؤمنين، فقال إسحق في خلق القرآن، قال أحمد في خلق القرآن فاشهد عليه، وخلع عليه وأطلقه إلى منزله(1).

(2) دراسات في الفرق والعقائد ص42.

(3) الإِمام الصادق لأسد حيدر 2/310.

 

ولهذا قال الجاحظ في حواره مه أهل الحديث بعد أن ذكر محنة الإِمام أحمد بن حنبل وامتحانه: قد كان صاحبكم هذا ـ يعني الإِمام ـ يقول لا تقية إلا في دار الشرك فلو كان ما أقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية فلقد أعملها في دار الإِسلام وقد أكذب نفسه، ولو كان ما أقر به على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم على أنّه لم ير سيفاً مشهوراً ولا ضرب ضرباً كثيراً، ولا ضرب إلا الثلاثين سوطاً مقطوعة الثمار مشبعة الأطراف حتى أفصح بالإِقرار مراراً، ولا كان في مجلس ضيق، ولا كانت حالته مؤيسة، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خلع قلبه بشدة الوعيد، ولقد كان ينازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب ويزنون ويخف ويحلمون ويطيش(2).

على أنّ سيرة المسلمين بالفعل قائمة على التقية فهناك اُمور لا يقرها بعض

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 3/198.


 

المسلمين وهي قائمة عندهم. خذ مثلاً بقاء قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فإنّ الوهابيين لا يتركون قبراً قائماً فقد رووا في الصحاح عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ألاّ أدع قبراً قائماً الا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته وعلى هذه الرواية استند الوهابيون أو هي أحد مستنداتهم في تهديم القبور(1) ولكنّهم لم يتعرضوا لقبر النبي مع أنّ لسان الرواية عام لم يستثن قبراً وليس ذلك إلا تقية من المسلمين. وقد كان خبر أبي الهياج سبباً للتهريج عند ابن تيمية على الشيعة مع أنّ الرواية ما ثبتت عندهم من ناحية سندها، لقد شحن ابن تيمية كتابه بقوارص من الشتم يأباها خُلُق الإِسلام وأدب القرآن ومن ذلك أنّه إذا مرّ بذكر العلامة ابن المطهر الحلي يسميه بابن المنجس(2).

(2) الإِمام الصادق لأسد حيدر 2/310.

 

في حين كان العلامة في خصومته مع العلماء في غاية التهذيب وبوسع القارئ أن يرجع إلى الكتابين الذين طبعا معاً وأن يحكم على الاُسلوبين ليرى الفرق بينهما.

وإلى هنا أرجو أن أكون قد وضعت بين يدي القارئ فكرة عن التقية كافية لأخذ صورة عن الموضوع ولا يخلو الواقع المعاصر من تقية متجسدة عند مختلف الشعوب.

 

____________

(1) منهاج السنة لابن تيمية 1/333.

(2) المصدر السابق 1/13.

 


کارها

Information

پاسخی بگذارید

در پایین مشخصات خود را پر کنید یا برای ورود روی شمایل‌ها کلیک نمایید:

نشان‌وارهٔ وردپرس.کام

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری WordPress.com خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

تصویر توییتر

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Twitter خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

عکس فیسبوک

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Facebook خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

عکس گوگل+

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Google+ خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

درحال اتصال به %s




%d وب‌نوشت‌نویس این را دوست دارند: