النبي داوُد(ع)

14 08 2008

النبي داوُد(ع) صاحب المزامير

 

النبي داوُد(ع)

 

تولّى يوشَعُ بنُ نون قيادة قومه، بعد التحاق موسى(ع) بالملأ الأعلى.

وخرج بهم من أرض التيه، بعد أربعين سنةً تاهوا فيها، حيارى،.. إلى أرض فلسطين، لقتال أعدائهم، وما زال ينتقلُ بهم من نصرٍ إلى نصرٍ، حتّى دانَ لهم الأعداءُ وخضعت لهم الرقابُ، فحكموا بشريعة السماء!.

وكانوا يُقدِّمون أمامَهم، في كلِّ المعارك التي خاضوها، «تابوت العهد»،.. وفيه بقيةٌ ممّا ترك موسى وهرونُ: من عصا موسى، إلى الألواح المقدسة، إلى بعض دروعٍ وسلاحٍ.. وهكذا كانت بيارقُ النصر تُرفرف فوق هذا التابوت المقدس باستمرارٍ،.. الذي كان نعمةً أنعمها الله على بني إسرائيل!..

ولكنَّهم – كعادتهم- مالبثوا أن انحرفوا عن طريق الحقِّ، وجادّة الصواب.. فسلّط الله عليهم «الفلسطينيينَ» حتى ذلُّوا، وهانوا، وباؤوا بغضبٍ من الله وخذلان!..

صموئيل النبي

وأتى بنو إسرائيل نبياً لهم، وعبداً من عباد الله الصالحين، اسمه «صموئيل» وشكوا إليه، متبرِّمين، مايلاقون من مرارة الهوان، وتمزق الشمل والخذلان، وظهور أعدائهم عليهم ( أي: تفوُّقهم).

وهز «صموئيل» رأسه، فهو على وثيق الايمان بأنّ لعصاة الله سوء الدار، وبئس القرار.. وقومُه عصاةٌ فاسقون، مردُوا على الكفر والنِّفاق، فالله مجازيهم بما كسبت أيديهم وبما كانوا أنفُسهم يظلمون. وقال لهم بصوتٍ عميقٍ، وهو يتطلّع إلى آفاق السماء:

– دعوني استخر لكم الله في ماأنتم فاعلون!

وانصرفَ، كلٌ إلى شأنه!..

وأوحى الله إلى نبيه «صموئيل»: إني قد اخترتُ «طالوت» ملكاً على بني إسرائيل، ولعلّ «صموئيل» لم يكن قد سمع بهذا الاسم من قبل.. فمن «طالوت» هذا؟.. وكيف الوصول إليه؟..

فأوحى إليه الله عزّوجلّ: لاعليكَ يا «صموئيل»، فطالوتُ آتٍ إليك عمّا قريب. إنه عبدٌ من عبادي الصالحين، قد آتيتهُ بسطةً من الجسم والعلم.. وبه يتمُّ صلاحُ أمر بني إسرائيل.

«طالوت» و»صموئيل»

«طالوت» في قرية من قرى الوادي، يُشرفُ على أغنامٍ وأُتُنٍ (جمع أتان: أنثى الحمار) يرعاها، فتنمو عدداً – ويتعهّد الأرض: رياً، وفلاحةً، وزراعةً، فيجني منها وافرَ المحاصيل.

وبينما كان يرعى قطيعاً، أخذتهُ سنةٌ من الكرى، فغفا ساعةً أو بعض ساعةٍ، ولما استفاق، طلبَ أُتُنهُ فلم يجدها، فسأل غلامه عنها. وإذا به، مثله، لايعلمُ عنها شيئاً، فنهضا، وتوجّها إلى أرض وعرةٍ ذات عشب وكلأ وشجر، فلعل الأُتن قصدتها.. وتوغَّلا عميقاً في الأرض الوعرة، حتى تورّمت منهما الأقدامُ، دون أن يعثُرا لها على أثر. وأرادا العودة خائبين، بعد أ، لقيا مشقةً وعسراً، على أن يعاودا البحث عنها غداً في المقلب الآخر للوادي. فلعلّها قصدت وعور الشِّعاب!..

ويتوقَّفُ الغلامُ لحظةً، وهو يفرُكُ جبهته، ويتوجَّهُ بالكلام مخاطباً سيِّده «طالوت»:

– «سيدي، لعلَّنا لن نجوس خلال هذه الأرض مرةً أخرى. فنحن الآن في أرض «صوف» موطن النبي «صموئيل» الذي يهبِطُ عليه الوحيُ، وتتنزَّلُ الأملاكُ. فهيَّا بنا إلى هذا النبي الكريم، نستوضحه أمر ما افتقدنا من أُتُن، فلعلّ السماء تُنبئُنا بواسطته عن ضالّتنا.. وإلى ذلك كلّه، فلعلّنا نتبرّك بدعائه، ونُحرز رضاهُ.

وارتاح «طالوتُ» إلى هذا الرأي. فلا ضيرَ منه على أي حال!..

ويتوجّه «طالوت» يصحبه غلامُه إلى حيثُ يقيم النبي «صموئيل». ويلتقيان، في طريقهما إليه، فتياتٍ، خرجنَ يستقين الماء، فسألاهُنَّ كيف السبيل إلى لقاء «صموئيل»، فأخبرنهما بأنّ الناس يلاقونه خلف ذيَّاك الجبل، ولعلّه موشكٌ على المجئ.

وفيما هُما كذلك، وإذ بصموئيل بطلعُ عليهما، يشعُّ محيّاهُ بنور النبوّة، وتحفُّ به مهابةُ رسولٍ كريم!..

ونظر كلُّ منهما إلى الآخر.. فأوقع الله في قلب «صموئيل» أنه أمام «طالوت» الموعود.

ولم يتردّدْ «طالوت» في الإبانة عن نفسه، والهدف من مجيئه، فقال:

– «لقد أتيتك، يانبيّ الله، مستوضحاً، مسترشداً، لقد ضاعت لنا أُتُنٌ، ومازلتُ أطلبُها، مع غلامي، منذُ ثلاثة أيام، دون جدوى. وقد أتيناك مسترشدين: فهل إلى العثور عليها، من سبيلٍ؟..

فأجابه صموئيل باطمئنان الواثق:

«أمّا الأُتُن التي أنت في طلبها، فهي في طريقها إلى أبيك، فلا تنشغل بها نفساً، ولاتنزعج بها خاطراً..

وإني أدعوك إلى أمرٍ، ندبَكَ الله إليه (أي: كلَّفك به، ودعاك..)، وهو أمرٌ، وايمَ الله (أي: أقسم بالله) جدُّ جسيمٌ، وخطيرٌ!..

ويُحملِق «طالوت» في وجه صموئيل دهشاً، فإلى مَ يدعوه نبي الله «صموئيل»؟..

– ماالأمر يانبيَّ الله؟

– لقد اختارك الله على بني إسرائيل، ملكاً!..

– أنّى يكون لي ذلك، ومن أكون حتى أنهض بهذا الحمل العظيم، والأمر الجلل الخطير؟ إنني من أبناء «بنيامين» أخمل الأسباط ذكراً، وأوضعهم جاهاً، وأدناهم قدراً، وأقلّهم مالاً، وأبعدهم عن مواطن الحكم والسلطان!..

– لاعليك!.. فليس لأغنياء الناس، ووجهائهم، من النبوة، إلاّ الحظُّ الأقلُ، والنصيبُ الأدنى. وإنّ هذه مشيئةُ الله، أنقلُها إليك،.. فاشكُر الله الذي اصطفاك عليهم جميعاً، واجتباك (أي: اختارك)، واحمد نعماءه على تكليفك بما لاينهضُ به إلاّ رجالُ الله الأخيار، فهيَّا، واصدَع بما أُمِرتَ به!..

وأخذ «صموئيل» بيد»طالوت»، وسارا، وتبعهما الغلام الذي، لدهشته، لم ينبس ببنت شفةٍ.

ووصل الثلاثةُ إلى النادي، حيث يجتمع عليّةُ القوم من بني إسرائيل، وأشراف ساداتهم، فوقف عليهم «صموئيل»، وهو ممسكٌ بيد «طالوت»، وأعلنَ فيهم:

– إن الله قد بعثَ «طالوتَ» ملكاً عليكم، فاسمعوا له، وأطيعوا، وأعّدوا العُدّة لجهاد عدوكم، تفلحوا، وتظفروا إن شاء الله!..

فلووا بأعناقهم، منذهلين!..

فمن يكون «طالوتُ» هذا النكرةُ، بينهم، والسيّئ الحال، يؤمّرهُ الله عليهم، وفيهم كلُّ عظيم الشأن، خطير المُقام؟..

فلا ذكر له، وهو الخاملُ بين بني إسرائيل، ولامال له، وبينهم من بيده كنزٌ من الذهب، لايفنى!..

ولاهو من أبناء «لاوي»، فرع دوحةِ النبوّة السامقة في بني إسرائيل…

ولاهو من غصن «يهودا»، معدن الملك والرياسة والسلطان!..

وأدرك «صموئيل» مايدور في خلدِهم، وما تُحدِّثهم به نفوسُهم، فقال لهم:

– على رسلكم، ياقوم!.. فالسيادةُ لاتحتاجُ إلى نسبٍ، وما عساه يجدي النّسبُ إذا كان صاحبُه أخرق أحمق؟. وماذا يفعل المالُ – على كثرته- مع المتخلّف البليد، والجبان الرعديد؟.. وهذا طالوتُ، اختارهُ الله عليكم، وفضّله على من عداه من بني إسرائيل،. {إنّ الله اصطفاه عليكُم وزادهُ بسطةً في العلم والجسم}. وها هوذا، كماترون، أمامكم، سويُّ الخلق، جميلُه.. صلبُ الجسم، متينُه، يبعثُ على المهابةِ والجلال!..

ألا ترونَ، لو كان مهزولاً، ضعيفاً،.. لاقتحمتهُ إذن، عيونُكم، وازدرتهُ انفسكم..؟ وهو، إلى ذلك، محاربٌ عنيدٌ، وعلى الأعداء جسورٌ، شديدٌ، بصيرٌ بعواقب الأمور، وخبيرٌ بأساليب الحروب، وفوق ذلك كله، فليس الأمرُ مني، ولاهو بيدي.. ولكنّهُ أمرُ الله تعالى، ومشيئَتُه، عزوجلَّ، فهو الذي قد ملّكه عليكم،.. فأطيعوا الله، في أمرِه، وسلِّموا إلى مشيئته نفوسكم راضين،.. فإنني، والله، لكم من الناصحين!..

وكأنّه استمال قلوبهم،.. فأظهروا الإذعان!..

ولكنّهم، مالبثوا أن عادوا إليه يطالبونه بآية يعرفون بها صدق قوله، فيكونون بذلك من المصدّقين، المؤمنين،..

فقال لهم: إنني أعرف خبيئة نفوسكم التي جُبلت على اللّجاج، والعناد، والمكابرة، ونبذ الحق،.. واتّباع سبيل الهوى، وطريق الغيِّ، وسوء الظنِّ بالله، وتكذيب رسله،

{إنّ آية مُلكه أن يأتيكم التّابوتُ فيه سكينةٌ من ربّكم وبقيّةٌ ممّا ترك آل موسى وآل هرون تحمِلُهُ الملائكةُ أنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين}.

فخرجوا إلى ظاهر المدينة، كما واعدهم «صموئيلُ»، فشاهدوا التابوتَ يتهادى إليهم في الفضاءِ، محمولاً على أكفِ الملائكة، فآمنوا، وبايعوا «طالوت»، وأقرُّوا له بالملك!..

وأظهر «طالوتُ» في ملكه، حزماً وعزماً. فأسرع إلى تجهيز جيشٍ لاتشغلُ أفرادهُ عن الحرب شواغلُ الدنيا، والتهالُكُ على حُطامها، وسار بهم لقتال الأعداء. وبينما هم، في طريقهم إلى الحرب، مرّوا على نهرٍ، وقد تلظّت أكبادُهُم عطشاً، فقال لهم طالوتُ:

– {إنّ الله مُبتليكُم بنهرٍ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمهُ فإنّهُ منّي إلا من اغترف غُرفةً بيده}

وشدّد عليهم بألاّ ينهلنَّ منه أحدٌ إلاّ بمقدار رشفات يبرّد بها كبدهُ الحرّى.

ولكنّ معظمهم لم يلتفتوا إلى طلب «طالوت» فأسلموا أنفسهم إلى هواها، فعبُّوا من ماء النهر الجاري حتى الارتواء، بينما ترشّف القليلُ منهم من الماء رشفاتٍ نزيرةٍ (أي:قليلة) برّد بها غليله.

ولمّا أشرفوا على أعدائهم، وجدوا فيهم قوّة عدةٍ وكثرة عدد، وقائدهم «جالوت» يجول بينهم ويصولُ، وقد غطّاهُ الحديد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، على فرسٍ أدهم كأنّه قطعةٌ من ليلٍ حالكٍ، فانقسمَ أصحابُ «طالوت» عندما شاهدوا ذلك إلى فرقتين:

واحدةٍ: أصابها الوهنُ، ودبَّ فيها الضعفُ، فقالوا: {لاطاقة لنا اليومَ بجالوتَ وجُنودِهِ}.

وثانيةٍ: ثبتت على الإيمان، واستحبَّت الجهاد على النُّكول عن الحرب(أي: الانصراف عنها)، موقنةً بأن النصرَ من عند الله، فحثُّوا إخوانهم على الصدق في القتال، والله يفعلُ – بعد ذلك- مايشاءُ، هاتفين بهم {كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله؛ والله مع الصَّابرين!..}.

وانطلقت شرارةُ المعركة بالمبارزة!.. فبرز «جالوتُ» بين الصَّفين، فما بارزَهُ فارسٌ، إلاّ وجندلَه صريعاً، حتى تحامتهُ الفرسانُ، وأجحمت عن مبارزته الأقرانُ. وهو على جواده المحمحم صائلٌ جائلُ، وسيفُه يرعُفُ دماً، والقومُ واجمون، مطرقون.

داود يبارز جالوت

كان في «بيت لحم» رجلٌ من بني إسرائيل قد أحنت السنونُ صُلبَه، فغدا عودُهُ كالقوس انحناءً.. ولما دقَّ نفيرُ الجاد في بني إسرائيلَ، انتخبَ ثلاثةً من نبيه، قائلاً لهم:

– «هيَّا لمعاضدة إخوانكم، ونُصرة بني قومكم في القتال، وأخذ نصيبكم من الحرب».

والتفت إلى صغير أولاده، داود، الأبلج الغُرّة، الوضَّاء الجبين، المتوقِّد الخاطر، وقال لهُ:

– «أمّا أنتَ، فمُهمَّتُك إيصالُ الماء والطعام إلى إخوتك، وموافاتي بأخبارهم مساء كلِّ يومٍ، وإياك والحرب!.. فلست من رجالها، ولا ممَّن يخوضون لظاها!..»

وودَّع داودُ وإخوتُه أباهم الشيخ الكبير، الّذي دعا لهم بالنصر، والتَّأييد..

ولمّا وصلوا إلى ساح المعركة، راعَ داود فارسٌ طاغيةٌ، عملاقٌ، يخطُر على جواده بين الصَّفين مُتغطرساً، متجبِّراً، والقومُ عن مبارزتِه مُحجمونَ، بعد أن قتل من صناديدهم عدداً كبيراً!.. وسمع الفتى داودُ طالوت، يبعثُ النخوة في نفوس جنده، ويثيرُ فيهم الحماس:

– من لهذا الطاغية يقيناً شرَّه، ويكفينا أمره، على أن يكون ملِكاً من بعدي، وزوجاً لابنتي؟..

ثارت الحميةُ في نفس داود، فاقترب من طالوت مستأذناً بمبارزة هذا الطاغية الجبّار. فنظر إليه «طالوتُ» كالمستصغر شأنه،.. إنه فتىً غرٌ، لايزالُ في ميعةِ الصِّبا، وطراوته، لم تحنِّكهُ الأحداثُ ولاوقائعُ الحروب، فأعرضَ عنهُ.

ولكنَّ الفتى ألحَّ على طلبه، وأصرَّ، فقال لطالوت:

– » لايخدعنّك مني ياسيدي، صغرُ الجسم، وحداثَةُ العُمر، وقماءةُ المظهر (أي: حقارته) فالشَّجاعة في جراءة النفس والجنان، لافي ضخامة الأجسام والأبدان.

بالأمس القريب عدا على إبل أبي أسدٌ ضارٍ، فما زلت أنازلُه حتى ضرعتُه. وبعد ذلك بأيامٍ اعترضَني دبٌّ هائلٌ، فما زلتُ به حتى أرديتُه.

ورأى «طالوتُ» في بيان الفتى صدقاً، وفي لهجته ماينمُّ عن تصميمٍ واندفاعٍ!.. فأذِنَ له،.. وأدناه منه، وألبَسهُ لأمةَ حربه، ودرعَه، وقلَّده سيفَه. ولكنَّ جسم الفتى النحيل، ناء بما أسبغ عليه من الحديد الثقيل. فخلع ذلك كلّه، وألقاهُ أرضاً وحمل عصاه ومقلاعهُ، واصطحب أحجاراً مُلساً، وتهيَّأ للخروج.

فقال له «طالوتُ»: كيف القتالُ بالعصا والمقلاع، وهذا مقامُ السيف والنِّبال؟.

فأجابهُ داودُ: إنّ الله الذي نصرني على الأسدِ والدُّبِّ، كفيلٌ بنصري على هذا الطّاغية الكفّار!..

ومضى، لايلوي على شئٍ..، ولاحقتهُ عيونُ القوم، لهفى، بحذرٍ!.. فليس داودُ من أنداد جالوت الأكفاء!.. ومتى كان للحمل الوديع أن يبارز الضِّرغامَ الهصور؟.. (أي: الأسد الفتَّاك).

ونظر جالوتُ إلى هذا المتقدِّم نحوه،.. إنه فتىً غريرٌ، كالأملود الطريِّ، لم تتفتَّح منهُ البراعِمُ، بعدُ، وحدجهُ بنظراتٍ حدادٍ،.. فأين السِّلاحُ يحملُه؟..

وهزئ من هذه العصا، يحملها، وذلك المقلاع، أتُراهُ يرعى ضأناً في واد؟.. أم تُراه يروم لعباً؟.. والحرب جدٌّ، وموتٌ، لامجال فيها لعبث الصبيان ولهو الصِّغار!.. وصرخ جالوت بداود ينصحهُ، بالعودة، يلعبُ مع الصِّبية، من أترابه، ويَلهو،.. فللحرب رجالُها، قبل أن تُخطف منه قصارُ الأنفاس!..

فلم يُجبه داود بكلمةٍ. بل مدَّ يدهُ إلى كيسٍ، على جانبه، تدلّى،.. فتناول منه حجراً أملس، أصمَّ ،داكناً، ووضعه في مقلاعه الصُّوفيَّ، وأرسلَه على «جالوت»، فسُمِعَ له أزيزٌ في الهواء،.. وأصاب جالوت، فشجَّ جبينه، وخضَّب وجهه بالدَّم.. فاستشاط «جالوتُ» غضباً، وقد سال دمُهُ دافقاً، حاراً، وغلى دماغُه،.. وهجم على هذا الصبيَّ اللّعوب يريد اختطاف أنفاسه، فرماهُ داودُ بحجر ثانٍ صكَّ وجهه، وثالثٍ، أصابَ به أم رأسه، فخر جالوت، عن جواده، يتخبَّطُ بدمِه، كالثَّور المذبوح، وهو يخورُ!..

فلما رأى جندُ «جالوت» ماحلَّ بقائدهم، زاغت منهم القلوبُ والأبصارُ، فأركنوا للفرار، وتبعهُم جندُ «طالوتَ» يُعملون في قفاهم سيوفاً ورماحاً، وقد ولّى أعداؤهُم الأدبار!..

وأصبح داوُد محطَّ أنظار القوم، وموضع إعجابهم، فإليه تشيرُ كلُّ بنانٍ (أي: إصبع).

* داود وطالوت

وفي طالوت بعهده، وصدق بوعده، فزوّج داود ابنته (مكيالَ).

وشدَّت طالوتَ إلى صهرهِ الفتى المؤيَّد، المسدَّد، أواصرُ نسبٍ وقربى، وروابطُ مواطنِ صدقٍ وجهاد!..

ولكن طالوتَ، ضاقَ، بعد زمنٍ، بداود، ذَرْعاً!. وقد أصبح هذا الفتى مسموعَ الكلمةِ في قومه، نافذ الرأي، مُهاب الجانب، فهو بالنِّسبةِ لهم موئلُ أملٍ، ومعقد رجاءِ!.. إنه ينتقِلُ بهم في المعارك التي يخوضونها، من نصرٍ إلى نصرٍ، تحوطُه عنايةُ الله، وترعاهُ، فكأنَّ الأقدارَ طوعُ يمينِه يتصرَّفُ بها كيفَ يشاءُ!.

ويشعر داودُ بتغيُّر طالوتَ عليه.. فطالوتُ لايلقاه إلاّ عابس الوجهِ، مُقطِّبَ الجبين، مكفهرَّ المُحيَّا، فما الّذي دهاه؟.. وأين بسمته الأنوسُ، وحديثُه الودود، وطبعُه الصَّافي، كالماء الزُّلالِ؟..

ويُفضي داودُ إلى زوجه «مكيالَ»، بما يلاحِظهُ على أبيها من تجهم، وانقلاب وإعراضٍ،.. فتبوحُ له بالسرِّ: لقد داخَلَ أباها حقدٌ على داودَ وضغيتةٌ، فالحسدُ ينهشُ قلبّه، وقد أصبحَ صِهرُهُ قبلةَ الأنظار. وتنصحُه بأخذِ الحيطةِ، واتِّخاذ الحذرِ. فليس كمثلهِما واقٍ لمن أرادَ على نفسه الإبقاء.

استدعى طالوتُ داودَ إليه يوماً، فمثلَ بين يديهِ.

وبلهجةٍ لاتخلو من حقدٍ ينضحُ، قال طالوتُ لداوودَ:- إن كنعانَ قد قويَت شوكتَهُم، وعظُمَ خطرهُم، وتمادى اذاهم، وشرُّهم، ألّبوا جموعهم يريدون النَّيل من «شعب الله المختار»!… فسِر إليهم، على بركة الله، مع مَن تراهُ من قادةٍ وجندٍ لاستئصال شوكتِهم، وإيّاك أن تعودَ إلاّ وسيفُك يشخُبُ من دمائهم، أو محمولاً على أعناق الرجال!.

وأذعَنَ داودُ لأمرِ طالوتَ، سيِّدِهِ، ومولاه. وما كان له إلاّ أن يُذعنَ ويطيع!.. وظنَّ طالوتُ أنه كُفي أمرَ داود، فهو قد أرسله إلى المقبرة لا إلى المجزرة!..

وتقدَّم داودُ بجيشه زاحفاً على الكنعانيين في عُقر دارهم، فشتَّت جموعهم، ودمَّر مُلكَهم، وكان يرمي نفسَه في كلِّ مهلُكةٍ، لايبالي أوقع على الموت، ام وقع الموتُ عليه!.. ولكنّ الله كان له حفيظاً، وناصراً، ومسدِّداً، ومؤيِّداً- فعاد، منتصراً، ظافراًن ترفرفُ فوقه بيارق الفوز المبين.

ورأى طالوتُ ذلك، فَغُمَّ، واهتمَّ، وتكدَّر خاطرهُ، وثارت وساوسهُ وهواجسُه،.. لقد شاء أمراً، وشاءَ الله أمراً آخر. ولله مايشاء!..

ويزدحمُ رأسُه بأفكارٍ سود… فيقرِّر التخلُّص نهائياً من داود، ولايكون ذلك إلاّ بقتله. فأضمر له كُلَّ سوءِ، وانطوت جوانحه المضطربة على قرارٍ أسود، خطيرٍ، ينتظر، لتنفيذه، الفرَصَ السَّانحات!.. فيخلو له الجوُّ عندئذٍ، وقد أصبح في بني إسرائيل فرداً أوحد، دون منافس، أو منازع، أو شريكٍ!..

وعلمت (مكيالُ) بما يُبيِّتُ أبوها، وما عزم عليه من فادح الشرِّ والبلاء.. فأطلعت زوجها على الأمر، فهتفَ بها:

– أإلى هذا الحدِّ، وصل الأمر بأبيك، ياابنةَ الكرام؟..

وفرَّ داودُ هارباً تحت جُنح الظّلام!.. ولحق بداود أنصارٌ وأعوانٌ. وافتُضح أمرُ طالوت، وانفضَّ عنه أتباعٌ وجندٌ. فلجأ إلى السيف، فلَه، وحدَه، فصلُ الخطاب!.. وثار عليه عُلماءٌ، وناصبه العداء قُرّاءُ، فأعمل في رقابهم السيف البتّار. وألقى الرُّعب في قلوب من حوله، وبدا لهم بطّاشاً، جبّاراً، دمويَّاً!..

والدّمُ يستتبعُ الدمَ!.. فليس لمعارضيه ومناوئيه إلاّ حدُّ الحُسام!.

فعلت الصّرخةُ،.. وباتت القلوبُ ترعدُ حقداً على هذا الطّاغية السفّاح، الّذي انقلب على من حوله من الرِّجال الأخيار!.

وخرج داودُ في ليلةٍ دكناءَ يتحسَّسُ أمر طالوت، فوجدهُ يغُطُّ في سباتٍ عميقٍ، وحوله ثُلَّةٌ من الجند يرقُدون.

فدنا منه على حذرٍ وترقُّبٍ، وئيدَ الخطو، رشيقَهُ، كالنَّملةِ في دبيبها على صفاةٍ. (أي: حجر أملس) فوجد الرمح إلى جانب طالوت، فاستلّه بخِفَّةٍ، وعاد!.

وأفاق طالوتُ بعد ساعةٍ، وتلمَّس رمحه فلم يجده، وتفقَّد جُنده فإذا هم نيام!.. فصاح بهم، فهبُّوا، وهم يفرُكون أعيُنهم، مذعورين.

وسألهم بصوتٍ هدّار: من المتجرِّئ على سلطان بني إسرائيل، فانتزع رمحه الذي كان إلى جانبه؟ فمطُّوا شفاههم، مستغربين، مُستنكرين، ونظر بعضُهم إلى بعضٍ، متسائلينَ، وقد قلقوا سيُوفهم في أغمادها،:

– الويل للمتجرِّئ الوقاح!..

وأرسلَ داودُ إلى «طالوت» رسولاً: إن رمحك معي. وقد أمكنني الله من نفسك ولكنَّني لم أبسُط إليك يداً بأذىً مخافة الله ربِّ العالمين. فلعلَّ في ذلك عبرةً لك واتعاظاً، لتُقلعَ عمّا أنت سادرٌ فيه من عماوةٍ وجهالةٍ، وغيٍّ وضلال!.. وكان لهذه الكلمات أثرُها الفعَّالُ في نفسٍ طالوت، فأصبح كمن بدأ يعودُ إليهِ رشدُه تدريجيَّاً، متلمِّساً سبيل هداه!.. وتحرَّكتْ نوازعُ الخير في نفسه، فأعلن أسفهُ على مافرَّطَ في جنب الله، وعضَّ أصابع النّدم على مااجترم من موبقاتٍ، وما أهدر من دماء الصالحين، وعلى مافتك بعلماءَ وقراءَ أخيارٍ!.. فهام على وجههِ فسي الصحراء، ينشُد (أي: يطلب) غفرانَ ربِّ الأرضِ والسَّماء، حتَّى وافاهُ الحِمام (أي: أدركه الموت).

وعلم بنو إسرائيل بهلاك الطّاغية، فهُرِعوا إلى داود مؤيدين، وتهافتوا عليه مُبايعين وشدَّ الله ملكه، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب!.. وآتاه الله أيداً (أي قوةً وسلطاناً) من لدُنه، وسُلطاناً مبيناً، وسخَّر له الجبال مسبِّحاتٍ معه صبحاً وعشياً. وحشد الطيرَ له، فهي طوعُ أمره بما يُريدُ ويشاء!..

وتحكي الرواياتُ قصة المزامير، فتنسُبُ إلى النبيِّ داودَ مجموعةً من مئة وخمسين نشيداً، تُعرفُ بمزامير داود، وتؤلِّفُ سفراً من التوراة.

داود والفتنــة

كان «أوريا بن حنان» من خيرة فتيان بني إسرائيل الصالحين.

فلما تاقت نفسُه للزواج، وجد في «سابغ بنت شائع» ضالّته المنشودة.

إنها على اوفر قسطٍ من الجمال والكمال والملاحة والصَّباحة، في فتيات بني إسرائيل. فطار إلى أهلها يخطُبها إليهم، فأجابوه مرحِّبين. وتوثَّقت بينهم وبين الفتى الوسيمِ وشائجُ (أي: روابط) قربى، وأواصرُ نسب.

ودعا داعي الجهاد. فهبَّ «أوريا» منخرطاً في صفوف الجند. وتقاذفتهُ المعاركُ من أرضٍ إلى إرضٍ. ومن ميدانٍ إلى ميدان. ومرَّت عليه، وهو يتنقَّل مقاتلاً، مجاهداً، بضعُ سنين. وقد أبلى في سبيل الله أحسن البلاء!..

وكان يمنِّي نفسه أن يمنَّ الله عليه بالعودة إلى أهله سالماً فيقضي حياته مع شريكةِ عمره، بسعادةٍ ونعيم!.

وفي إحدى المناسبات، وقع نظرُ داود على «سابغ»، فوقعت في نفسِه، وهامَ بها حبّاً!. لقد خلبَ لبَّه جمالُها الآسرُ الطاغي. وليس بين أزواجِه، وهن عشرات، يمتلئُ بهنَّ قصرهُ الرحيب، كسابغٍ جمالاً وحسناً، ووضاءة وجهٍ، ولألاء ابتسامةٍ!..

فتقدّم من أهلها يطلبها إليهم زوجاً له، تنزل في قصره على بحبوحةِ نعماء، وثراء.. فأسرعوا إلى تحقيق رغبة ما يبتغيهِ نبي الله، ومليكهم العظيم.

وأصبحت «سابغ» زوجَ داود الأثيرةَ عنده. وذاتَ الحُظوةِ، والَّدلِّ، والدَّالَّة، والشأن الرفيع. فقَّرِّ داودُ بها عيناً.

وكان داودُ، الملك – النبيُّ، يقسمُ وقتَه أرباعاً:

– فربعٌ لنفسه: يأخذ حظَّه من نعيم الدنيا، ومما آتاه الله من واسع الفضل، وعريض السلطان،…

– وربع لعبادة ربه: يتهجَّد، ويتعبَّد، فهو أمام مولاه جبّار السموات والأرضين، عبدٌ مسكينٌ مستكينٌ.

– وربعٌ للفصل بين الناس، والقضاء في ماهم فيه يختصمون، وللعدل أن يأخذ مجراه.

– وربع أخيرٌ لبني قومه، يعظهُم، ويُرشدهم إلى سواءِ الصِّراط!.

وكان على بابه جندٌ وحرسٌ. فداود قد أخذ نفسَهُ بنظامٍ، تعارف عليه، أيّامذاك، كلُّ الناس. فلكلِّ شئٍ إبّان! (أي: لكلٍ وقته).

وبينما كان نبي الله داود منصرفاً في قصره، إلى بعض شؤونه، وإذ برجلين قد انتصبا أمامه وكأنّهما هبط عليه من السماء. وسألهما داود عما يبغيان. فصرَّحا بأنّهما أتيا، مختصمين، إليه، فيحكُم بينهما بالعدل، دون شططٍ، ولا إسرافٍ!..

وتلفَّت داود حوله، فمن أين دخل الرجلان؟ وكيف غفلت عنهما أعينُ الحُرّاس؟.. فاحتكام الخصوم ليس هذا وقتُه. وابتلع ريقه بعد أن لم يجد بداً من الفصل في ماهما فيه مختلفان!..

قال أحدُهما: {إن هذا أخي له تسعٌ وتسعونَ نعجةً، ولي نعجة واحدة}- والعرب تكني عن المرأة بالنّعجة، فكأنه يقول، كما يراه بعض المفسِّرين، إن لأخي تسعاً وتسعين امرأة ولي أمرأةٌ واحدة- فما زال يغالبني في حجته وبيانه، ومنطقه وبرهانه، حتى غلبني، فأخذها مني.

فالتفت داود، نافراً مما يسمع، إلى الرجل الآخر، مستوضحاً

– أحقاً مايقول خصمُك؟

ويجيبُ الرجل: أجل، ياسيدي!..

– ولم؟.. يصيح داود مستغرباً.

فيجيبه: ليكمل عدد ماعندي إلى المائة!.

فاستشاط داود غيظاً، وانتفخت أوداجه حنقاً، أمام الظُّلم الصُّراح. فصرخَ متهدداً:

– والله، لايكون ذلك. فهذا ما لاحقَّ لك فيه، وإن وإن رمتَه، وأصررتَ عليه، ضربنا منك الجبهَة، والخيشومَ (أي: الأنف).

يشيرُ الرجل بسبّابتِه إلى داود، قائلاً: من فمِك أدينُك يانبيَّ الله!..

فما بالك، وأنت الّذي يغصُّ قصرُه بتسعٍ وتسعين من النساء الحِسان، تنفَسُ (من المنافسة) على (أرويا) زوجتَه الوحيدة، ولاتحفظُ له، وهو يجاهد في سبيل الله، عهداً في أهله، ولاترعى له ذمام حرمة؟..

وشعر داودُ، وكأنَّ السيفَ صدَعَ رأسه، فأُصيب بالذهول، ولم يُحِر جواباً!.

وأطرق إلى الأرضِ لحظةً، ثم رفعَ رأسه ليردَّ على الرجل، فهو لايعلم من أمر خطبةِ «سابغ» على «أوريا» شيئاً.

ولكن الرَّجلين اختفيا، وكأن الارض ابتلعتهما!.. وحملق داود في أرجاء البهو، فلم يجد أحداً،.

وخانتهُ قواه، فلم تعد قدماه تحتملان النهوض بجسمه،.. فخرَّ إلى الأرضِ ساجداً، منيباً، مستغفراً، تائباً، ودموعه تنحدر على وجنيه كلاذع الجمر، فتبتلُّ بها كريمتُه (بمعنى لحيته) التي وخطها المشيبُ. وألقى في روعه أنه كان بحضرة ملكين كريمين، أتياه مؤدِّبين، فعلِّماه مالم يكن يعلم، تلميحاً منهما، ورمزاً!.. وغفر الله لداودَ زلَّته!..

ولنستمع إليه تعالى في هذه الحادثة الفريدة:

{وهل آتاك نبأُ الخصمِ إذ تسوَّرُوا المحرابَ. إذ دخلُوا على داود ففزع منهُم، قالوا: لاتخف. خصمان، بغى بعضُنا على بعضٍ، فاحكُم بيننا بالحقِّ ولاتشطُط، واهدِنا إلى سواء الصِّراط. إن هذا أخي لهُ تسعٌ وتسعونَ نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ، فقال: أكفلنيها. وعزَّني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإنّ كثيراً من الخُلطاء ليبغي بعضُهُم على بعضٍ، إلاَّ الّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات، وقليلٌ ماهُم. وظنَّ داودُ أنّما فتنّاهُ فاستغفرَ ربَّهُ، وخرَّ راكعاً وأناب} (صدق الله العلي العظيم).

عدوانُ أصحاب السبت

أقرَّ الله لبني إسرائيل، على أن يكون السبتُ يوماً ينقطعون فيه للصلاة، ويعتكفون للعبادة!.. واستمروا على هذا الحال، ردحاً من الزمن، طويلاً.

وكان نبيُّ الله داودُ يحُضًّهم على ماهم عليه من تقديس يوم السّبت،.. ويحثُّهم على الانقطاع فيه لعبادة الله، وأعمال البرِّ، والتقرُّب إليه تعالى بالدُّعاء والصلاة. فلا تجارة في هذا اليوم، ولاصيد، ولا صناعة.

وكان في «أيلة» – القرية الواقعة على شاطئ البحر الأحمر- جماعةٌ من بني إسرائيل، يعبدون الله تعالى، ويُسبتون (أي: ينقطعون لله في يوم السبت)، كبقيّة بني إسرائيل. وكان البحرُ مورد رزقهم الوحيد، فهم يعيشون على صيده..

وشاء الله امتحانَهُم: فكانت {تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهِمُ شرَّعاً، ويوم لايُسبتونَ لاتأتيهم!}. وكانوا يرون ذلك، فيتنغصون..

الأسماكُ السِّمانُ، الكِبار، في مُتَناول أيديهم في كل سبتٍ، وفي ماعداه من أيام الأسبوع، فلا صيدَ، ولا أسماك!..

وحدثتهم أنفسُهم بالصَّيد، يوم السبت، وخرق العادة التي انتهجوها سنين طوالاً. واحتالوا على الأسماك، فاصطادوها في يوم سبتهم، الحرامِ!..

فذُعرَ من ذلك مؤمنو بني إسرائيل، وصُلحاؤهم الأبرار. ووجدوا في ماأقدم عليه قومهم، مروقاً (أي:خروجاً) من الدِّين، ومجاهرةً بالفسق والعصيان. فوعظوهم، وزجروهم، فلم يُغْنِ وعظٌ، ولم يُجدِ ازدِجارٌ!.. وأصرُّوا على الصَّيد في اليومٍ الحرام!..

ونهاهم نبي الله داودُ، وخوَّفهم عذابَ الله، وأليمَ عِقابِه، فلم يَرعووا..

واعتزلهم مؤمنو بني إسرائيل، فليس الكافرُ، المبارزُ الله بالمعصية، للمؤمن جاراً!.. وأقاموا بينهم وبين هؤلاء الفسقةِ جداراً: فهذا حيُّ المؤمنين الأطهار، وتلك ديار الكافرين الأشرار. وازداد الفسقة على ماهم عليه إصراراً، واستكباراً!..

ورفع نبي الله (ع) يديه الكريمتين إلى السماء داعياً عليهم بعذاب الله. فزلزل الله الأرض بالكافرين، فدُمِّروا تدميراً.

وقال لمن تبقى منهم على وجه الأرض، حياً: {كونوا قِردةً خاسئين!}.. فكانوا مسوخاص ولاأحقر!..

ومُسخ من كان في البحر، فكانوا «سمك الجري» الأملس، الذي لازعانف له ولاحراشف،.. بل جلدٌ أملسُ ناعمٌ، كجلد الحية الملساء!..

وهكذا حقَّت كلمة العذاب على القوم الكافرين!..

سليمان خليفة أبيه من بعده

بعد حادثة الغنم التي نفشت في حرثِ القوم (وقد وردت مفصلة في قصة النبي سليمان (ع)، ظهر أمرُ سليمان، وكان صبيّاً يافعاً، بعد أن أجرى الله على لسانه حكمةً، وفصلَ خِطابٍ.

و أخذ داودُ يتعهَّد ابنَه سليمان، وقد أوحى الله إليه، أنَّه الخليفةُ من بعدك، ونبيٌّ، ومن الصّالحين!.

ولكن، ها هوذا «أبشالوم» ابنُ داود، القويُّ العتيدُ، والجبّارُ العنيدُ، المقصيُّ عن حظيرةِ قدس النبوَّة، وسُدّةِ الحكم والسُّلطان،.. وقد أضمر لكلٍّ من أبيه داود وأخيه سليمان، شرّاً مستطيراً!..

فكيف تؤولُ (أي: تنتهي) الخلافةُ والنبوَّةُ من أبيه إلى سليمان، وهو الأقوى، والأشدُّ، والأمنعُ، والأعزُّ؟.. فتقرَّب «أبشالوم» إلى بني قومه، وأغدق عليهم كلّ عطفٍ وعطاء، حتى استرقَّ (أي: استعبد) قلوبَهم، وتمكَّن من نفوسِهم. فكثُرَت جماعتُه وأعوانُه فلما أطمأنَّ إلى ذلك، نادى فيهم بالثورة على أبيه وأخيه، فثاروا، واشتدّت الفتنةُ بينهم فكانت كالريح العاصف، واضطرب أمرهم. ونظر داودُ حواليه فلم يجد لنفسه إلاّ أن يفرَّ هارباً، فصعد جبل الزيتون بمن معه حافيا باكياً، وهنالك، تضرَّع إلى الله تعالى أن ينجِّيه مما حاق به من بلاء..

والتحق بداود قادةُ جيشه، وأنصارهُ، فطلب إليهم العودة، مشدّداً على أن يعالجوا الأمور مع ابنه «أبشالوم» بالحكمة، والحسنى، وأن يحافظوا على حقن الدّماء، ماوسعهم الأمرُ، لايدّخرون في سبيل ذلك جهداً.

وانتهى الأمر بقتل «أبشالوم» ووُئدَت (أي: دفنت حيّةً) الفتنةُ، وعادت الأمورُ إلى ماكانت عليه.

النهايـــة

وانصرفَ نبي الله داودُ إلى ابنه سليمان، فهو وريثُه، والنبيُّ من بعده، في بني إسرائيل، كما شاء الله وأراد.

وقرَّت عينا نبي الله وهو يرى ابنه يتدرَّج في مراتب النُّبُوَّةِ، ومقاليد الملك، ومعارج السلطان!.. كيف لا!.. وقد آتاه الله من لدنه، حكمةً، وفصل خطابٍ، وسيؤتيه من الملك والسلطانِ على طوائف الإنس، والجنِّ، وطير السماء، ووحش الأرض، وقد علّمه الله لُغاتها، ومنطقها، جميعاً فهو يأمرها بما يريد، وينهاها عمّا يشاء!..

وأخيراً،.. فقد آن للجنديَّ المحارب أن يأخذ حظَّهُ من الراحةِ، وقسطه من الهدوء.. وما ذلك إلاّ بانطلاق روحه الشريفة في رحاب الله اللامتناهي، وملكوته الأعلى اللاّمحدود.

فقضى،.. وقد شاعت على ثغره الوضئ إبتسامةُ سعادةٍ ورضى!..


کارها

Information

پاسخی بگذارید

در پایین مشخصات خود را پر کنید یا برای ورود روی شمایل‌ها کلیک نمایید:

نشان‌وارهٔ وردپرس.کام

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری WordPress.com خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

تصویر توییتر

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Twitter خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

عکس فیسبوک

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Facebook خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

عکس گوگل+

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Google+ خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

درحال اتصال به %s




%d وب‌نوشت‌نویس این را دوست دارند: