استقبال شهر رمضان

2 09 2008

استقبال شهر رمضان

رمضان مدرسة ذات فلسفة ورسالة

فشهر رمضان، مدرسة الروح والفكر والضمير. ودورة تكميلية للنواقص البشرية. وحملة تطهيريّة، لتصفية الرواسب التي تتكلس في قرارات الإنسان. خلال أحد عشر شهراً.

وبعد ذلك فشهر رمضان فترة الحضانة والتفكير.

ولنشرح النقطة الرابعة ـ الآن ـ عسى أنْ تفصّل الثلاثة الأوليات أثناء البحث.

فالإنسان الذي يعيش الاجتماع سنة كاملة، يقتحم في غضونها كل جوٍ، ويباشر كل تفكير، ويمارس كل تجربة ومعركة ومحيط، تترسب على عقله وقلبه وعواطفه، أكوام باهضة من (الغبار الاجتماعي) الذي يثور في كل جو، نتيجة الصراع الاجتماعي الدائب في كل مكان، يعيشه أكثر من إنسان ويتحرك فيه أكثر من نشاط.

وليس من المضمون، أنْ يكون الإنسان أثيراً في كل جو وبيئة ومحيط، ومع كل نشاط وإنسان بحيث يعطي ويطوّر، ولا يأخذ ولا يتطوّر، بل الإنسان مهما صلب ونشط، يتأثر كما يؤثر، كلمات هنالك: إنّ العباقرة يؤثرون أكثر مما يتأثرون، والبسطاء يتأثرون أكثر مما يؤثّرون، وأمّا البوتقة الاجتماعية، فلا تبرد عن مزج الشخصيات المنصهرة فيها، وتفريغ النتاج المزدوج في نفوس المستلهمين من ذلك: (الجو الاجتماعي) المتألف من مجموع الشخصيات المتفاعلة فيه… فكل من يتغذى من ذلك الاجتماع، يتغذى من جميع الشخصيات التي عاشوا مترابطين منذ الأزل، فكان منهم ذلك الاجتماع، وكل تفكير صورة جماعية لملايين الأفكار، وكل شخصية نتاج ازدواج ملايين الشخصيات… ومن هنا ينشأ تطور الفكر البشري، الذي يوحي بتطور بقية مظاهر الحياة.

ومتى كان (التفاعل الاجتماعي) دائباً لا يفلُّ عن إنجاز هدف الطبيعة من الاجتماع، كان الفرد الذي يتكون تحت رعايته، ويدرج في أحضانه، مصباً قهرياً لكافة تياراته، ومعرضاً أكيداً للانحراف الطائش، مع اتجاهاته الكثيرة المتشابكة، من حيث يشعر ويريد، أم يكره ولا يشعر.

وإذا صحت هذه الحقيقة ـ هي صحيحة ـ واستسلم الفرد للتجاوب مع الاجتماع، والانصياع لإرادته وميوله، كان منقاداً للمجهولات المتحكمة في ذلك الاجتماع، وكان جديراً بأن يتكسر ويتهدم، ويترسب على عقله وقلبه وعواطفه، ما يعوّذ منه اليوم، ويغدو من العبر القائمة، التي كان يستجير منها بالأمس، ويكون ريشة على متن الإعصار، لا يعلم لماذا، ومتى، وأين يهوى به في القرار.

فلا بد لمن يعايش الاجتماع، من (عاصم واع) يسلس له حتى يتجاوب ويتفاعل مع الاجتماع، فينمو ويتطوّر، إلى حيث يحسن الانطلاق مع إرادة الاجتماع، والاندماج في مواكبه، والانضواء تحت راياته… ويكفكفه من الاندفاع الطائش مع الإرادات الأجنبية، التي تسلل إلى الاجتماع لتسخيره وتسييره في الاتجاهات المتطرفة، التي تبدأ من عقر بلادنا، وتنتهي بدر خيراتنا في لهوات المستغلين والانتهازيين…

وهكذا، كان لا بد لكل إنسان يعيش الاجتماع، من (مصقل) يتقن كشف واقع الحوادث، وتحديد موقف الفرد منها، كي لا تنتهي بخسارته.

وكذلك المجتمع، الذي يكون (وحدة) في المجموعة البشرية، المؤلفة من مجتمعات عديدة، يبقى عرضة دائمة، لشتى الانحرافات، ونهزة لأقوى المجتمعات المتفاعلة في المجموعة البشرية، وكتلة يترسب عليها الغبار العالمي.

فالمجتمع الحي الواعي، ليس هو الذي يبقى مغلفاً معصب العيون، حتى يغدو وكراً للعناكب، ونفقاً مظلماً للراقدين… ولا ذلك المائع السافر الذي لا يعرف الأسوار والحصون، ولا يعترف بالطهارة والصدق، بل يفتح أحضانه لكل وافد منبوذ، ويرحب بكل عابر ممسوخ… وإنّما ذلك المجتمع، الذي يفتح نوافذه على الشرق والغرب، لتختلف فيه الأنسام، وتعكس فيه الإشعاعات، وتفاض عليه الاتجاهات والآراء والميول، من قواعد الإرسال، فيدرس ويجرب كل واحد، فيغلق النافذة التي تتسلل منها الأوبئات باسم الثقافات، ويوّسع النوافذ التي تهمي الثقافات النافعة، فيعيش الموئل الخصب المأمون، الذي تتصافح فيه الحضارات والمدنيات، فتتفاعل وتزدهر، ولكن لا يهمل واقعه بلا ضمان، حتى يصبح مصباً للمستنقعات العفنة، ومرتعاً للزوائد الشاذة، وأرضاً للمعارك الأجنبية، التي تدور على حسابها، ويقتطف نتاجها الآخرون.

فالاجتماع، الذي يريد أنْ يشعر بوجوده العضوي، في الأسرة الدولية والعالمية، ويحب أنْ يمثل البشرية العادلة، التي ليست بالمتأخرة ولا بالمتطرفة، عليه أن يرتبط بـ (معقل) حصيف، يحصنه من الجمود والانجراف.

وفي شهر رمضان، يقوم بجزء من دور (المعقل العاصم) وتتجسد رسالته في إسباغ الحصانة على الفرد والمجتمع.

فهو فترة التأمل والتفكير، ومحاسبة النفس، وعرض الواقع الذي يعيشه الفرد والمجتمع، على ذلك (المعقل) المعصوم، الذي لا يزل ولا يخطأ، وذلك (الضمان) الفردي والاجتماعي، الذي يحصن مرابطه من التأخر والتطرف، ويكفل له الهداية والرشاد، إلى سواء الحقِّ والصراط المستقيم، وهو (القرآن الحكيم).

فالإسلام قرر شهر رمضان، حتى يكون شهر التبتل والانقطاع، الذي يسلخ الفرد ـ والمجتمع المتكوّن من الأفراد ـ من التوغل في الحياة المادية الرتيبة، ليفرغه للتمسك بذلك (المعقل الحريز).

ألا ترى الإسلام، كيف دفع النّاس دفعاً إلى تلاوة القرآن الكريم، في هذا الشهر العظيم، حيث جعل ثواب قراءة كل آية منه في هذه الفترة، بمنزلة قراءة سبعين آية أو تلاوة القرآن كله، فيما سواه من الشهور؟

ألا ترى الإسلام، كيف يحبذ الإكثار من الأدعية المأثورة، التي تفصل أهداف القرآن، وخصص بكل وقت من أوقات هذا الشهر أدعية تسد جميع الوقت، وتبلغ بالداعي أقصى درجات الوعي والصفاء؟

ألا ترى الإسلام، كيف حتم بصرامة بالغة، صيام هذا الشهر كله، لتتميم رسالة رمضان، بتفريغ المعدة وكبح الشهوات، اللذين يعملان على كشف الرواسب، وصقل الأذهان، لتتأهب للتلقي والتجاوب والقبول؟.

ألا ترى الإسلام، كيف يحفّز على مواصلة (الاعتكاف) في هذا الشهر، لينقل الصائم حتى من أجواء الحياة الصاخبة المزدحمة، إلى جو عبادي هادئ، كيما يبتعد عن واقعه المألوف، فيتفرغ لضميره وقرآنه وأدعيته، ليعرض عليها نفسه وحياته السابقة بكل هدوء وأناة، ثم يقول هو كلمة ضميره وقرآنه وأدعيته في نفسه؟…

ألا ترى الإسلام، كيف يشجع على التأمل والتفكير، حتى يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين عاماً)؟.

ألا ترى الإسلام، كيف يُلفت النّاس إلى فحص واقعهم، وتجديد النظر في أنفسهم، ويحذّرهم من مغبة الانطلاق الأهوج وركوب الأهواء، فيقول على لسان نبيه الكريم: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) فإنّ عثرة المسترسل لا تقال؟.

ألا ترى الإسلام، كيف يحرص على سهر ليالي رمضان، وإحيائها بالذكر والتلاوة والصلاة، ويعوض النوم فيها بـ (نوم القيلولة) قبل الظهر، حيث علم أنَّ جو الأسحار وهدوئها الملهم، يبعث على صفاء الأفكار ونبوغ العبقريات؟

ألا ترى الإسلام، كيف يدعو ـ في هذا الشهر ـ إلى حسن الخلق والعفو والإحسان، والتواصل والتحابب، وجعل ثواب كل معروف مضاعفاً، ليذيب السخائم الداخلة، التي تغلي وتجيش، فيشغل الفكر بواقعها الثائر، عن مهادنة الصائم، للانصراف إلى محاسبة حياته الماضية، والاستلهام والتصميم للمستقبل؟.

ألا ترى بقية آداب وتعاليم رمضان، كيف تتضافر على تجريد الإنسان من الشواغل الماديّة كلها، وتفريغه لواقعه وضميره وقرآنه، يعرض واقعه على قرآنه، ويترك ضميره يحكم له أو عليه، في أمان ممن يدس أنفه في المحكمة بلا استحقاق، ليؤنب هو نفسه على ما فرطت، ويصمم لإلزامها الصواب حتى لا تخبط من بعد؟.

فرمضان بمؤهلاته وآدابه (فترة المحاسبة والحصانة) التي لا يحصل الاعتدال والنبوغ إلاّ فيها، ولا يقدران إلا بقدرهما… واعترافاً بهذا الواقع، نجد النوابغ، والعظماء يقدرون في برامج حياتهم، ما يسنح لهم من فترات شاغرة للمحاسبة والتفكير، ولا تتأزم المواقف إلا ويوفرون على تلك الفترات قطاعات أخرى من الوقت، لتعينهم على اقتحام الأزمات بنضوج، وعندما يبرزون إلى الحياة، نجد حصانتهم بمقدار سعة تلك الفترات.

ونظراً إلى هذا الواقع، يعتبر الإسلام شهر رمضان، أقل فترة يجب أن لا ينقص منها أي إنسان، وحتى إذا ما نقصت تحت إلحاح الضرورة، أو الطوارئ التي تلجأ إلى الأسفار، كان على الإنسان أنْ يعوضه فيما يلي بمقداره، أما ما أنقص منها بلا مبرر، فعليه التعويض والكفارة والعذاب، ولكن يستحب لمن يستطيع الزيادة أن يزيد، فليس ذلك إلا توفيراً على الكمال الإنساني. فيستحب الصوم ثلاثة أيام في كل شهر أوله ووسطه وآخره، وأيام الجمع، والأيام البيض، وشهور رجب وشعبان ورمضان، وأيام أخرى لمناسبات أخرى، ثم من زاد فله الأجر…

ذلك جزء من فلسفة رمضان، وهذه فلسفة رفيعة لا يحققها في واقعها غير النوابغ والعظماء، ولكن الإسلام بنظراته الشاملة، التي تنكر الاستئثار، واستغلال فئة خيرات الدنيا، وإنْ كانت هي العبقريات، فلا يحب الإسلام تخصيص السيادة بأفراد دون آخرين، وإنّما يرى أنَّ كلَّ تطلّع إلى الحياة، يستحق من الحفاوة والرعاية، بمقدار ما يستحقه أعظم الفلاسفة النابهين، حتى تكون المسؤولية عليه إنْ هو توانى عن استخدام صلاحياته ومؤهلاته… وأنَّ كل فرد في حياته العائلية وعمله وأهدافه. يحتاج إلى الرعاية والنبوغ، بمقدار ما يحتاجه الملك في تنظيم حكومته، فلابد من تعميم التعاليم التربوية، وتوسيعها من القاعدة حتى القمة، ليتكون كل فردٍ في حياته الخاصة والمشتركة غنياً يحمل في تفكيره النبوغ والنضوج، ويعرف مصادر الحياة وأهداف الكون… ويعني ذلك خلق مجتمع متساوي القوائم والأضلاع، وتعميم نظريات اجتماعية بالغة الأهمية.

وإذا صح أنْ في الشهور شخصيات.. فإن شهر رمضان، شهر ذو شخصية لامعة، له مميز خاص، وطابع معين، لأنّه شهر يؤثر في حياتنا ويحوّرها، ومن هنا كانت شخصيته، التي ينفرد بها، لا يدانيه فيها أي شهر، حتى شهر الحج، لا ينافسه شخصيته، لأنّ الحج أيام معدودات، لا يشعر بها إلاّ من يعيش في البلاد المقدسة، أو يفد إليها، أما شهر رمضان، فيملي أحكامه من أول يوم فهي إلى آخر يوم، ثم لا يترك النّاس إلاّ وهم على أبواب عيد، وهو يعيش ويمنح جوه الخاص للمسلمين، عموماً في مشارق الأرض ومغاربها، لا كذي الحجّة، الذي لا يشعر بالحج، غير الواقفين في عرفة، أو الماكثين بمنى.

فهو انتفاضة روحية عامة، وتوحيد للشعور المادي بين المسلمين، وتأهيب سنوي لكافة الفئات والعناصر، والمتناقصة حول كثير من المسائل والحقائق.

شهر التربية

وشهر رمضان شهر تربية، والرياضة العملية، ومصح لمعالجة الغرائز والضمائر والأرواح.

فالإسلام الذي يحرم وجبات الطعام الرتيبة المعتادة، طوال هذا الشهر، ويأمر جميع النّاس، بأن يغضوا الطرف عن أقترف النظرة الأثيمة، وكبح المشاعر، عن اقتحام المغريات.. وإنْ يفطموا شهواتهم، ولا يستجيبوا للنزوات المشروعة وغير المشروعة سواء… إنّما كان يهدف من جميع ذلك، تكوين الوازع الخلقي، والزواجر الأدبية للأفراد، ليخفق في قلوبهم الشعور برضا الخالق، والتطلّع إلى النعيم، كيما يجتهدوا لتطهير أنفسهم من السخائم، واستدرار العطف والمكرمات فيها، وحتى لا يغفلوا عن مداركة أرواحهم، بمنحها بعض الحقوق المفروضة لها..

وإذا كان المسلم يستقبل رمضان بهذا الشعور، وهو يسلم قياده إلى العقيدة، التي تنوي بناء كيان المسلم من خلال فرائضها.. يتضرَّم شوقاً إليه، ويحفل به بلهفة وجشع.. فيعلو ويتعاظم… وأما اللذين لا يفقهون رمضان، إلاّ فرضاً محتماً، لزمهم كما تلزمهم الأتاوات، والإلزامات الحكومية الجائرة، فهم الذين يستقبلونه كلّ عام بتذمر ونقمة، ويجعلون من الصيام رواية تعرض على مسرح الرياء واللهو والمعصية، ولا يمر بهم رمضان، إلا ويتسفلون، بمقدار ما يجب أنْ يرتفعوا به…

إغفال الفلسفة

وأكثر ما يحز في واقع المسلمين ـ تجاه رمضان ـ: أنّهم يتنكرون لفلسفته، ويغلقون أذهانهم عن وعي المعاني التي يُفصح عنها الإسلام، من وراء هذا الشهر المبارك..

فمعظم المسلمين، لا يكادون يذكرون شهر رمضان، إلاّ قبيل حلوله، ولا ينصرم عنهم إلاّ ويتناسونه، ويسدلون على ذكرياته ستار الإهمال.

دراسة رمضان

وأما دراسة رمضان، وأجوائه وأهدافه، فتلاقي الجحود والعنت، أكثر من رمضان… رغم أنّ رمضان، يمثل الركن الرابع من الإسلام، فيجب أنْ يُولي المسلم دراسته كلَّ عناية واهتمام.. ورغم أنّ المعاني الحيّة، المتوفرة في هذا الشهر، تدر على الباحثين، موارد سخية، تعمر البحوث والدراسات، بالنبوغ والتركز.

وحتى أولئك الذين تعنيهم دراسة رمضان، إنّما يلخصونها في الفروع الفقهية، التي لا يصح الصوم إلاّ بمعرفتها، كدراسة الأعذار المبيحة للإفطار، والأحوال التي توجب القضاء، أو القضاء والكفارة معاً، وحكم الصائم في السفر الحلال أو الحرام.

أما جماهير المسلمين، فليس نصيبهم من رمضان، سوى التقليد، ولا يفكرون في أكثر من الإمساك، والإفطار مع النّاس، ليعتبروا بذلك ـ وحده ـ أنفسهم من الصائمين، الذين أدوا الفريضة، ونالوا رضا الله، مع أنَّ الله لم يتجلَّ على المسلمين برمضان ـ كشهر للصيام ـ إلاّ لينتزعهم من أحضان المادّية الخالصة، ثم يسمو بأرواحهم وأخلاقهم، إلى مصافِّ المقربين… ومع أنّ رمضان، ليس مجرد شهر فُرض صيامه على النّاس، ليعذبوا أنفسهم بالحرمان نهاراً، والسهر العاطل ليلاً، حتى مطلع الفجر… فحكمة الله أرهف من أنْ يحتّم على عباده العذاب نهاراً واللهو ليلاً، فهو لم يخلق الجن والإنس، إلاّ ليعبدوه عبادة معرفة تربوية، تطهرهم، وتذُهب عنهم رجس الشيطان… وليس الهدف من العبادات، مجرد الطاعة والاستجابة من جانب النّاس، والتسخير والتعجيز من جانب الله فحسب، وإنّما الهدف الأهم والأجل أنْ تفيد العباد في حياتهم، وتصقل أرواحهم كيما تُحلّق بإنسانيتهم، إلى حيث يليقون بالكرامة الإنسانية، التي أرادها الله للعباد.

نتيجة الإغفال

فرمضان مدرسة… والصوم رسالة… هدفهما نفض الإنسان، من الرواسب والزوائد، وإشماله بحملة تطهيرية وتربوية بناءةً، توسع الإنسان كلّه: عقله وجسمه وروحه… وتعيد منه كلّ سنة خلقاً جديداً، وتضفي عليه تبلوراً جديداً…

ولكن نتيجة الانشقاق الخطير، الذي صعق المجتمع المسلم ـ على أثر تضافر عوامل وعناصر عديدة ـ فُنزع الإسلام من المسلمين، وجعل من الإسلام شيئاً مثالياً أثرياً يُقدّس ولا يُنال، وجعل من المسلمين شيئاً ثانياً مترسباً يرفض التوجيه والإصلاح…

ونتيجة تنصل المسلمين عن وعي الإسلام، واقتناعهم باعتباره فرضاً محتماً، لمن أطاعه الجنّة، ولمن عصاه النّار…

ونتيجة إقصاء الإسلام عن دفة الحكم والمجالات العامّة، وتقلّصه عن مراكز النشاطات القيادية، وانعزال المسلمين إلى زوايا المساجد وعقر البيوت…

ونتيجة ازدواج الشخصية لدى المسلمين، التي استهلت على أثر استفحال التجاذب الاجتماعي، وارتباك المسلمين، الذين أصبحوا مصباً ومعتركاً لمختلف التيارات الفكرية الاجتماعية، فتكسرت شخصيتهم القويمة، وتأثرت بتلك المؤثرات، التي تتكسر وتتناقض مع بعضها… فأضحى كل مسلم صورة حية للتلاقح الاجتماعي، ونموذجاً حائراً، تحلل من ارتكازه الفطري والديني، ولم يظفر بارتكاز آخر يحدد مواقفه إزاء الحوادث الجسام، التي تتوارد بأرقام جنونية في دنيا اليوم، بل بقي متردداً بين الانحياز لقوى الخير، أو التدهور مع المغريات…

ونتيجة مأساة الضياع والتمزق، التي يعيشها الجيل المسلم المعاصر…

ونتيجة مؤثرات كثيرة، تحوّلت الفرائض الدينية ـ في وعي المسلمين ـ إلى تقاليد لا تهدف إلاّ ذاتها، فهي مفروضة، لأنَّ الله تعالى شاءها، فحسب… دون أنْ يعرفوا لها فلسفة، أو يتصوروا أنَّ لها جذوراً وفروعاً معرقة في الحياة والمجتمع، فيحاولوا كشفها، والتغلغل إليها… فكأن الله سبحانه، رامها بإرادة دكتاتورية عمياء، تطلب لأنّها تريد… فهي تبغي… ولا بد أنْ يتحقق ما تروم… ولا مرد لما تشاء… على النمط الأهوج، الذي ألفوه من بعض الحكام الفرديين، الذين كانوا يُطلقون الأوامر التائهة، للتعبير عن استعلائهم، ثم يعاقبون على العصيان، لا لضياع الهدف المنشود، وإنّما لأنّه يخدش غلوائهم العتيد، وإنْ اعترفوا ـ في نفس الوقت ـ بأنَّ ما في ما طلبوه ألف خطأ مزمن يخبط المجتمع كله… فلا بد أن يكون ما يطلبون، وإنْ اعترضته رقابهم، أو كانت فيه دمائهم… فتجب الطاعة العمياء، وتحقيق المآرب الرعناء، لا لذاتها، ولكن لأنّهم طلبوا، ولا بد أنْ يكون ما طلبوا… وتعالى الله العليم الحكيم، عمّا يرجف المنحرفون علواً كبيراً…

وعلى أثر سيادة هذا التصوّر المهروس، في بعض الأوساط، أصبح نوع تلقي النّاس للأوامر الشرعية، كما يمليه هذا التصوّر، وأضحى أدائهم للواجبات كيفما يوحي به ذلك التصوّر، ومثلما يلهمه ذاك التلقي، فكان الأداء مجرد صورة قالبية محدودة… ومن الطبيعي أنْ تكون إطاعة التقاليد الجوفاء بإيجاد طقوس شكلية آلية، شبه أتوماتيكية. فالأمر الذي يصدر لمجرد إعلان الذات، تكون إطاعته حركة تنطبق على أبعاد صيغة الأمر فحسب، لإسقاط الواجب وكفى!…

وقد تغلغل هذا التصوّر الجاحد، في بعض الأوساط المؤمنة، إلى حيث نرى النّاس يرفضون الإيمان، بأن الله تعالى إنّما شاء الفرائض لتركيز الشخصية المسلمة ـ مثلاً ـ ولا يطيقون السير على الأسس الجدّية العملية، لإنجاز مقاصد الإسلام، حتى بات من المُشاهد أنَّ كثيراً من المتدينين، الملتزمين بحدود الله، لا يحققون هدفاً واحداً من أهداف الإسلام، ولا تطفح أعمالهم وسلوكهم مسحة من روح الإسلام، وتعاليم الرسول…

فما أكثر المصلين، الذين يشهدون الجماعة باهتمام أكيد، ولكنهم لا يتمالكون عن التطاول على ضعيف، وإهمال جارهم الفقير، وتناسي قريبهم المريض… ولا يترددون في سبّ من يعارضهم في أتفه الأسباب، أو لطم الطفل العابر، الذي يدوس سجادهم أو حذائهم، أو نهر صاحبهم في صفوف الصلاة، بغلظة بادية، إذا ضايقهم المكان، أو أصابهم عضو منه في حركة عفوية… دون أنْ يدور في خلدهم أنَّ الجماعة، وإنّما استحبت، للتواصل والتوادد، وتكوين الجسد الواحد ـ الذي إذا اشتكى عضو منه، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ـ من الأجساد المتفرقة، وإشاعة الشعور بالقوة الروحية، وإشعار كلٌّ بأنَّ هنالك الكثيرون، ممن يشاركونه الرأي، ويتظافرون عليه في العمل.

وما أكثر من يقول كل يوم الله أكبر، مائة مرة، ثم يذوب تواضعاً واستكانة، إذا تصدى له جندي، أو قابله موظّف… ويكيل المدائح المغالية جزافاً، لأصحاب المال والرئاسة… وينسى صلاته إذا وطئته مشكلة أو مأساة… ممّا يؤكد على عزوف الحركة الدينية من ضميره، وإخلائه للحركة التقليدية…

وتبعاًَ لنفس السبب، كثر في الصائمين، من لا يعترف بصيامه الإسلام، ولا يعدو صومه حرماناً بليداً، كحرمان النائم والمصروع، دون أن ينبض فيه حس من صيام له حركة وظل وروح…

فشاعت بينهم النماذج التالية

نماذج من الصائمين

أولئك الذين يحيون اللهو والتحلل والمجون في سائر الشهور، فإذا حان شهر رمضان، خلصوا إلى الصيام والمسجد والعبادة، وتمسَّحوا بأسارير الصالحين، ومظاهر المتقين… فإذا انسلخ الشهر، سلخوا مسوحهم وروائهم، وتكشّفوا عن واقعهم السابق، دون أنْ يهرّبوا معه تأثراً واحداً من نبضات الصيام، وهم يرددون مع منشدهم:

رمضان ولىّ، هاتها يا ساقي***مشتاقة تهفو إلى مشتاق

فكأن للعبادة موسماً محدوداً، كبقية المواسم الخاصة، فعلى الإنسان فيه أنْ يفرغ لمتطلباته، وله ـ في غيره ـ أنْ يعاود حياته السابقة، فيكرع ويعوم، كيفما تشاء نزواته، بلا قيود ولا حدود… ودون أنْ يكون بين العبادة والنزوات تناقصاً وتدافعاً، فالصيام ـ في رأيهم ـ يعيش على مائدة الخمر والقمار، وإلى جانب الخيانة والقذف والاغتصاب… كما نجد في القاهرة، يقيمون المسجد إلى جانب الملهى، ويخرج المصلي من هذا ليدخل في ذاك، لتعبير عن الخطأ في وعي مفهوم فرائض الإسلام…

أولئك الذين يدمنون الصيام والتلاوة والدعاء، في أيام رمضان، ويعيشون الهزل واللهو، والسهرات العاطلة، والتسليات البريئة وغير البريئة، عبر ليالي هذا الشهر العظيم، دلالة على نشاط التألبات الخيرة والشريرة معاً في قرارهم… فهم يستجيبون لصيحات الخير تارة، ونعرات الشر أخرى، ويرفهون عن هذه نهاراً وعن تلك ليلاً…

أولئك الذين يصومون بالإمساك عن المفطرات العشر، سحابة النهار، فإذ كان وقت الإفطار، اندفع يعبّ من تلك اللذات، التي يحسب أنّه حُرم منها فيما ذهب من الوقت، فيلتهم بجشع أعمى، كلما يجد، لينتقم لبطنه وغريزته…

أولئك الذين يستقبلون رمضان، بتهلل الأطفال، شوقاً إلى المزيد من المطاعم الشهية، ظانين أنّهم في ضيافة الله، وعلى مائدته، فلهم أنْ ينعموا بأكبر قسط ممكن من المتاع، دون أنْ تكون عليهم رقابة، أو ينتظرهم حساب، وهل يحاسب الله ضيوفه على الشبع والارتواء؟.. فلذلك يبدعون في تنويع المأكولات، وتشكيل الفواكه والمعلبات، لا لينفقوها في سبيل الله، أو يواسوا بها المعدمين من أرحامهم وجيرانهم، كلا.. إنّما ليلتهموها بإعجاز..

أولئك الذين يصومون، ويوشحون أطراف الليل والنهار. بالتلاوة والصلوات والأدعية والأذكار.. ولكن يحسبون: أنّهم ينجزون أعمالاً ضخمة هائلة، ترهقهم، وتبهض أعصابهم الرقيقة الوانية.. فتعتبر لأنفسهم دالةٌ على الله وحقاً على النّاس، فيكون على الله أنْ يحقق كلما يرومون في الدنيا، ويسلّم إليهم مفاتيح الجنّة مجموعة في الآخرة.. أوليسوا هم الذين يعبدون الله حق عبادته. أوليسوا هم الربَّيون الذين أخلصوا أنفسهم لله، فعبدوه كما لم يعبده سواهم؟.. ومن أجدر منهم بالجنّة، وهم الذين لا يمدون يداً إلى أعمال الدنيا، انشغالاً بالآخرة، ولا يفترون عن عبادة الله؟؟.. وعلى النّاس أن يسكنوهم أحداقهم، ويوفروا لهم أهنأ الحياة.. ومن أولى بالتكريم، وهم الذين يعمرون الليل بذكر الله والصلاة، فيما يحييه الآخرون باللّهو والفساد، ويقضون الأيام بالصيام بينما يترفه الآخرون في الإفطار؟؟… فإذا خرج واحدهم إلى النّاس. عكر أساريره. وعقد جبينه، وقابلهم كالحاً مربَّداً، تقدح نظراته الشزر، بالتفوّق والإزدراء، ولهم الويل إذا لم يستقبلوه بأحر الإحتفاء والإجلال، ويستحقون منه التنكيل والتنديد، ولا شكّ أنَّ ذلك وحده يكشف عن خلل في نطفهم، فلا يأثم من يتطاول عليهم بالقذف والجرح الفاجر..

وكأنَّ هؤلاء لم يقرءوا قوله تعالى: ((قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ)) و ((مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها)) و ((إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها)) و ((وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)) فالذي يفعل الخير، إنّما يوفر على نفسه المعروف، ويدرأ عنها العذاب، وحتى الذي يسديه إلى الآخرين، إنّما يخدم به نفسه عن أولئك، فليس لأحد فضلاً على إنسان مهما عمل خيراً، وليس لمخلوق دالة على الله، وإنْ فاق الأنبياء والنبيين بل لله الفضل والمن، على الصالحين إذ هداهم إلى مناهج توفر عليهم سيادة الدنيا وسعادة الآخرة، ومن ذا كان يهتدي إلى برامج السعادة، لولا أنْ هداه الله؟. وهذه الدنيا تواصل رحلتها المضنية الطويلة، بحثاً عن السعادة، وترخص المجازر والأموال، ثم لا تجدها ولن تجدها إلاّ إذا فائت إلى هداية الله، أو ليس الله تعالى هو الذي يقول: – ((يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ)) فالمنُّ لله علينا إذ أنقذنا بهديه.. وأمّا الله تعالى فهو أغنى عنا وعن كل ما نعمل، وإنّما يروم الله من الفرائض، أنْ تصلح عباده، وتهديهم إلى الحسنات، كما يهتف بذلك القرآن الحكيم: ((لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ)) فلا يغنم الله شيئاً إن تسامى النّاس ملائكة قديسين، ولا يبخس إن كفر العالمون، وأعلنوا عليه الحرب الشعواء، وليس له أي مأرب في أن يضحي هذا أو يصلي ويصوم، ولكن يريد أنْ يصهر العباد، كي يطهرهم ويذهب عنهم رجس الشيطان، فيؤدون حقوق الله وحقوقهم وحقوق النّاس، ويعيشوا وادعين متعاونين.. ويهنئوا في حياتهم الخالدة بالنّعيم المثالي الطويل.. ولا يتناقضوا فيعكِّروا حياتهم.. ويتقاذفوا في الحطيم اللاّهب الظروس.. فيلفهم الشقاء والويل…

أما أنْ تكون لإنسان دالة على الله، لإكثاره المعروف، فهو نتاج ارتداد الفكر الصادق، وانخفاض وعي الإسلام في العقول..

سؤال

فهذه النماذج، التي تغزو أكثرية الصائمين، تتضافر على شل الصيام،عن إنجاز أهدافه الكثار، وتشجع الشكوك، والشبهات، أنْ تحوم حول ما يسرده المُبلغون، من فوائد الصيام.. فيتطلع عليها السؤال التال: –

إذا صحّ للصيام هذه الجملة الغفيرة من الآثار، التي هي وحدها كفيلة بتعميم الإصلاح الشامل في المجتمع، من القمّة حتى القاعدة، فلماذا تشبكت المشاكل، وتتراكب العقد في الجمهور الصائم، ولا يختلف عن الجمهور المفطر، في أي جانب من حياته، رغم تكرر شهور رمضان؟..

جواب

والجواب: –

أ- لا يوجد في البلاد الإسلامية، ما يسمى بالجمهور الصائم ـ إذا أغفلنا البلاد المقدسة ـ فأكثر المسلمين، يفطرون الشهر كله، ومتى تمسحت برمضان عاصمة من العواصم؟. أو هل رأى النّاس تطوّراً في البلاد لوفود رمضان؟. ومن ذا وجد حكومة متأسلمة تكافح الإفطار، كما تكافح أدنى الجرائم الثانوية؟. أو تعاقب عليه مثلما تعاقب على سب رئيسها، في الحد الأدنى؟. أو تلزم به النّاس كما تلزم الطلاب بدراساتهم والموظفين بدوائرهم؟.

بل الواقع المرير، الذي يحز في صميم المجتمعات الإسلامية أنَّ جمهور الصائمين ـ إنْ صح التعبير ـ يؤلف إلا أقلية صغيرة، مبعثرة على مدى أبعاد، شديدة التوتر والتمزق، لأنهم لا ينحتون من الصيام، رباطاً يلملم أشتاتهم الموزَّعة… والمجتمع أبداً، لا يتطوّر إلا بأكثرية عاملة، أو أقلية متداعمة مجتمعة، تؤلف مجتمعاً صغيراً تحت المجتمع الكبير، ليعمل على غزوه والتأثير فيه…

وهنا يسبق إلى الذهن سؤال آخر، قبل إكمال الجواب عن الأول، يقال: حتى الفرد الواحد الصائم، يجب أنْ يصلُح بالصوم، ما دام الصيام يؤثر تلك الآثار، وليبق المجتمع فاسداً، فيما نرى الأفراد الذي يصومون لا يصلحون بالصيام، بل لا يختلفون عن غيرهم. أو ليس هذا يؤكد على عجز الصوم عن إنتاج تلك التأثيرات التي تسردنها للصوم؟..

والجواب:

أولاً: إنَّ الفرد الصائم، يتطوّر قليلاً ـ ولا ريب ـ في جسمه وعقله وروحه، وأكبر شاهد على هذه الحقيقة: إنَّ نسبة الصالحين في المصلين الصائمين، أكثر من نسبة الصالحين في غيرهم… كما أنّ الأمراض الفتاكة، لا تشن حملات التصفية والإبادة عليهم، بقدر ما توسعها في غيرهم، وخاصة الأمراض الناجمة عن التخمة، والبدانة، والترسبات، والإرهاقات الداخلية، والبؤرات الصديدة… كما أنّ إحصاءات الجرائم، التي تصدر من أصل مليون متحلل مائع، أضعاف الجرائم التي يدان بها مليون مصل صائم ـ لو أخذنا هذا العدد وحدة قياسية ـ وسجلات المحاكم والسجون تؤكد هذا الواقع..

ثانياً: إنَّ كل إنسان يلتحم أو يشتبك مع آخر، يفتح ذلك في واقعه بلا استئذان ـ تياراً يغذيه بجميع تأثيراته وانطباعاته، من خلف اللاشعور، فيتأثر به ويتفاعل معه ـ رضي أم أبى ـ على اختلاف الطاقات السلبية والإيجابية، والمؤثرات والاستعدادات في الجانبين… وإذا كانت خيوط الحياة كل إنسان تتلاحم وتشتبك مع خيوط حياة ما لا يقل عن عشرة آلاف إنسان في السنة ـ على الأقل ـ وإذا كانت نسبة المتأثرين من هؤلاء بمناهج الإسلام 1% أي كان مجموعهم 100 من أصل 10000 إنسان، فكيف يطيق الإنسان الواحد، العائم في ذلك الأصل الجّم، أنْ يحتفظ بتأثراته، دون أنْ تُستهلك، أو تتشوه بالتيارات المناقضة الخارجية، الزاحفة فيه. ودون أنْ يسفر التلاقح الاجتماعي الدائب، عن تأثره أكثر من تأثيره…

أما الأبطال، الذين يعيشون في صراع مع الحياة، دون أنْ يتأثروا بها أو ينهاروا عن المقاومة والصمود، فلا يمخض بهم الزمان إلاّ بتقتير، لا يقاس بهم كل صائم، يمنحه الصوم نزراً من المناعة والتركُّز، ثم لا يلبث الصراع أنْ ينزع مقاومته، ويسقط في المعركة…

وهكذا يتغلب الجو الوسط اللذان يعيشهما الصائم، على الواقع الذي يعاهده الصيام بالتشييد كل عام..

* * * * *

ب: إنّ الجمهور الصائم ـ إذا استثنينا أفراداً تحصيهم الأصابع ـ لا يؤدي الصوم، كعمل تفاعلي وسيطي، يهدف إلى غايات، وإنَّما يعتبر الإمساك الذي يطلق كملة (الصوم) غاية بنفسها، كما شاهدنا في النماذج السابقة، التي تؤلف أكثرية الصائمين ـ والواقع الذي لا بد من الاعتراف به: إنَّ الصوم الذي يتفاعل مع الحياة ويطوّرها، حقيقة مجموعة متداعمة، كما صممها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين بقوله: (من صام رمضان، وهو يحدّث نفسه: إذا أفطر أنْ لا يعصى الله، دخل الجنّة، بغير مسألة ولا حساب) وإذا كان هذا هو الصوم الذي يهدفه الإسلام، فلا صوم لمن لا يزكي نفسه الصوم، فيكف بصره ولسانه وأطرافه عن التطاول بالسوء، ولا يحن على الضعيف، ولا يعين المحتاج، ولا ينشر المعروف، ولا يتفقد جاره، ولا يعاود أخاه، ولا يميط الأذى عن الطريق، ولا يكافح الإجرام.. كما لا صلاة لمن لا تحصنه صلاته عن الفحشاء والمنكر…

فليس من الصيام ما يفعله الرجل، الذي يسرف ليلته في زاوية المقهى، إلى جانب التلفزيون، أو على موائد القمار والخمر… أو في السينمات، والملاهي، والمسارح، والأوبرات… أو بالسهرات العاطلة البليدة، التي تنهش لحوم الأموات، وتتفكه بأعراض الأبرياء بالاغتياب والاتهام… ثم يشحن معدته بأقصى مبلغ من الطعام و الماء ـ في وجبة السحور ـ حتى لا تفرغ إلى آخر النهار… وحينما يغادر الفراش، يصبح منكمشاً يتكلف العبوس، للتأكيد على أنّه صائم، فينهر من يناقشه، ويشتم زوجه، ويصفع ابنه، لا لشيء إلاّ لمجرد أنّه صائم، وهو يرى في صيامه كل المبرر للإساءة وسوء الخلق… وعندما يمضي إلى عمله اليومي ساعات متوترات، يتكلف التثاقل والانهيار، كي لا ينجز إلاّ أدنى قسط من عمله، يعاشر خلاله النّاس بالتعدي والسُباب… ولا تحين فترة الظهيرة، إلاّ ويسرع إلى مخدعه، ليستسلم لنوم عميق، لا يفضه إلاّ قبيل الغروب، حيث تهيج شهواته العارمة، فيتخطى صحن الدار، ليأمر ويستجوب ويستحضر هذا وذلك… والويل لمن يتنكر له، أو يغلط له في آخر ساعة من نهار رمضان… ثم يجلس على المائدة مضطرباً لا يطيق الهدوء، حيث تهزه صيحات الأمعاء، التي تستعجل صوت الأذان، فلا يطلق المؤذن تكبيرته الأولى، إلاّ ويلتهم بجشع، كل ما تحت يديه، حتى يمتلأ جوفه، فيستلقي إلى جانب المائدة، فترة ينتقم فيها لرئته ما خسرته من التدخين أثناء النهار، ويغزل فوقة رقيقة من الدخان… ثم يسترد قليلاً من النشاط، ليسحب نفسه بتلكؤ، إلى حفلاته وسهراته مع أصدقائه، ليعبر ليلته كأمسها في البطالة والمعاصي…

وليس من الصوم، ما تعمله المرأة، التي تتأبط معاصم أخدانها، في التجولات المريبة، بحثاً عن السينما الخليعة، والملهى المائعة، والسهرات الفاجرة… أو تنتقل مع صويحباتها بين مجالس السهر على شاشة التلفزيون، وموائد القذف والغيبة والسُباب، والضحكات الرقيقة، والمداعبات المحضورة… ثم تستفيق في الضحى متكاسلة، تهمل أولادها، وتشتط على خادمتها… وتقضي أصيلها في الأسواق، بتبرج جاهر، لتشتري من هذا ذاك، وما تحتاجه وما لا تحتاجه، بترف وإسراف باديين، أو ليست في ضيافة الله؟… ومن ذا يطلق أنْ يمنع عباد الله من نعم الله، وهم في ضيافة الله؟… وبعد إفطارٍ نَهِمٍ، تعاود حياتها السابقة، ومع هذه وتلك، إنْ لم يكن هذا وذاك…

وهذا الرجل، وهذه المرأة، مثلان، لجمهرة الصائمين والصائمات…

وهذا النوع من الصوم، لا يستطيع أداء رسالة الصوم متوفرة، كما شاءها الإسلام، وإنّما يؤدي من رسالته، بمقدار ما تتوفر فيه عناصره ومقارناته.

صحيحٌ أنَّ الصوم مدرسة الجهاد المنتصر، والصبر القوي العزيز، والجود، والحلم، والتقوى، واليقين…

صحيح أنَّ الصوم كلّه خير وتركيز وتطهير، إنْ لم يصنع من الفرد المسلم، ربانياً ملائكياً، فلا أقل من أن يزوده بالقدرة على مغالبة الشهوات، ومكافحة الأهواء، ويزيده قرباً من الله، ونصيباً من الفضائل والأخلاق…

صحيح أنَّ الصوم ترويض ومران، سنّهُ الله تعالى، ليعصم المسلم من السقطة والضياع، ويصونه من الاستسلام والخنوع، ويحصنه من أنْ يخلع عذاره، ويركب رأسه، ويجري أعقاب الغوايات، مستهزئاً بالتبعات…

صحيح أنّ الصوم جامعة تربط المسلمين، في جميع أبعادهم، برباط وثيق لا يُشل ولا يتوتر…

صحيح كل ذلك… وأكثر من ذلك… ولكنَّ الصوم، ليس إرادة معجزة، تنحدر من وراء الطبيعة، لتخرق نواميس الكون، وتفعل أهدافها بالإعجاز…

وما أراد الله سبحانه للصوم أنْ يكون معجزاً، فيشل رسالة الحياة الدنيا، وإنّما الصوم طاقة حرارية، متى توفرت في إنسان أيقظت تياراته الدفينة والمزمنة، لتعبِّر عن أقصى تفاعلاتها مع الكون والحياة… وإذا توفرت في أُمّة، حلّقت بها ـ في فترة قصيرة ـ إلى حيث لا يحلّق إليه حلم الشاعر المجنح…

ولكنّ ذلك لا يكون، إلا إذا تأدب الصائمون بآدب الصوم، ومثّلوا سنن الرسول، الذي كان أحلم النّاس، وأحلم ما يكون في شهر رمضان، وأجود النّاس، وأجود ما يكون في شهر رمضان، وكان سامياً رقيقاً، وأسمى ما يكون في شهر رمضان، وخاصة في عشرهِ الأواخر، حيث كان يطوي فراشه فيها، ويضرب له في المسجد، خِباءٌ من الشعر، لإدمان الاعتكاف…

وذلك لا يكون، إلاّ إذا صام النّاس جميعاً ـ عدا المعذورين ـ وأكرموا شهر الصيام، بالحفاوة والتقدير…

ولا يكون إلاّ إذا صامت الأوساط الشعبية، عن الرقص المبتذل، واللهو الخليع، والاختلاط الآثم، المستتر بالخنا والراح.

ولا يكون إلاّ إذا صام المجتمع كله… فصامت الدوائر الحكومية، والمدارس، والمستشفيات… وصام الكاتب بقلمه، عن كتابة ما يميله خيالة من حوادث التهتك، والخطيئة والإغراء… وصام الفن عن تصوير العهر والرقاعات، لإثارة ضعاف الأمزجة، والشخصيات المزدوجة، وتشجيعها للخروج على المبادئ والأخلاق، تقليداً لأبطال الأقاصيص الواقعية أو الخيالية… واشتركت الأوضاع، والتقاليد، والإذاعات، والتلفزة، والملاهي، والحانات، والمواخير… مع النّاس في الصيام، ليعقدوا جواً صائماً، يتفاعل مع النّاس والحياة، فيطوّر النّاس والحياة…

المارقون

أما إذا تمرّد المجتمع كلّه على الصيام، فأفطرت الحكومات، وأجهزة الدول، والدوائر، والمدارس، والمستشفيات، والشوارع، والملاهي، والمقاهي، والمطاعم، والبارات، وحوانيت المرطبات… واستخدمت الأفلام والفنون، من ليالي رمضان ـ المستحب إحياؤها بالقربات ـ موسماً حافلاً للتغلغل والنشاط، فاستمرت المقاهي، ومحطات البث، والملاهي، والمواخير، والحانات، والسينمات. حتى مطلع الفجر… واستنجدت بفتحات السحور، للتوفير على دعايات الإباحية والانحلال…

أما إذا تواترت في الشوارع، والأندية، والحدائق، والمراكز العامّة، أسراب الشباب المائع الخليع، وهم يجترون قطع الحلويات والمعلبات أو ينفثون في لفائف التبغ، ليبرهنوا على شجاعتهم بالتجاهر بالإفطار، ويعلنوا تقدميتهم بالشذوذ عن النظام، والتمرد على ملزمات الفكر والعقيدة…

أما إذا أذيعت من الإذاعات (المتأسلمة) ـ عندما يستهل رمضان ـ مقطوعات غنائية، تسخر من الصوم، وتدعو إلى التشبع من مباهج الحياة…

أما إذا تربَّع خلف كل منضدة حكومية، قرد منتفخ، يحمل بين أنامله سيجارة تغزل خيوط الدخان، ويستحضر الشاي والماء باستمرار، بلا احتشام من المراجعين…

أما إذا أرصدت الدوائر المختصة ـ مع بزوغ رمضان ـ بيانات رسمية تندد بكل من يتصدى للمفطرين بالإنكار، وتهدده بالسجن والإرهاب…

أما إذا تفكهت رؤساء الحكومات (المتأسلمة) في خطاباتها، بنوادر حول الصائمين، وعلّقت عليهم السخرية الرعناء، تدليلاً على تحررهم من التقاليد والخرافات…

ونحن نعلم أنّ هؤلاء جميعاً، هزلاء الضمائر، ساقطوا المروءة، ميتوا الإحساس، لأنَّهم يتحدون الشعور العام، ويجرحون المقدسات، ويتطاولون على أرقى مظاهر الفكر والنظام، والكرامة الإنسانية، المتمثلة في الإسلام، دون أن يبالوا بهتك المحيط، أو يكترثوا بالتمرد على الله…

ونحن نعلم أنّ هؤلاء صنايع الاستعمار، وأصابع المستعمرين، الذين تحركهم الإيحاءات المنفوثة من وراء السياج أو البحار…

ونحن نعلم أنّ هؤلاء يمثلون طغمة الأقزام، المأجورة لنسف الإسلام وتعبيد الطرق للمستعمرين، وهم الذين تحميهم الدعايات، والحكومات، والشرطة، والبوليس، والبنادق، والصواريخ…

ونحن نذكر أنّ هذه الحكومات الاستعمارية، التي استخلفت الحكومة العثمانية ـ في أيامها الأولى ـ عندما كان يلفها إفلاس الأصابع والصنايع، كان تستكري النساء، ليتجولن سافرات في الشوارع، وكانت تستأجر الرجال، ليتظاهروا على الإسلام، في سبيل القضاء على هيبته المكينة في النفوس، واعتياد المعاصي في المجتمع… فلما كثر المائعون المتحللون، تركت الحكومات أجراءها، وألفت من المتطوعين، حلقات لضرب الإسلام وفصله عن الحياة… فهم ينفذون إرادة حكومية استعمارية، من حيث يعلمون أو لا يعلمون…

ولذلك تحميهم السلطات… ويمنحون كافة الحريات… ويسخرون من الصائمين بوقاحة باسلة، فيما هم أجبن خلق الله في كل مجال، إلاّ في مجال التطاول على المؤمنين، والاستهتار بالرأي العام، وإرادة السماء…

ولذلك يكون على المسلمين الصادقين، أن يمروا بالعصاة مطأطئين، ويهضموا السخرية والازدراء، ويكظموا ثوراتهم العارية… لا خوفاً من بطشة العصاة، لو تركوا والمؤمنين، لما قاوم العصاة ضحية من النّهار… بل لأنَّ الحكومات تساند العصاة، وتحارب المؤمنين، بالطرق الملتوية مرة، والسافرة تارات… ولأنَّ المستعمرين ألّبوا القوى الخاضعة للحكومات الوضعية، من أجل استخدامها ي مطاردة الإسلام، والمتمسكين بالشعارات الدينية، وجنّدوا حول الزمر التي تتولى حملة الانحلال، الأقلام والصحف المتاجرة، وجميع أجهزة الدعاية والتأليب.

ولو لم يقم هؤلاء بعمالة الاستعمار، كيف كان للنزق العاهر منهم، أنْ يتسلق كرامة المسلم الوقور، ولا يكون له رد الاعتداء، وإنْ مثُلا أمام الحاكم كيف كان له أن يحكم للعاهر على المسلم، مهما كانت الدعوى والإفادات…

ولو لم تحشد الحكومات إمكاناتها لخدمة الإباحية والاستعمار، كيف كانت تحمي الخارجين على القوانين الإسلامية، وتدافع عن الذين يؤذون الشعور العام بوقاحة واستفزاز، وتزدري بالمحافظين على العقيدة والهدوء والاستقرار…

ولو لم تكن الأجهزة الحكومية، والسائرة في ركاب الحكومات، عميلة موجهة بتوجيه الاستعمار، القابع في أوكاره العفنة، كيف حقت للأقلام السليطة، أنْ تثير غضبتها المزعومة، وتنصب نفسها للدفاع عن (ما تسميها) بالحرية الشخصية، لكل مواطن، إذا منع مسلم إنساناً عن الإفطار، أو عن أية جريمة محرَّمة، وتنسى الحرية، وتحامي عن الحكومة والنظام، إذا أنكر مسلم نظام الجمارك والضرائب، والربا والاحتكار، فكأنَّ الحرية المغلوبة على أمرها لا تعشعش إلاّ في ظل الاستخفاف بالدين، والقيم الروحية…

ولو كانت حكومات البلاد الإسلامية، حرة، كما تتصايح، فكيف تقلد البلاد (المسماة) بالمتحضرة، في كل تحلل وميوعة، ولا تقلدها في تكوين (بوليس الآداب) لتعقيب الذين يسيئون إلى الشعور العام…

وإذا كانت هذه الحكومات، توفر الحرية الكاملة لشعوبها، فلماذا تمنحها للعابثين والمتهجمين على الدين، وتحرمها على كل من يروم التحامل على اللادينية والمنجرفين…

ونحن لا نطالب الحكومات، بجعل (بوليس الآداب) في البلاد الإسلامية، لأنّه سيطارد المحافظين، ويشجع العابثين، ولأنَّ الإسلام جعل ضمير كل مسلم بوليساً قوياً، والحكومات تعمل على خنقه وإلغاء مسؤوليته، فهي أحرى أنْ لا تكوّن بوليساً خارجاً…

ولا نطالب الحكومات، بفرض الرقابة على النّاس والأقلام، لأنّها فرضت الرقابة على النّاس والأقلام المؤمنة، فيما هي تهتف بالحرية، فماذا تصنع، إن هي أعلنت مصادرة الحريات، وفرض الرقابات…

ولا نطالب الحكومات، بحماية الإسلام من العناصر المارقة، لأنّ الإسلام أمنع من أنْ يتأثر بمروقها، وقد قاوم من هم أشد قوة، وأكثر آثاراً فما لان ولا استكان، بل زادوه مناعة ورسوخاً، وزادهم لعنة وفناءً…

ولكنّا نقول للمتسائلين:

إنْ صح أنَّ للصيام هذه الجمة الغفيرة من الفوائد، فلماذا لا يختلف الجمهور الصائم، عن الجمهور المفطر، رغم تكرر شهور الصيام؟…

نقول لهم:

إنَّ هذا النّوع من شهر رمضان الذي يتسلل برهبة وضمور، إلى هذه الأجواء والحكومات التي نعيشها، مع ما يألف جمهور الصائمين، في تلك التي فصلناها قبل حين، لا يطيق إلاّ إنجاز أبعاض مبثوثة من رسالته الشاملة الكبرى، ولا يُسئل عن هذا العجز والخفوت، ما دام هو لا يتكامل بنفسه في المجتمع…

 

Advertisements

کارها

Information

پاسخی بگذارید

در پایین مشخصات خود را پر کنید یا برای ورود روی شمایل‌ها کلیک نمایید:

نشان‌وارهٔ وردپرس.کام

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری WordPress.com خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

تصویر توییتر

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Twitter خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

عکس فیسبوک

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Facebook خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

عکس گوگل+

شما در حال بیان دیدگاه با حساب کاربری Google+ خود هستید. بیرون رفتن / تغییر دادن )

درحال اتصال به %s




%d وب‌نوشت‌نویس این را دوست دارند: